Monday, October 19, 2015

الانتخابات البرلمانية والآيس كريم الرهامية

أنا إسمي رهام بدون ياء، عمري 36 سنة، مزدوجة الجنسية في زمن مش أحسن حاجة فيه انك تكون سوري- مصري لأن جنسيتك الأولى هاتبهدل توازنك التفسي وتخليك عايش على مسافة شعرة بينك وبين الجنان الرسمي الغير مصرح به، وجنسيتك التانية هاتضمنلك وصفة اكتئاب مضادة لأي تفاؤل حتى لو كان صنع في الصين.

النهاردة أول مرة في حياتي أعمل حاجة بيقولوا اسمها "حقوق المواطن في المشاركة بالحياة السياسية". حاجة بقالي مستنياها 36 سنة عشان أدوق طعمها "عايزة أصوت ياناس" وحصل فعلا اني عرفت شو يعني انتخاب حتى ولو جربته في البلد اللي عشت فيها ربع عمري بس (9 سنين هي نسبة 25% بالظبط من أصل 36).
كنت فاكرة اني هازقطط أول ما أخرج من اللجنة واني هاحتفل وأشتري آيس كريم (اللي بيعرفني عارف إدماني لهذا الاختراع بمناسبة وبدون مناسبة) واني هاصور صوباعي الملون وهاحط الصورة على الفيسبوك تتوه في بحر حبر فوشيا على صوابع جنبها ابتسامات عريضة بس اكتشفت ان ده أول حلم طار: حلم السيلفي ولجنة الانتخابات خلفي وصوباعي في أنفي قصدي صوباعي الفوشيا يتصدر الصورة، عشان ببساطة ما شفتش ولا صورة واحدة حد حاططها لنفسه أو واحدة مشيراها لصوابعهم هي وصاحبتها أو حد مغمس العشر شموع بتوع ابنه في الحبر... نو، مفيش.

الحلم التاني اللي طار هو الآيس كريم ، لأن كان في طعم تاني في بؤي مش لايق عليه توب الفرحة، كان فيه مرار الاحباط من ساعة ما بدأت أقول للناس بحماس اني أخيرا هايكون لي صوت انتخابي والكل كان يرد "إيه ده بجد؟ مبروك" بس بعديها ترن التريقة على طول "هاتنزلي لوحدك المرة دي" وهي تريقة مش موجهة لي أنا لكنهم بيقولوها في وش واقع بنعيشه بعد ما الناس حلمت وثارت وانتخبت وصوتت (بالمعنى الموسيقي!) وانتخبت تاني... بس شاءت الأقدار اني أكون بين صفوف المتفرجين في كل المرات الحماسية دي وأجي على آخر مرة أشارك بعد ما الكل مشي من عيد الميلاد وحتى البلالين نفست واتجمعت في ركن من الأوضة تحت ترابيزة مع ورق الهدايا المتقطع.

وانا خارجة ومستنية مشاعر الهيصة تهب فيّ لقيتني بابص على صباعي الفوشيا وصعبان علي من ناس كتير. الناس دي بيسموا نفسهم "مقاطعين". حسيتهم هم اللي سلبوا مني فرحتي، مش الحكومة ولا الدولة ولا النظام ولا البرلمان السابق والمستقبلي، المقاطعين والمكسلين هم اللي سلبوا مني فرحتي. ومع احترامي لحنكتهم السياسية وخبرتهم الثورية وآرائهم التنويرية، لكنهم مش بس أذوني أنا لكن أذوا ولادي كمان. حسيت ان سلبيتهم دي ممكن تجيبنا لورا أكتر من الورا اللي مش عاجبهم حالياً. كان صعبان علي منهم لأن كان في إيديهم يعملوا حاجة بس اختاروا الصمت واختاروا العناد السلبي بدل عناد المعافرة الإيجابي واختاروا التعصب لرأيهم بغض النظر عن تبعيات رأيهم على جيل زي جيل ولادي، وده على فكرة جيل ولادهم هم كمان بس أشك ان ولادنا هايكبروا سوا في مصر. أنا وصلت لقناعة جوايا ان الناس دي فاكرة نفسها بتحب مصر وبتعمل ده بكل حسن نية وزي ما الحب ليه أشكال كتيرة ومنه ما يقتل منه كمان ما يؤذي ويضر البلد لو كان حب بطريقة عمياء وعشوائية ومزاجية.

كان عندي إحساس قوي ان الناس دي ماشيين من البلد أو ناويين يمشوا حتى لو هم مش عارفين كده دلوقتي لكن خبر هجرتهم جاييلنا قريبا لأن حبهم لمصر كان مش كفاية يخليهم يبلعوا كرامتهم الثورية وينزلوا الانتخابات عسى ولعل حاجة تتغير. وانت بتقاطع عامل زي المراهق اللي بيهدد مامته كل شوية انه يسيبلها البيت ويمشي بس بيفضل محتمي بيها ومش بيمشي، لكن طول ما هو قاعد في حضنها مش بيكلمها ولا بيبصلها، بيعاملها بخرس مستفز كأنه بيعاقبها عشان مقموص ومش عاجبه اللي عملته مامته في الفسحة اللي كان نفسه فيها ومستني شكلها على مقاسه وغير كده مش لاعب.


المهم في الآخر، فركش الاحتفال، أنا مش هاحتفل، أنا هاركب الترام وأروّح بيتنا، زمانه جوزي مستنيني ومحتاج ينزل شغله وأقعد أنا مع الأولاد اللي مدارسهم أجازة النهاردة. أنا هاركب الترام ولأول مرة بمئات المرات هايعرفوا اللي حوالي في عربة السيدات اني مصرية (أو اني وانا جاية من إيطاليا اتعورت تعويرة فوشيا في صوباعي الصغير!!)، أنا هاركب الترام وهابص على صور الشهداء المدهونة على حيطة نادي الاتحاد، هانزل في محطة الابراهيمية، هاشتري كرت شحن لموبايلي، هاجيب أي فاكهة من العربيات في شارع اللاجيتيه، وفي البيت هاصور صوباعي بكاميرا عادية وهاحط الصورة على مدونتي وهاكتب الكلام ده عشان ولادي في يوم يكبروا ويعرفوا ان مامتهم بعد 36 سنة من ولادتها جربت طعم الانتخابات، وبدل ما يكون زي الآيس كريم بنكهة الفانيليا والمكسرات، كان عامل زي السبانخ المسلوقة من غير ملح، كل برلمان وانتم طيبين.

