Saturday, August 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: البطيخة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/البطيخة/

يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الزواج ضربة حظ، قد تصيب أو تخيب، ويُشبّهه آخرون بالبطيخة التي تحسن انتقاءها وتضع كل خبرتك في عملية الاختيار ومن ثم عند أول امتحان للسكينة تكتشف أن البطيخة "قرعة" بفتح القاف أو ضمها لا فرق.

تلك التشبيهات وإن بدت لنا ساذجة لكنها مع الأسف صحيحة حتى ولو احتاجت إلى بعض التعديلات. فالزواج بالنسبة لي ليس بطيخة واحدة وإنما شاحنة من البطيخ يتوالى تدحرج بطيخاتها لنتلقفها واحدة تلو الأخرى ونكسرها ونتعامل مع النتيجة أيا كانت. في مجتمعنا تعمل الأسر على ملء شاحنة بطيخ لكلٍ من بناتها وخشية من "البخت الوحش" وتفادياً لأي مجازفة تنحت كل أسرة بطيخات ابنتها واحدة تلو الأخرى لتحولها إلى صندوق العجائب فتتنوع محتويات البطيخات ما بين مقاسات المناشف (الفوط) والشراشف (الملايات/المفارش) والملابس والأحذية وحلل المطبخ والستائر والثريات (النجف) والنثريات إضافة إلى الحُلي والاكسسوارات الشخصية كما المنزلية ومكياج الوجه والجسم (دون الروح غالبا) وإلى ما هنالك من أساسيات "جهاز العروس" ومستلزماته الضرورية وغير الضرورية، وما أكثر تلك الأخيرة التي تتربع على عروش بيوت كثيرة لم تمسها يد طيلة سنوات زواج طوال.

لكن فتاة مثلي لم تكن تفكر في الزواج يوماً وسخّرت جل طاقتها واهتمامها في دراستها وبناء شخصيتها مراعية أدق التفاصيل ابتداء من مرحلة المراهقة وحتى إتمامها ربع قرن من العمرحيث كان تركيزها منصباً ليس على عملية البحث عن الشخص المناسب ولكن في معمل الانضباط والنضج لتكون هي الشخص المناسب. مناسب لماذا؟ للزواج؟ ليس بالضرورة، كيان مناسب لأية مهمة ستلقى على عاتقها فالحياة كانت في نظرها أغنى وأوسع من أن نحدّها في إطار هدف واحدٍ أحد وضعته أمهات صديقاتها نصب أعينهن وبدأن بتجهيز بناتهن للحدث السعيد والهدف السعيد وصاحب الحظ السعيد الذي سيجلب "مهرا" يستلم بموجبه شاحنة البطيخ.

لم تكن كلمة "زواج" تتصدر قاموس أسرتي فميزانيتنا المحدودة سخّرها أهلي لشراء آلات موسيقية لأولادهما الأربعة واستثمراها في مدارسنا المختلفة وفي فرص نادرة لرحلات وأسفار وأحلام بحجم قاماتنا الصغيرة في زمن وبلد لم يتمتع في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي بالكثير من الرفاهية على شتى أصعدة الحياة السورية.

لا أعتقد أن الأمر كان بهذه السهولة بالنسبة لأبي وأمي أن تكون أولوياتهما مختلفة كل الاختلاف عن باقي العائلات في مجتمعهما ولكنني أدرك الآن مقدار الحكمة الذي تمتعا به إضافة إلى الانسجام والاتفاق في الرؤية والهدف غالبية الوقت. كل هذا أوصلني إلى يوم زفافي وأنا مدركة أنني سأسافر بعد أيام يقل عددها عن أصابع كف اليد لذا وجدت من المنطقي أن أملأ شنطة سفري اليتيمة بقائمة "رهامية" تماماً على رأسها كتابي المقدس المهترئ وألبوم صور وحذاء قديم مريح وثياب سبق وأن ارتديتها وامتحنتها وأحببتها بعد "عِشرة عمر" فلن أتخلى عنها في لحظات سعادتي هذه فأنظر لها نظرة "بالية" وأستبدلها بأخرى جديدة لمجرد فكرة حُمّى الشراء التي تصيب الفتاة المخطوبة في مجتمعاتنا. كل ما طلبته من أمي هو أن تخيط لي فستان الزفاف بيديها المبدعتين وأن ترفقه بـ"كيس لبنة"! لن تخيط الكيس مثبتا إلى الفستان بالطبع ولكنني كنت أعلم خلو مصر،بلد مستقري ما بعد الزواج، من ذلك الاختراع العبقري من اللبن (الزبادي) المصفى.

