Wednesday, July 11, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: الكهف

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الكهف/

تحية إمتنان وشكر لكل الغواصين وعُمّال الإغاثة اللي يومًا ما انتشلونا من الكهف...
كام مرة لقينا حالنا ضايعين جوا كهف... ومنسوب الدموع عم يعلى ويعلى حتى اتحبسنا وما عدنا عارفين نطالع حالنا...
هونيك... جوا... جوا... بالعتم والرطوبة والسكون المشبوه، لما أبسط صوت بيتحول لضجيج مرعب...
هونيك... جوا... جوا... فقدت الاتصال مع الناس وبعِدت لدرجة بطّل فيني أبعت حتى كلمة أو إشارة أو نداء استغاثة ...
هونيك صليت وقلت: يارب... يارب حدا يحس بغيابي ويجي ورايي يدور عليي ويلاقي حذائي ودراجتي ع باب الكهف...

أكيد في ناس كتير مرّوا من جنب باب الكهف... طب ليش ما سألوا عليي؟

يمكن لأنهم فكروني مو محتاجة مساعدة، لأني دخلت بإرادتي، بمزاجي، وكامل قوايي العقلية... والنفسية...

يمكن فكروني أنا مقررة كون لحالي، عم يحترموا خصوصيتي، والوقت الإنفرادي تبعي... وبكل حسن نية، حاشاهم يكونوا متل الكاهن أو اللاوي ولا حتى السامري الصالح، قرروا يكونوا موضوعيين وواقعيين وما بدهم يزعجوني بحشريتهم أو تدخلهم، لهيك تاركينني على رواق...

يمكن فكروا الموضوع مو مستاهل، هي مغارة صغيرة مو كهف، وأنا لسا طفلة، لسا مراهقة، لسا طالبة جامعة، لسا متخرجة جديد... لسّا ولسّا ولسّا... ما شفت شي من الدنيا حتى كون عالقة بكهف ومحتاجة مساعدة... بكّير على هيك هموم... هدول الناس أنضج مني وأكبر مني وشايفين وضعي طبيعي وبسيط، بالعكس، شايفينه ضروري مشان أتعلم دروس رح تفيدني بالمستقبل لما ساعتها بقا يجد الجد... مو هلأ... قايسين كهفي على مقاييسهم وطلع في الموازين إلى فوق... قاسيين عليي بموقفهم وبإنسحابهم ومستخفّين باللي أنا فيه...

يمكن ما فكّروا من أساسه... هني مرّوا مطاطيين راسهم وشافوا حذائي مو لأنهم عم يدوروا على شي ع الأرض، هني كتافهم محنية من كتر الهموم... مرّوا مشغولين بحياتهم ومشاكلهم ودنيتهم... مو ناقصين هَمّ زيادة...

بس في ناس وقفوا... بكل "فصل" من فصول حياتي كان في ناس بتوقف... وبتسأل: هاد حذاء مين؟ أو بتعرف ان هاد حذاء رهام، هل هي بخير يا ترى؟
في ناس خلعت حذاءها احترامًا لقدسية الأرض جوا كهفي... وفاتت ورايي تدور عليي وتنادي إسمي...
في ناس حسوا إني طوّلت بغيابي هالمرة وبعتوا ورايي حدا بيعرف المنطقة، حدا مختص، حدا متمرّن، حدا متواضح رح يوطي راسه عند باب الكهف ويدخل من الطريق الأضيَق والأكرَب...

هدول الناس... في منهم اللي كمّل بحياته وما عدنا كتير على اتصال بس لساتني حاملة البصمة اللي تركها بمرحلة كتير حساسة وحرجة من حياتي أنا، حساسية المرحلة ضاعفت من الاحتياج بهداك الوقت وبالتالي ضاعفت من المفعول الإيجابي ومن عمق بصمته وجمالها... وفي منهم اللي لسا محتاجته بهاد الـ"فصل" الحالي بحياتي، وقد ما كابَرت ورفضت وادّعيت اني مو محتاجته، باسمع صوت صدى أفكاري عم يتردد على حيطان الكهف ويطلب المعونة...