Tuesday, September 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: الكوكتيل

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الكوكتيل/

إن المعضلة التي حيرت عقول الفلاسفة وعلماء الأحياء والباحثين في التاريخ والدين وتكوين الحياة على الأرض هي في صلبها ليست معضلة توقيت زمني، حتى وإن استطعنا أن نجيب على صيغتها التساؤلية: "مين اللي إجا بالأول البيضة ولا الجاجة" فإننا سندخل في دوامة أخرى تذهب أعمق من الزمان والمكان. لنتخيل معا دجاجة تتلقف الحبوب عند قدمي آدم وحواء ثم تنتقل لمكان آخر في جنة عدن وإذا بها قد وضعت بيضة. أو أن نقلب المشهد فنرى أدم جالسا على صخرة في الجنة واضعا خده على كف يده منتظرا آلاف البيض الذي خلقه الله كي يفقس وبعد أن يفقس البيض كله وتكتمل "النيو كولكشون" من الحيوانات غير الثديية يخلق الله لآدم معينا نظيره وتأتي حواء كي تسأله: "هل خلق الله البيضة أولا أم الدجاجة؟"

عندما أفكر بموضوع الانتماء لا يمكنني أن أعزله تماما عن فكرة الهوية، أيهما يأتي أولا؟ هل تبدأ هويتنا بالتشكل في نعومة أظفارنا ومن ثم ينشأ عنها شعورنا بالانتماء؟ أم أن انتماءنا هو الذي يسبق هويتنا؟ مما لا شك فيه أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يحتاج إلى الآخر كي يبقى على قيد الحياة وهذا يعني أن الهوية والانتماء هما من الاحتياجات الأساسية للإنسان ولا يندرجان تحت قائمة الرفاهيات التي يمكن الاستغناء عنها لأن نقصهما ببساطة سيعيق الحياة الطبيعية لأي كائن بشري على وجه البسيطة.

بالنسبة لزوجة القسيس فإن موضوع الانتماء  أمر شائك لا يعي له بالقدر الكافي شعب الكنيسة التي تخدم فيها، أو التي تنتمي لها الآن، ولكن إلى حين. فهم ينتمون إلى نفس الكنيسة ويفترضون أن عائلة القسيس تشاركهم نفس الانتماء اللحظي والقديم في نفس الوقت. لكن الأمر ليس بعذه البساطة.
تولد زوجة القسيس كباقي الإناث المسيحيات، في كنف أسرة تنتمي إلى كنيسة معينة بغض النظر عن عمق انتمائهم لهذه الكنيسة أو التزامهم بواجبات العضوية أو الخدمة فيها، لكنها كنيسة مولدها وفي أغلب الأحيان كنيسة معموديتها أيضا. قد تنتقل أسرتها للعيش في مكان آخرأيام طفولتها فتتغير كنيستهم، وقد تغترب هي في سنوات شبابها فتنتمي إلى كنيسة الغربة لتكون الأخيرة بيتها الثاني دون أن تشعر بأي ذنب تجاه كنيستها الأم، ودون أي حرج في زيادة "كمية" الانتماء لكنيسة الغربة فهي غير مجبرة على الانخراط في صفوف الخدمة أو الاتزام بحضور اجتماعات أيام الآحاد أو أيام الأسبوع. كنيسة الغربة كنيسة اختيارية قد تتغير في اي لحظة حسب "المزاج" لينتهي المطاف بـ"زوجة القسيس العازبة" وقد أنهت سنوات غربتها بعد أن قامت بزيارة كنائس عدة. تعود بعدها إلى كنيستها الأم لتتزوج فيها في الغالبية العظمى من الحالات التي أعرفها والتي أنا من ضمنها.

لا أريد أن يسيء القارئ فهمي فيعتقد أنني أقدس الحجر على البشر، فأنا أعي تماما أن الكنيسة ليست هي الجدران بأساستها المزروعة جغرافياً في المكان الفلاني وإنما هي جماعة المؤمنين المؤسسة على صخر المسيح. لكنني أستخدم كلمة "الكنيسة" بمعناها المزدوج لأنني أؤمن أن التكوين النفسي لشعور الانتماء لدى الإنسان لا يقتصر فقط على الأشخاص وإنما يتجاوزهم ليشمل شعور الانتماء لأماكن بعينها ورائحة بعينها و أزيز باب بعينه ومنظر بلاطة مفقودة بعينها ورائحة قهوة صباحية بعينها، وطعم جبنة متعفنة بعينها، ولحن أغنية أو مقطوعة موسيقية بعينها والكثير الكثير من أمثلة المستقبلات الحسية والوجدانية التي تتكون معها هويتنا.

"مبروك... جالِك قسيس". تتزوج بطلة قصتنا لتنتقل إلى العيش مع زوجها في كنف كنيسة جديدة تماماً، وهنا تبدأ رحلة تكوين لبذرة انتماء جديد في مكان جديد ستجد زوجة القسيس لنفسها فيه أصدقاء في مثل سنها، أو أمهاتٍ أبناؤهم في نفس سن أبنائها، وستجد آباء وأمهات يحتضنونها ويحبونها ويرون فيها ابنتهم المغتربة وهي ترى فيهم أهلها الذين تركتهم، ستجد إخوة واخوات صغار في شتى الاجتماعات النوعية في الكنيسة كما ستجد لنفسها زوجا جديدا هناك، هو يحمل نفس جسد وهوية زوجها الأصلي لكنه سيتغير وينضج ويفرح ويُجرح ويختبر الكثير من صواعد ونوازل الخدمة الرعوية في الكنيسة التي قاده روح الله لها واختار هو أن ينتمي إلها لسنين طالت أم قصرت.

أين المشكلة إذا؟ المشكلة هي أن هذا الانتماء لا ولن يرقى إلى درجة "الحب الأول" فحتى وإن تغيرت انتماءاتنا بسرعة إلا أن هوياتنا لا تتغير من تلقاء نفسها بذات السرعة لتواكب "الشقلبة" بشفافية، وهذا أمر جيد وصحي إلا أنه متعب جدا للفرد أن يشعر بالغربة ضمن جماعة ينتمي لها لكنه لا يجد هويته فيها. إنه أمر متعب أن يعيش المرء مع ذلك الشعور الدائم بأنه an outsider  أو أنه ضيف يجهل مستضيفوه معلومات أساسية عن هويته، ومهما امتدحنا التميز والفرادة وعلّمنا أولادنا دروساً مثل you are special, you are unique  إلا أن شعور الاختلاف المزمن يؤدي إلى حالة انسلاخ عن جماعة يبدو أنك تنتمي لها ولكنك لا ترى نفسك تشبه أيا منهم. تفرح لأفراحهم وتحزن لأحزانهم لكنك عندما تتألم يتوجب عليك تقديم الشروحات والتفسيرات كي تساعدهم على فهم ما تمر به أنت لأن هويتك مختلفة وهي "تؤلمك".