كيس اللبنة تربع على عرش مقتنياتي في "مطبخ حُبنا". مطبخ خلا لمدة ست سنوات من أية تجهيزات كالرخامة والخزائن والأدراج فقد اضطررت خلال تلك السنوات الست بما تخللها من خبرة حمل وولادة متكررة إلى الاكتفاء بوجود حوض (مجلى) وبوتاجاز فقط لا غير وكل ما تبقى كان يعتمد على إبداعي في اختراع الحلول واستخراج الأكلات لأسرة بأفرادها الأربعة.

شاحنة البطيخ التي كنت أعمل على مَلئها احتوت بطيخاتٍ من نوع آخر معظم محتوياتها غير مرئية أو ملموسة كما خلى نصفها من أي بطيخ استعدادا لاستقبال حمولة شاحنة العريس، إن وُجد، فقد كنت أنوي عَدّ البطيخ واقتسامه بالتساوي مع شريك حياتي، وفي عام 2004 على أرض محافظة الاسكندرية التقيت به قادماً من القاهرة عند وصولي أنا من بيروت. شاب منهمك مثلي بحفر بطيخة تلو الأخرى وملئها بخبرات الحياة والدراسة والخدمة. لو كان لقاؤنا مشهدا في فيلم رومانسي كانت البطلة ستلاحظ بطيخة تتدحرج من شاحنتها لتصطدم ببطيخة أخرى فتهم إلى التقاط بطيختها في الوقت الذي يلتقط البطل بطيخته هو وتتشابك نظراتهما فتتباطأ حركة الكاميرا وتظهر موسيقى تصويرية عذبة وتتطاير فقاعات من القلوب في الجو!

لكن المشهد في حقيقته كان واقعياً إلى أقصى درجة في بداية رحلة تعارف على طول طريق وعرة زاد من صعوبتها توقيتٌ كان فيه لسان حال كل منا على حدى "آخر همي الارتباط". لتكون تلك صافرة البداية في تعارف غير تقليدي حمل لنا في جعبته الكثير من الضحكات والصدامات في عملية تلاقح ثقافتين مختلفتين ومتشابهتين إلى حد يدعو للدهشة.

لاحظت خلال سنتَي التعارف وجود بطيخة مختلفة في شاحنتي لا أذكر أنني ملأتها بنفسي لكنها ليست فارغة فوزنها ثقيل. كان علي الانتظار سنة أخرى بعد الزواج ليحين موعد امتحان تلك البطيخة فور وصولنا إلى كنيسة الابراهيمية في الاسكندرية لأكتشف أنها بطيخة "زوجة قسيس" وأن الله هو من تكفل بملئها عبر سنوات حياتي في حال اخترت الزواج من قسيس ستكون متاحة في شاحنتي كعلبة المعدات انتقى لي فيها ما يلزمني لمهمة ملؤها المفاجآت والتحديات الجديدة، مهمة لا مكان فيها للحلول الجاهزة والقوالب البالية فأنا بأمس الحاجة لأدوات خلاقة من أزاميل نحت وألوان رسم وموسيقى معزّية وكتب مغذية وأدوية الإسعافات الأولية وكبسولات الفيتامينات وبضعة حبوب من المسكنات! بطيخة كباقي البطيخات لها بُعد الخصوصية لكن في نفس الوقت لا يحلو مذاقها إلا بالمشاركة.

نحتفل في السابع والعشرين من شهر آب/أغسطس هذا العام بعيد زواجنا التاسع وقد اعتدنا ألا نعتاد على شيء فنحن لا نتبادل الهدايا أو نقوم بأي نشاط مختلف في هذا اليوم لكننا في كل عام نمد أيدينا إلى شاحنة زواجنا نتناول منها بركات جديدة ومفاجآت لم نعِدّها نحن لأنفسنا ولكنها كانت في فكر الله لنا ولأسرتنا الصغيرة منذ قديم الأزل، فالزواج بالنسبة لنا هو عمل شاق واستعداد جاد يبدأ مع نعومة الأظفار لكننا في النهاية رغم كل التحضيرات نواجه أبعاداً جديدة كلياً لم تكن في الحسبان على الإطلاق فنسلّم ونصير نُحمل لأن ما جمعه الله سيصونه بالبركة ويزينه بالنعمة ويضمن سلامة قاربنا على طول الرحلة.


بدون تعليق: سنحاول هذا العام أن نحتفل بعيد زواجنا بأن نقوم بأمر لم نفعله من قبل وهو أن نتناول بعض البطيخ على شط البحر!

No comments:

Post a Comment