يا ترى شو كهفِك اللي انت علقانه فيه حاليًا؟ هاد هو السؤال. صارلِك كام يوم عم تتفرجي على الأطفال ومدرّبهم بتايلاند وعم تتابعي أخبارهم انت وعم تقولي لحالك: أنا كمان محتاجة حدا يساعدني، يمكن مو لدرجة انه يضحّي بحياته ويموت متل واحد من الغواصين اللي زميله سحبه غايب عن الوعي بآخر رحلة الـ 6 ساعات وهني عم يوصّلوا أوكسيجين للأطفال، وللأسف ما استعاد وعيه وما صحي... بس على الأقل أنا محتاجة غواص يحاول، محتاجه يبعتلي تطمين: أنا شايفِك، أنا مهتم لأمرِك، أنا رح حاول ساعدِك، انتِ مانِك لحالِك، انتِ مهمة وبتستاهلي وقتي واهتمامي وتواجدي معِك... يمكن تكوني محتاجة فريق ويمكن محتاجة صديق، انتِ اللي فيكي تحددي موقعك بالكهف وتستنجدي بفريق إغاثة كامل ومُجهّز أو تتصلي بصديقة تفضفضيلها وتطبطب عليكي...

يمكن يكون السؤال بالنسبة إلك مختلف شوي، ما عم تسألي حالك: "شو كهفي؟"، عم تسألي حالك: "شو دوري؟" يمكن شفتي حذاء، يمكن سمعتي نداء، يمكن إحساسِك من جوا عم يأشّرلِك على حدا معين ويقولِك: فلانة مو على بعضها، يمكن محتاجة مساعدة، يمكن محتاجتِك انتِ تحديدا. حتى لو مانِك حاسة حالِك عندِك هالشي العظيم اللي ممكن تقدميلها اياه، بس اللي أكيد عندِك هو قلب يحب وأدن تسمع وإيد تلمس، هدول كنز لو انحطوا مع بعض بيعملوا مثلث برمودا فيها رفيقتك ترمي جواته همومها فتختفي وتتلاشى... ولو لقيتي ان رفيقتك همومها أكبر من هاد المثلث اللي عندك، فانت عندك شي رابع هي محتاجته، عندك كتف قوي تقدري تحطيه جنب كتفها، ومشاكلها اللي أتقل من انها هي تشيلها لوحدها صرتوا متشاركين بشيلتها... ونياله كل مين عنده كتف جنب كتفه يشيل معه مسافة، طالت أو قصرت، على طول هالدرب...



بدون تعليق: أول مرة باكتب مقال بسلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة" مو بالفصحى، ما فيني قول اني اخترت العامية (السوري) بقرار واعي، الحقيقة ان هي اللي اختارتني وهيك كان المقال مكتوب براسي وهيك طلع، طبعا كان فيني "ترجمه" بس خليته متل ما هو.

وأول مرة بحط صورة مو أنا اللي مصورتها، لهيك مافي عليها توقيعي لأنها لا تصويري ولا رسمي أنا. هي فنانة (مو أكيد، يمكن تطلع صبي) رسمت عمليات الإغاثة في لوحة رائعة فيها مجموعة حيوانات كل واحد منهم رمز لشخص أو مجموعة أشخاص، والرجل الحديدي هو الملياردير إيلون مَسك.
فرق الإغاثة بحسب جنسياتهم كانوا كالآتي: الأسد فريق الإغاثة البريطاني، الكنجر هو الأسترالي، الباندا هو الصيني، النسر هو الأميركي... الخ / الضفادع رمز كل الغواصين / التنين رمز للمهندسين وعمال الحفريات ومضخات تفريغ المياه / الطيور رمز الميديا...

Thursday, March 8, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: البطلة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/البطلة/

المشهد الأخير... تنقله إليكم الشاشات بنقاء عالٍ HD  لتعيشوا الحدث لحظة بلحظة...
عندما تسقط البطلة... رحلة الأسيرة الأخيرة... ساعات ما قبل الإعدام...


دعوني في البدء أقترح عنوانا بديلا للمقال قد يجده البعض مناسباً أكثر:
مذكرات زوجة قسيس كافرة
/اليسوعة/

اختيار هذا التاريخ على وجه التحديد لتنفيذ حكم الإعدام في اليوم العالمي للمرأة، له دلالات عدة، أهمها أن تكون هذه "البطلة" عبرة لمن اعتبر، فيشهد الثامن من آذار/مارس 2018 نجاح حملة "كم الأفواه" لبثّ الرعب في نفوس كل الإناث اللواتي تسوّغ لهن أنفسهن – وألسنتهن وحساباتهن الإلكترونية – على التفوه بالحقيقة، وبالتالي يمتنعن عن ذلك...