عندما فتكت الحرب بسورية كان أكثر أمر يؤلمني يقوله المعزون المتعبون هو: "مبارك شعبي مصر" بدل أن يتواضعوا ليعترفوا أن مصر كان من الممكن أن تنجر إلى حرب دموية بشعة، يربتون على الريشة المتربعة على رؤوسهم لأنهم مصريون بالميلاد (وكأنهم اختاروا مسقط رأسهم) ويعظونني عن استحالة حصول أي مكروه لبلدهم الذي وإن كان هو بلدي الثاني إلا أنه من المفترض (في رأيهم) الآن أن يكون قد طرد سورية من عرش قلبي ليحتل هو مكانه فتنقلب هويتي التي عشت داخلها عشرين عاما وعاشت داخلي ستة وثلاثون سنة، ولا زالت.

"اللي مالوش خير في حاتم ملوش خير في مصر" جملة شهيرة رددها الراحل خالد صالح في فيلم "هي فوضى"، لم أشاهد الفيلم لكنني أعيش في مصر حيث تنصهر "إفيهات" الأفلام في الحياة اليومية شئنا أم أبينا. وأنا أقول لنفسي "اللي مالوش خير في سورية ملوش خير في أي بلد تانية هايعيش فيها وياخد جنسيتها".

فما هو الانتماء بالنسبة لي إذا؟ هل كوني إنسانة أولا وأنثى ثانيا وشرقية ثالثا ومسيحية رابعا وعربية خامسا وسورية سادسا ومصرية سابعا وإلى ما هنالك من انتماءات لجماعات صغيرة وكبيرة تشمل بعيدا عن تسلسل أهميتها: كوني جرجورية (من أسرة ضخمة هي "عيلة جرجور")  كوني إنجيلية مشيخية، كوني شامية (نسبة إلى الشام أي مدينة دمشق)، كوني ابنة وأختا وزوجة وأما، هل أنا مازلت حفيدة حتى وإن انتقل أجدادي الأربعة إلى الأمجاد؟ هل ما زالت هوية مدرّسة اللغلة الانجليزية على قائمتي حتى بعد تقديم استقالتي؟ هل توقفت هويتي كمترجمة بعد مضي ثماني سنوات على صلاحيتها؟

من أنا؟ ما هي انتمائاتي؟ ما هي هويتي؟

تستخدم اللغة الانجليزية ظرف المكان في الحديث عن الانتماء في معظم الأحيان where do I belong?  إلى أين أنتمي؟ وقد نقضي عمرنا في حسابات وتحليلات فلسفية واجتماعية ونفسية ودينية كي نجيب عن هذا السؤال لكن الطريقة الأسهل للإجابة عنه هي في قابس المشاعر والوعي. هذا القابس يشبه "الزر" لو تم الضغط عليه سنسمع صوتا يقول بسرعة "انتماء" تماماً كزمارة بطة الاستحمام الصفراء المصنوعة من البلاستيك المرن. فننتقل من حالة شعورية إلى حالة وعي وإدراك لانتماءاتنا حتى وإن اختلفت بعض المعطيات والتفاصيل في القصة لكن صافرة الانتماء انطلقت جلية ولمست وهزت وجداننا.

عندما أسمع عن قصة رهيبة لمهاجر سوري وما عاناه من أهوال ورعب وخسائر في  البحر والبر عبر القارات وصولا إلى ملجأه في أوروبا،(مسلم أو مسيحي لا أعلم كما لا أعلم من أي مدينة هو)، "انتماء"، شخص سوري

عندما أتذكر الحادثة المفجعة لباص كنيسة المنيا التانية وحالي يوم سماع الخبر، "انتماء"، مصريون مسيحيون انجيليون

عندما أقرأ كتابا بقلم أم فقدت ابنها ووجدت نفسها في خضم رحلة ألم وأمل، حب وفقدان، "انتماء"، أميركية لديها صبي وبنت

عندما يخبرني زوجي أن ريجيانا تعاني من سرطان الدم، "انتماء"، طفلة من كنيستنا الحالية

عندما أرى صور الدمار الذي أحدثته قذيفة هاون كانت من نصيب الكنيسة الإنجيلية المشيخية بدمشق، "انتماء"، كنيستي الأم، كنيسة معموديتي، كنيسة زفافي

عندما تكلمني أمي لأهنئها وتهنئني بوصول إيمانويل، ابن أخي الثاني (الابن الثاني والأخ الثاني) بالسلامة، "انتماء"، عائلة المهندس عوض جرجور ومدام ليديا، عائلتي

أمثلة لا تنتهي عن أخبار وقصص سعيدة، أخبار وقصص تدمي الحجر، أسمعها وأعيشها فأرى ذلك القابس ينطلق من تلقاء نفسه "انتماء" فأبتهج أو أبكي كرد فعل لا إرادي، عندها فقط أدرك مدى انتمائي لأسرتي ولكنيستي ولبلدي ولديني ووللغتي ولكل الدوائر من حولي. تلك الانتماءات الصغيرة والكبيرة، العفوي منها والطوعي، التي ولدت فيها والتي اخترتها بمحض إرادتي، هاأنذا مع مرور السنين أضع جرعات مختلفة من كل منها في خلاط حياتي فأجدني أستخلص في كل مرحلة كوباً جديداً من كوكتيل هويتي.


بدون تعليق: مهما تذوقت من كوكتيلات سيظل الكوكتيل الأحَب والأقرب إلى قلبي هو هويتي التي أستقيها من تلك الخلية الصغيرة وانتمائي لها بأفرادها الأربعة

Tuesday, August 25, 2015

Rare Bird: Asfour Nader

In my 8 years of blogging, first privately as I shared family news with a selected private audience, then publicly sharing thoughts I wrote in English and in Arabic, this is the first blog post I did NOT want to write. But here I am writing it because I felt I had to.

Why am I doing this to myself? I guess it’s because I fell in love with a boy who was 12 years old, and forever will be. I fell in love with a boy I’ve never met, and I never will. I fell in love with a boy called Jack. I heard about Jack during the first few months of mothering my daughter. Those long days and nights that looked all the same as I tried to navigate this new life with a toddler boy and a new born girl were extremely lonely and I needed something, anything to help me survive.

My sister’s friend shared an article from Momastery on her facebook page and that’s how I got to know Glennon, so I started reading her posts which one day lead me to Anna’s blog “An Inch of Grey” and the story of Jack’s accident. It was easy to do the math, Jack died two weeks after my daughter was born. Later I’ll start hating math because it revealed so much of what I had in common with Anna, only a decade ahead of me. In the fall of 2011 Anna was 42 years old and I was 32. Her jack was 12 and my son was 2, her Margret was 10 and my daughter was a few months old. We’re both Christian, believers, church goers, and English teachers, veterans to be more specific, neither one of us is teaching now (or was teaching 4 years ago) and I’ve recently developed a love for painting furniture to decorate my gift shop/art gallery Kharbashat-Doodle. Then gradually over the past 4 years my son seemed to have so much in common with Jack. He too loves words, Legos, acting, jigsaw puzzles, and making up new games. He is kind to his sister (also 2 years younger than him) and he loves his Sunday School class as his love for God is starting to show and grow. Did I mention how cute and funny he is too?

I mourned with Anna, I grieved with her overseas. I wrote her a few e-mails and comments telling her that a Syrian mother married to an Egyptian pastor is praying for her and sending her love all the way from Alexandria, Egypt. Then when Anna posted a question on her blog for readers to choose the best title for her upcoming book about Jack, I clicked on the one choice that seemed to make most sense “Rare Bird”, apparently many readers and friends picked the same title and the book was out. When I started planning to ask my sister to order it for me and send it with someone coming from the US to Egypt, I received a message from one of my American friends, Jessica, who is also a pastor’s wife asking if there’s a certain book I’d like her to buy me because a guy from their church is coming to spend a few months in Alexandria!



Jessica’s sweet gift sat on my night stand for months. It wasn’t until last week that I decided to read “Rare Bird”, From the first few pages I knew two things, I need an extra dose of courage to continue and I’ll end up writing something about this book. I hated it and loved it at the same time. Anna's writing style, the way she crafted words and sentences with both language skills and honesty was captivating. She took me with her back in time to the last few months of 2011 and to a brand new state not included among the five I’ve visited when I went to the US in 1996, 2000, and 2001. I felt I was physically right there on September 10th 2011. I rarely cry when I read sad novels, but this is not a novel, it didn’t even feel like a book at all, it felt more like a movie, one of these 7D theaters in which you experience the story with more senses than you thought you had. I was stupid enough to take the book with me once as I waited for my son to finish his piano lesson, and I started crying! I wonder what the other parents in that waiting room thought, she looks like a crazy mother, she doesn’t look Egyptian, she’s holding a book in English, we pity her son…. I don’t know and I didn’t care.  

I received the book months ago, and the timing I chose to read it was a bad one , we’ve just celebrated my daughter’s 4th birthday which meant that in a few days Anna, along with everyone who knew and loved Jack will commemorate 4 years of his departure. I couldn’t help but think that this year Anna turns 46, the same age her mom was when she died. Why am I doing all these calculations and making all these connections in my head? Maybe because I was looking for more and more things to mark my family as DIFFERENT from Anna’s, different enough to feel safe!

As a Presbyterian Christian by birth, I didn’t grow up to believe in signs, but I come from a Middle Eastern culture that believes in luck and optimism. It’s also a culture that believes in the evil eye and envy. In my family and at church we were raised to believe that our future, luck, or destiny is guaranteed in God’s plan for our lives, so we need to worry not. It’s easy to believe this and relax when you’re not a parent yet, a mother to be specific, but when you grow up and discover the harsh fact of life that bad things do happen to good people then you start to doubt your faith. I’ve never doubted that God is good, but I’ve never had to face a tragedy that shook me to the core and turned my world upside down. The war in Syria is the most recent tragedy I've experienced, with its ugly daily bloodshed and destruction, with horror stories of ISIS taking over beautiful parts of my beloved country, treating humans in the most savage of ways, left me bewildered and depressed. I mourn my country, a country I used to visit twice a year but haven’t seen in almost 5 years now. Still I count my blessings in spite of all the pain and tears. My uncles, aunts, and first cousins are all safe and healthy, at least physically. My friends are all still alive, my parents’ apartment, the only place I knew and called “home” is still there in a relatively safe area in Damascus, so I can still dream of one day going there and getting my photo albums, stacks of letters, journals and diaries. I dream about taking my kids there to visit their grandparents who will give them my childhood toys. When I get depressed upon hearing more bad news from inside Syria or news about refugees abroad, I try to re-count my blessings, which is easy sometimes because I don’t have a firsthand experience of what my friends and family members have been through and are still enduring.   

So when it comes to signs, I kind of wish I believed in them. They would’ve saved me so much trouble making big decisions in my life, like choosing my husband and moving to Egypt. And later it could’ve saved my husband and I the hard weeks of making difficult choices regarding our kids, life, work, and ministry. My husband believes that God gave us our brains, life experiences, and the Holy Spirit to guide our decision making process. We talked about it a lot as I shared with him my secret wish for a story like Giddeon’s in the Old Testament with his wool fleece (Judges 6 : 37), but we don’t do signs in our family, we don’t ask for them, we don’t look or wait for them. Instead, we think, we pray, we consult experts, we give ourselves a time frame, and we decide.

But yesterday, something happened, it made me re-visit this area of not believing in signs. I was reading the Rara Avis chapter of Rare Bird, specifically page 154 that has the poem Anna’s friend wrote about Jack. I read the poem (for the second time because I had read it previously on the blog) then Anna wrote about the time she posted this poem on her blog and started receiving stories from all over the globe. “They are amazing stories of birds catching people’s attention at precisely the moment they think of Jack.”. My son sat next to me as I read early in the morning, he woke up with the same severe headache he had the night before due to his high fever. I gave him his medicine and he decided not to go back to bed so we went to the living room and he started building something with his Legoes as I grabbed my book and read.

Finishing the poem and the page next to it I choked, I didn’t want to cry, besides, it’s too early in the morning to start crying, my son is right next to me, a little sick but alive. So I thought I’ll smile instead, thinking of the so many people who thought of Jack and saw birds. Then, all of a sudden, in the silence of the 6am Alexandrian morning I hear it, so clear and close, coming from our bedroom. Our rented apartment is on the 11th floor and even though it overlooks the golf field of the famous Sporting Club in Alexandria, it’s difficult for birds to make it this high above the tall trees. I’ve seen birds by our bedroom window often but not that often, and definitely not in the blazing heat of August. The window is covered with a fine metal net that doesn’t allow mosquitoes and other insects through.