تُثار التساؤلات كغيمة غبار تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي:
هل حقاً وقعَت البطلة في الأسر؟
أم أنها هي التي سلّمت نفسها طواعية للسلطات... الغير معنية؟
هل يحق للأبطال الإستسلام؟

يمشي شريط الأسئلة أسفل الشاشة ليقرأه المشاهدون وهم يتابعون البث المباشر.
لا تخلو الجماهير من زمرة قليلة جُلّ ما يعنيها هو كون الأسيرة امرأة هذه المرة ولا بد للثياب الممزقة من أن تكشف عن أنوثة تلعقها عيونهم الجرباء، لكن نسبة كبيرة من المتفرجين يرون الأكبال وكأنها أساور وخلاخيل تجمّل الأسيرة وتزين معصميها ورسغيها، والبقية الباقية هم الأغلبية الواقعية التي تتأمل لون الحديد الصدىء تنساب من فوقه دماء طازجة بأحمرها اللامع في عز شمس الظهيرة...
صوت قرقعة السلاسل بإيقاع سير الأسيرة البطيء يتردد صداه عبر فضاءات السوشال ميديا مرفقاً بهاشتاج #أيقونة_الحقيقة بهدف السخرية من البطلة إسوة بهاشتاج عمره آلاف السنين #ملك_اليهود، فقد عجز الجنود الرومان آنذاك، وسجّاني الفكر في يومنا هذا عن إدراك نفور البطل (أي بطل) من الألقاب، بما فيها لقب البطل/البطلة. لكنها الخدعة التسويقية التي تساعد في تكاثر أعداد المتابعين وتزيد سرعة انتشار الخبر كالنار في الهشيم وتدفع بالعيون المذعورة والأصابع المرتجفة إلى الضغط على المثلث المائل فيبدأ تشغيل الفيديو لنقرأ في مُستهلّه جملة تحذيرية: "هذا الفيديو يحتوي على مشاهد عنف لا تناسب أصحاب القلوب الحساسة"... جملة لن تُثني أحداً عن المشاهدة، فالإنسان بطبعه مخلوق فضولي، سيضاعف فضولَه استخدام كلمة "بطلة" ويا حبذا لو صاحبتها كلمة صادمة لتكوين عنوان رنان: "سقوط البطلة"...

كتعطش مصاصي الدماء لغرز أنيابهم في جسم الضحية، يغرز الفضوليون أنوفهم ليشتمّوا الرائحة اللاذعة لما أسموه "فضيحة"... بينما في مكان آخر... في عُلّيات مُغلّقة، تجتمع الركب والأسنان المصطكّة رعباً، حيث أحكمَت التلميذات المختبئات إقفال الأبواب والشبابيك خوفاً من تعرضهن للإعتقال وتلقّي ذات المصير...

التهمة: سؤال
نَصّه: ماذا لو تجسد الله في جسم إنسان أنثى؟

كانت الصياغة الاولية لهذا السؤال نابعة من عفوية وبراءة تفكير ابنتي بُعَيد عيد ميلادها السادس: "هو ليه يا ماما في يسوع ومفيش يسوعة؟" عجزتُ يومها عن الرد، إلا أن الفكرة سكنتني كالمرض العضال الذي تظهر أعراضه بصورة تساؤلات وتهيؤات تعاودني كلما وجدَت لنفسها شرارة جديدة كأن أنظر إلى السماء فأرى الغيوم وقد اصطفت ليكتب بياضها: #Me_Too  إلهي حي، ويقول لي أنه يشعر بي...

هل هذه حقيقة؟ أم أنها وهمٌ تمنّيته بالشدة الكافية إلى أن تحول إلى حقيقة؟
إذا كان يسوع الإنسان قد عاش ذكراً في الجسد، فكيف يمكنه أن يفهمني أنا الإنسان الأنثى في الجسد؟
هل حقاً أنه يشعر بي، وأنا بداخل جسم امرأة؟
هل يتّحد معي في إنسانيتي، في جسدي، ليس كخالقه بل كمرتديه وساكنه؟
هل يلبس جلدي في نعليه ويمشي به ميلاً، طواعية، دون أن يسخّره أحد؟
هل سار فعلا على الأرض مثلي؟ أنثى في شارع ذكوري...
هل حمل عاري؟ عار أنثى، معيوبة لمجرد كونها أنثى، وكأن الأمر بيدها، صوتها عورة، وكينونتها عيب العيب...
هل ذاق طعم مخاوفي؟ مخاوف أنثى تنتفض عندما تنقضّ عليها المخاوف كالضباع...