When I heard the bird sing, I grabbed my camera and walked slowly to the bedroom to try and take a photo without scaring the bird away or waking up my husband. I knew if I took a good picture then this will prove to me that this sign is not a figment of my imgagination. The picture was bad and hardly showed any bird, then the bird flew and stood on the rusty laundry bar I never use, I took another picture, still with disbelief. Then I said to myself, if I can capture the bird’s face looking right at the lence in my hand then I’ll believe. Much like Thomas’ request upon hearing the story of Jesus’ resurrection. And here it is.



Dear Anna,

Your book took me on a roller coaster experience of reading such an amazing story about pain and hope. At times I wanted the book to end so the story would end with it and I can walk away and pretend none of it happened to you and it never found its way into my life. At other times I read and read and never wanted the book to end because I wanted to know more about Jack and to love him more, I wanted to know how you’re doing years after the accident.

I found the book to be scary, because it got me thinking that something might happen to my family, something so sudden and tragic that it will leave me broken beyond repair. I keep convincing myself that the real reason I’m reading your book is to help grieving people and as a pastor's wife to understand their struggles more. The psychology courses I took in collage fifteen years ago are very helpful, but a book such as yours written through the "perspecticles" (Glennon’s word) of a Christian mother is definitely a priceless reference. But you’re not a case study, and I’m not writing a term paper. It’s Jack we’re talking about, it’s Jack we’re missing, and it’s Jack’s life we’re celebrating. So my Egyptian bird came to remind me of that. Asfour Nader. “Asfour” (starts with the letter “ع” Ayn articulated from deep down in the throat) means “Bird” in Arabic. And “Nader” means “Rare”, noting that nouns in Arabic always come before adjectives.

The Rara Avis chapter was a beautiful one, so beautiful I didn’t cry till the very end, instead I had misty eyes, goosebumps, and a smile on my face. It made me love the bird metaphor even more. A bird not a fish, for instant, because fish swim but birds soar. This chapter was a milestone in the journey of reading the book, it gave me peace and comfort. One thing caught my attention is the fact that there’s no English word for a parent who lost a child, while in Arabic there is. It’s not a very pleasant word to hear, it sounds bitter, more like a curse or an insult. It’s mostly used in the feminine form for mothers and you can very rarely hear the masculine one for fathers, the root can be used for losing an offspring or a loved one.

This year Margret is two years OLDER than Jack. At the beginning of your new school year in the USA and ours starting next month, I wish and pray for Margret to have a safe, fun, and fruitful year, regardless of the painful math!

I worked as a part-time then free-lance translator for over 7 years during which I kept contemplating the idea of translating a book. But I kept shoving it to the back of my mind convinced that book translation is for people above the age of sixty, so I still have 24 years before I start. I don’t know how serious I was when I felt that Rare Bird might just be the first book I’ll translate, but what I do know is that it HAS to be translated into Arabic Anna, please make sure you have Arabic on the list of languages you’d like to see your book published in.

From the southern coast of the Mediterranean Sea, I'm sending you a huge THANK YOU. Thank you Anna for every minute, hour, and day you spent, thank you for every tear you shed writing this book till it saw the light. I think all Christian mothers should read it. It took one brave bereaved believer mom to write it and it took me all my courage to read it. Thank you for this journey you honored me to be part of, I’ve learned so much as your words addressed specific fears and doubts I have in my own faith in Jesus. Not only your book has nothing dishonoring to God (one among the many fears you confessed), but it also brings glory to God. The God we all tend to put in a box like you said you did, our little own boxes are as different as we are. But God surely is bigger, greater, and more active than we can ever conceive.  The most beautiful part of your book  is what comes next, your story is a real and an ongoing one, I don’t have to wonder what will happen to the characters beyond the book cover because you’ll keep us updated as we keep praying for you, Tim, and Margret.

Shukran Anna. 
Love,
Riham 

Saturday, August 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: البطيخة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/البطيخة/

يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الزواج ضربة حظ، قد تصيب أو تخيب، ويُشبّهه آخرون بالبطيخة التي تحسن انتقاءها وتضع كل خبرتك في عملية الاختيار ومن ثم عند أول امتحان للسكينة تكتشف أن البطيخة "قرعة" بفتح القاف أو ضمها لا فرق.

تلك التشبيهات وإن بدت لنا ساذجة لكنها مع الأسف صحيحة حتى ولو احتاجت إلى بعض التعديلات. فالزواج بالنسبة لي ليس بطيخة واحدة وإنما شاحنة من البطيخ يتوالى تدحرج بطيخاتها لنتلقفها واحدة تلو الأخرى ونكسرها ونتعامل مع النتيجة أيا كانت. في مجتمعنا تعمل الأسر على ملء شاحنة بطيخ لكلٍ من بناتها وخشية من "البخت الوحش" وتفادياً لأي مجازفة تنحت كل أسرة بطيخات ابنتها واحدة تلو الأخرى لتحولها إلى صندوق العجائب فتتنوع محتويات البطيخات ما بين مقاسات المناشف (الفوط) والشراشف (الملايات/المفارش) والملابس والأحذية وحلل المطبخ والستائر والثريات (النجف) والنثريات إضافة إلى الحُلي والاكسسوارات الشخصية كما المنزلية ومكياج الوجه والجسم (دون الروح غالبا) وإلى ما هنالك من أساسيات "جهاز العروس" ومستلزماته الضرورية وغير الضرورية، وما أكثر تلك الأخيرة التي تتربع على عروش بيوت كثيرة لم تمسها يد طيلة سنوات زواج طوال.

لكن فتاة مثلي لم تكن تفكر في الزواج يوماً وسخّرت جل طاقتها واهتمامها في دراستها وبناء شخصيتها مراعية أدق التفاصيل ابتداء من مرحلة المراهقة وحتى إتمامها ربع قرن من العمرحيث كان تركيزها منصباً ليس على عملية البحث عن الشخص المناسب ولكن في معمل الانضباط والنضج لتكون هي الشخص المناسب. مناسب لماذا؟ للزواج؟ ليس بالضرورة، كيان مناسب لأية مهمة ستلقى على عاتقها فالحياة كانت في نظرها أغنى وأوسع من أن نحدّها في إطار هدف واحدٍ أحد وضعته أمهات صديقاتها نصب أعينهن وبدأن بتجهيز بناتهن للحدث السعيد والهدف السعيد وصاحب الحظ السعيد الذي سيجلب "مهرا" يستلم بموجبه شاحنة البطيخ.

لم تكن كلمة "زواج" تتصدر قاموس أسرتي فميزانيتنا المحدودة سخّرها أهلي لشراء آلات موسيقية لأولادهما الأربعة واستثمراها في مدارسنا المختلفة وفي فرص نادرة لرحلات وأسفار وأحلام بحجم قاماتنا الصغيرة في زمن وبلد لم يتمتع في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي بالكثير من الرفاهية على شتى أصعدة الحياة السورية.

لا أعتقد أن الأمر كان بهذه السهولة بالنسبة لأبي وأمي أن تكون أولوياتهما مختلفة كل الاختلاف عن باقي العائلات في مجتمعهما ولكنني أدرك الآن مقدار الحكمة الذي تمتعا به إضافة إلى الانسجام والاتفاق في الرؤية والهدف غالبية الوقت. كل هذا أوصلني إلى يوم زفافي وأنا مدركة أنني سأسافر بعد أيام يقل عددها عن أصابع كف اليد لذا وجدت من المنطقي أن أملأ شنطة سفري اليتيمة بقائمة "رهامية" تماماً على رأسها كتابي المقدس المهترئ وألبوم صور وحذاء قديم مريح وثياب سبق وأن ارتديتها وامتحنتها وأحببتها بعد "عِشرة عمر" فلن أتخلى عنها في لحظات سعادتي هذه فأنظر لها نظرة "بالية" وأستبدلها بأخرى جديدة لمجرد فكرة حُمّى الشراء التي تصيب الفتاة المخطوبة في مجتمعاتنا. كل ما طلبته من أمي هو أن تخيط لي فستان الزفاف بيديها المبدعتين وأن ترفقه بـ"كيس لبنة"! لن تخيط الكيس مثبتا إلى الفستان بالطبع ولكنني كنت أعلم خلو مصر،بلد مستقري ما بعد الزواج، من ذلك الاختراع العبقري من اللبن (الزبادي) المصفى.

كيس اللبنة تربع على عرش مقتنياتي في "مطبخ حُبنا". مطبخ خلا لمدة ست سنوات من أية تجهيزات كالرخامة والخزائن والأدراج فقد اضطررت خلال تلك السنوات الست بما تخللها من خبرة حمل وولادة متكررة إلى الاكتفاء بوجود حوض (مجلى) وبوتاجاز فقط لا غير وكل ما تبقى كان يعتمد على إبداعي في اختراع الحلول واستخراج الأكلات لأسرة بأفرادها الأربعة.

شاحنة البطيخ التي كنت أعمل على مَلئها احتوت بطيخاتٍ من نوع آخر معظم محتوياتها غير مرئية أو ملموسة كما خلى نصفها من أي بطيخ استعدادا لاستقبال حمولة شاحنة العريس، إن وُجد، فقد كنت أنوي عَدّ البطيخ واقتسامه بالتساوي مع شريك حياتي، وفي عام 2004 على أرض محافظة الاسكندرية التقيت به قادماً من القاهرة عند وصولي أنا من بيروت. شاب منهمك مثلي بحفر بطيخة تلو الأخرى وملئها بخبرات الحياة والدراسة والخدمة. لو كان لقاؤنا مشهدا في فيلم رومانسي كانت البطلة ستلاحظ بطيخة تتدحرج من شاحنتها لتصطدم ببطيخة أخرى فتهم إلى التقاط بطيختها في الوقت الذي يلتقط البطل بطيخته هو وتتشابك نظراتهما فتتباطأ حركة الكاميرا وتظهر موسيقى تصويرية عذبة وتتطاير فقاعات من القلوب في الجو!

لكن المشهد في حقيقته كان واقعياً إلى أقصى درجة في بداية رحلة تعارف على طول طريق وعرة زاد من صعوبتها توقيتٌ كان فيه لسان حال كل منا على حدى "آخر همي الارتباط". لتكون تلك صافرة البداية في تعارف غير تقليدي حمل لنا في جعبته الكثير من الضحكات والصدامات في عملية تلاقح ثقافتين مختلفتين ومتشابهتين إلى حد يدعو للدهشة.

لاحظت خلال سنتَي التعارف وجود بطيخة مختلفة في شاحنتي لا أذكر أنني ملأتها بنفسي لكنها ليست فارغة فوزنها ثقيل. كان علي الانتظار سنة أخرى بعد الزواج ليحين موعد امتحان تلك البطيخة فور وصولنا إلى كنيسة الابراهيمية في الاسكندرية لأكتشف أنها بطيخة "زوجة قسيس" وأن الله هو من تكفل بملئها عبر سنوات حياتي في حال اخترت الزواج من قسيس ستكون متاحة في شاحنتي كعلبة المعدات انتقى لي فيها ما يلزمني لمهمة ملؤها المفاجآت والتحديات الجديدة، مهمة لا مكان فيها للحلول الجاهزة والقوالب البالية فأنا بأمس الحاجة لأدوات خلاقة من أزاميل نحت وألوان رسم وموسيقى معزّية وكتب مغذية وأدوية الإسعافات الأولية وكبسولات الفيتامينات وبضعة حبوب من المسكنات! بطيخة كباقي البطيخات لها بُعد الخصوصية لكن في نفس الوقت لا يحلو مذاقها إلا بالمشاركة.

نحتفل في السابع والعشرين من شهر آب/أغسطس هذا العام بعيد زواجنا التاسع وقد اعتدنا ألا نعتاد على شيء فنحن لا نتبادل الهدايا أو نقوم بأي نشاط مختلف في هذا اليوم لكننا في كل عام نمد أيدينا إلى شاحنة زواجنا نتناول منها بركات جديدة ومفاجآت لم نعِدّها نحن لأنفسنا ولكنها كانت في فكر الله لنا ولأسرتنا الصغيرة منذ قديم الأزل، فالزواج بالنسبة لنا هو عمل شاق واستعداد جاد يبدأ مع نعومة الأظفار لكننا في النهاية رغم كل التحضيرات نواجه أبعاداً جديدة كلياً لم تكن في الحسبان على الإطلاق فنسلّم ونصير نُحمل لأن ما جمعه الله سيصونه بالبركة ويزينه بالنعمة ويضمن سلامة قاربنا على طول الرحلة.