هل كان جسده الذكوري كجسدي؟ يمكنه أن يحتوي نار الحب دون أن يكتوي بها... يمكنه أن يتلوّى من الألم بداخله دون أن يعتلي وجهَه أي تعبير... يمكنه أن يحبل ويلد ويُرضع أفكاراً كنسل إبراهيم بعدد رمل البحر ونجوم السماء... يمكنه أن يسقي سنيّ عمره دمعاً وقطرات عرق نازلة كالدماء مع آخر كل نهار ومع مطلع كل فجر يختم ليلة طار نومها... يمكنه أن يحيك مشاعره شبكة تسافرعبرها الأحاسيس بسرعة الضوء فتزيد زينتها جمالاً وتقعيداً وتحولها إلى فخ يصطادني ويوقعني فريسة في شرك المشاعر المتشابكة المعقدة...

ماذا لو كان الله قد اختار في ملء الزمان أن يتجسد في صورة ذكر لكنه عبر العصور والأزمنة يختار مراراً وتكراراً إناثاً ليشرّفهن بأن تتجسد أفكاره وحبه وحقه وحريته وحضوره من خلالهن؟ يدعوهن ليعرفن الحق والحق سيحررهن... يعرفن الحق ويعشن الحقيقة...

دفعَت بي سذاجتي في بادئ الأمر إلى أن أتفوه بالحقيقة علانية وأفضح أكاذيب طالما سكتنا وتعامينا عنها وتناقلناها عبر الأجيال... رفعتُ صوتي إسوة بإناث أخريات فعلن هذا في مجتمع ولغة مختلفين، بينما كنت أتخيل مشهداً سعيداً للحرية تهبط كأسراب الحمام تحطّ كل حمامة منها على كتف إحدى الإناث "البطلات"، وعند وصول حرّيتي أنا سمعتُ الصوت المنتظَر: "هذه ابنتي الحبيبة التي بها سررت."

لكن تخيلاتي اصطدمت بالواقع الزمني والمجتمعي الذي أعيشه وإذا به يعيدني إلى مشهد الإعدام حيث سُلّطَت مكبرات الصوت على أفكاري وفاجأني سماعها:

"أنا لستُ بطلة... لم أُرِد يوما أن أكون بطلة، لم يُغرِني الوشاح الخارق والشعار الخاص والإسم الحركي وأضواء الشهرة... فالأبطال دائماً يدفعون الثمن، فقط في أفلام الرسوم المتحركة نرى النهاية السعيدة للبطولات مع خاتمة الفيلم حيث تنكشف الأكاذيب ويعلو صوت الحقيقة ويعيش الجميع في سعادة وهناء...

ماذا لو أمكنني تقاسم العذاب مع أخريات، هل سيقل نصيبي من الجرعة؟
ماذا لو تم الإعدام بسرعة، رمياً برصاصة رحمة؟
ماذا لو ولِدتُ في عصر مستقبليّ، كان جلّادوه أكثر رفقاً؟"

عندما أدركتُ أن الملايين قادرون على سماع أفكاري، نظرتُ إلى الشاشة العملاقة وقد كتب أسفلها: "الكلمات الأخيرة للأسيرة" فسمعت صوتاً ما في داخلي أقرب إلى الأنين منه إلى الكلام العادي، وقبل أن أتمكن من تمييز الجملة، قرأتها مكتوبة على الشاشة:
"يا أبتاه، إن أمكن، أن تعبر عني هذه الكأس..."


بدون تعليق: هذه القصة من نسج الخيال، وأي تشابه بينها وبين الواقع هو محض صدفة لا أكثر... أما بالنسبة للصغيرات اللواتي يراقبننا ويريننا "بطلات" في عيونهن... فليس في جعبتي نصائح حكمة أسديها إليهن في الوقت الحالي... فأنا لازلت أدفع أثماناً باهظة... على أمل أن أتمّ المهمة قبل أن تكبر الصغيرات كيلا أورّثهن ديونا لا قدرة لهن على سدادها...