بدون تعليق: سنحاول هذا العام أن نحتفل بعيد زواجنا بأن نقوم بأمر لم نفعله من قبل وهو أن نتناول بعض البطيخ على شط البحر!

Wednesday, July 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة : الجزرة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الجزرة/

سأل مواطن أجنبي نظيره العربي قائلا: "ما هي أحلامك؟" أجاب الأخير: "أن أحصل على شهادة جامعية تضمن لي عملاً جيداً وأشتري منزلاً وأتزوج ويرزقني الله بأطفال أتمكن من تربيتهم وتأمين رعاية صحيه لهم وإرسالهم إلى مدارس جيدة." رد الأجنبي باستغراب:"من الواضح أنك أخطأت الفهم، أنا سألتك ما هي أحلامك ولم أسألك ما هي حقوقك!"


تقرأ لنا هذه القصة يافطة من المحيط إلى الخليج كتب عليها  Welcome to the MENA region (Middle East and North Africa) حيث تصبح أبسط الحقوق الإنسانية أحلاماً صعبة التحقيق، هذا ولم يجرؤ مواطننا العزيز على ذكر الأمان من ضمن "أحلامه" فقد باتت هذه العملة النادرة تنتمي إلى مصاف أحلام اليقظة أو المستحيلات السبعة ولا حاجة لنا لذكرها.

الغريب في الأمر أننا لو نظرنا إلى المجتمعات الغربية ومواطني بلدان العالم المتحضر سنرى أن حقوقهم المكفولة بسيادة القانون ليست حافزا كافياً لهم ليحلموا فنسمع جملهم التحفيزية تقول: “Dare to dream”ونتساءل: هل يحتاج الحلم في بلادهم إلى جرأة  وشجاعة؟ قد يظن البعض أن الحلم رفاهية هي فقط في متناول يد من يتمتعون بالبحبوحة (سواء كانت بحبوحة مادية أم معنوية) فنكذب على أنفسنا ونقول: عندما أرتاح سأبدأ أحلم بالمستقبل، لكنني الآن مطحون تحت رحى الاحتياجات اليومية الأساسية في حياتي وحياة أسرتي ومستقبلنا جميعاً. إنها فعلا أكبر أكذوبة مغلفة بطبقة من السكر كي نقبلها على أنها حقيقة.

قد لا أكون أنا الشخص الأنسب للحديث عن الأحلام على وجه التحديد. وقد لا تكون هذه المرحلة من حياتي هي الأمثل كي أتناول موضوعاً كهذا وأكتب عنه. السبب في ذلك بكل بساطة هو أنني منهكة من ملاحقة ما بدا لي أنه حلمي لكنه حالياً أشبه بالكابوس المتمثل في شكل "جزرة"، وكلنا نعرف ما هي الجزرة التي تتدلى من آخر حبل مربوط إلى عصى تجعل الجزرة عصية المنال، وهنا استوجب مني تقديم الاعتذار إلى الحمار أنني للمرة الأولى في حياتي "حسيت بيك حقيقي". ما بين مطرقة الجزرة وسندان الحلقات المفرغة التي علقتُ في مداراتها إلى أن أصابني الدوار حرفيا وبدأت أعاني من أمراض قد تكون سايكوسوماتية مع كل كشف طبي يظهر أنني سليمة 100% فما السبب إذا لصداع لا يطاق وثقل في رأسي يليه حالات دوار وإغماء؟ والخطر الحقيقي هنا لا يكمن في الإغماء نفسه بل في احتماليات حدوثه وأنا في الشارع برفقة طفلين أو وراء مقود السيارة! هل هناك تشخيص طبي أو نفسي يتهمني بتناول جرعة زائدة من الأحلام؟

على الرغم من الوعكة الصحية قررت أن أحضر مؤتمر زوجات القسوس، تلك العلامة الفارقة في حياتي التي دفعتني الصيف الماضي إلى بداية سلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة"  وكتابة مقال شهري تحت هذا العنوان. قررت أن "أطنش وأخاطر" وذهبت برفقة ابني ذو الأعوم الستة وابنتي في ربيعها الرابع وعلى كتف كلٍّ منا جرة (أو بالأحرى جِرار) خاوية طمعاً منا أن نروي ظمأً طالت معاناتنا منه.

في المؤتمر فكرت أن أطبق مبدأ "اللي يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته" واستأذنت قائدة المؤتمر أن أوزع على المشاركات استبياناً عن أحلامهن كنت قد أعددته مسبقاً. الأوراق الخمس والعشرون التي جمعناها ليست نسبة كافية لتعبر عن أحلام خمس وسبعين سيدة مشاركة ولكنها كانت كافية لتقول لي أننا مازلنا نحلم. كمواطنات مصريات (بيننا سورية وعراقية وفلسطينية) لازلنا نحلم، كنساء في مجتمع عربي لازلنا نحلم، كزوجات قسوس لازلنا نحلم. اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أقرأ أحلام زوجات قسوس who dared to dream  على الرغم من أنف كل شيء لا زلن يحلمن، يحلمن لكنائسهن، يحلمن لأسرهن، يحلمن لأنفسهن، فهذه هي الأمنيات الثلاث التي ذكرتها في الاستبيان على افتراض أن كل واحدة فينا وجدت فانوسا ً (سواء كان فانوساً سحرياً أو فانوساً رمضانياً مع تصادف توقيت مؤتمرنا خلال شهر رمضان هذا العام) وظهر منه مارد طيب منحنا أمنيات ثلاث. ولأنني على علم بالتركيبة الشرقية لزوجات القسوس في بلادنا لم أجد مفرّاً من تحديد ثلاثة أنواع للأمنيات لأنني لو لم أفعل لخرجَتْ الأمنيات الثلاث من نصيب الكنيسة والخدمة. لو وضعنا أي سيدة أمام هذا التحدي وأجبرناها أن تحلم فسنرى أن حلمها لن يتعدى الإطار الأسري وإذا كانت تلك السيدة زوجة قسيس فإن حلمها لن يتعدى الإطار الكنسي لذا استدعى مني الأمر أن "أزنق الستات" في ركن ثالث وهو تحديد حلم يطال الإطار الشخصي والذاتي لكل منهن، حلم يخص هويتها هي وكيانها المستقل كإنسان بعيدا عن شتى الأدوار التي من المفترض أن تلعبها في حياتها وخدمتها.

لو كان للتقاليد أيادٍ أخطبوطية لسرقَتْ أوراق الاستبيان القابعة على طاولتي وصرخَتْ بملء الفم how dare you to dream ولكن السؤال بالنسبة لي لا ينطلق من أنني تجرأت وحلمت أو كيف يمكنني أن أحلم لأن الأحلام ليست رفاهية بالنسبة لي بل هي النبض الذي يبقيني على قيد الحياة فأنا بكل بساطة لا يمكنني إلا أن أحلم حتى وإن قادتني أحلامي إلى نهايات مسدودة أو إحباطات جمّة فأحلامي هي الأوكسيجين لخلايا جسمي وروحي على حد سواء وهي الوقود الذي تحرقه محركاتي المختلفة التي تشغل كل الآلات لإنتاج المطلوب مني على كل الأصعدة حتى وإن لم يكن لها ارتباط مباشر بأحلامي. لا يكاد ينطفئ حلم إلا ووجدتُني أُشعل حلماً آخر في عملية أشبه بإدمان المدخنين الذين يُشعِلون سيجارة جديدة من سابقتها التي لم تحترق بعد إلى التمام.

مع نهاية مؤتمرنا ملأ أولادي جرارهما بما لذ وطاب من خبرات وذكريات، أما أنا فلزمني بعض الوقت كي أستجمع شجاعتي وأسترق النظر إلى جوف جرتي المظلم وأمد يدي مرتعشة خشية أن يعضها عقرب الإحباط أو تلسعها برودة أمل مفقود أو تخدشها خشونة واقع صعب لكنها اصطدمت بجسم طويل طري بعض الشيء، أخرجته وكلي حيرة وتردد، نظرت إليه ملياً، تأملت ذلك الشكل المألوف واللون البرتقالي ثم أنحنيت وأنزلت جرتي من على كتفي، وضعتها على الأرض ألتقط أنفاسي من اللهاث، نظرت مرة أخيرة إلى الجزرة وأعدتها إلى جوف الجرة، تركت الجرة مكانها وبداخلها الجزرة، ومضيت مبتسمة.


بدون تعليق: حتى عندما تتحول حياتنا إلى رقعة شطرنج كبيرة تدق فيها طبول الحرب بداية من أبسط التفاصيل اليومية انتهاء بحال بلادنا، يبقى هناك مساحة للأحلام وإن فشلنا في تحقيقها فعندئذ سنفتخر بأنه يكفينا شرف المحاولة

Monday, June 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة : القوالب

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/القوالب/

نحيلة، ذات بشرة بيضاء وظهر محني، شعرها الناعم الطويل يصل حتى خصرها، ترتدي تنورة طويلة باهتة الألوان كشحوب وجهها، تنتعل صندلاً جلدياً كلاسيكياً أشبه بنعول القرون الأولى الميلادية.

تلك هي الصورة المثالية لزوجة القسيس المباركة أنقلها لكم من أرشيف ذكريات طفولتي، وهي صورة لا تقتصر على الصفات الخارجية إنما تحمل دلالات عميقة، فالكتفين المحنيين نأى بكاهلهما إرهاق الخدمة، والوجه الشاحب محروم من غذاء صحي متكامل خاصة اللحوم باهظة الثمن، والثياب البسيطة تعكس بساطة العيش الزاهد لربة منزل الراعي.

في أرشيف طفولتي وصباي ذكرى أخرى ولكنها من مقاعد الدراسة ويشاركني بها كل سوري وسورية ألفت عيناه عنواناً متكررا في مناهج التربية العسكرية "المواصفات الفنية والتعبوية للبارودة التشيكية" وهي دراسة في سلاح مصنوع في تشيكوسلوفاكيا (السابقة) يصف بارودة طويلة رأيناها بأم أعيننا حيث كانت من وسائل الإيضاح النادرة المتاحة في مدارسنا آنذاك لتساعدنا على فهم الخصائص الخارجية للبارودة (الصفات الفنية) كالوزن والطول وعدد القطع وطريقة الفك والتركيب إضافة إلى الاستخدامات العملية (الصفات التعبوية) والمدى الأقصى والمدى المجدي للطلقة.

لو طبقنا منطق دراسة البارودة التشيكية على زوجة القسيس لوجدنا أن الأخيرة أيضا لها مواصفات فنية وتعبوية. فالصفات المذكورة أعلاه هي جزء من قالب نضعها فيه (مواصفاتها الفنية) لكنه ليس القالب كاملا فالجزء المتبقي هو مهمات زوجة القسيس (المواصفات التعبوية) أو ما يطلق عليه بالانجليزية في عصرنا هذا job description  وهو يتضمن قيادتها لأهم اجتماعين في الكنيسة: اجتماع السيدات ومدرسة الأحد، حيث يمكن التساهل في ألا تكون هي by default القائد الأول لكلا الاجتماعين وقبول عضويتها الفعالة في كلتا اللجنتين كبديل.

أما عظة يوم الأحد (صباحاً ومساءً) فهي من مهامها أيضاً، لا لأنها ستلقي بالعظة بنفسها فهذه مهمة القسيس ولكن زوجته الصالحة يتوجب عليها الجلوس في الصفوف الأمامية على مسافة تسمح له برؤية تعبيرات وجهها بكل وضوح لتتمكن من ممارسة فن التحكم عن بعد دون الحاجة إلى بطاريات في جهاز الريموت، فقد يستدعي الأمر تدخلها لإرسال رسائل عبر الشيفرة السرية عندما ترى حالة طوارئ "الوعظة طويلة"، "النكتة بايخة"، "كرافتتك مايلة"، "اشرب بؤ مية" وإلى ما هنالك من تصحيحات وتعديلات وتدخلات في مهام زوجها ترسلها له عبر ذبذبات قد يكون أو لا يكون هو الوحيد القادر على ترجمتها وفهمها والانصياع لها في الحال.

لا حاجة لك عزيزي القارئ لأن ترجع إلى تاريخ الكنيسة الإنجيلية بدمشق لتتعرف إلى أسماء القسوس الذين توالوا على رعايتها فأنا لا أعني زوجة قسيس معينة في مدينة أو كنيسة على وجه التحديد فمدينة دمشق كانت تحوي كنائس أخرى لثلاث طوائف إنجيلية غير مشيخية إضافة إلى الكم الهائل من السفريات والمؤتمرات التي يمكن لحفيدة قسيس وابنة أم خادمة وأب شيخ أن تحظى بها لتتعرف إلى كم قسوس وزوجات قسوس من شتى الأصقاع والأطياف.

صور وقوالب قد تبدو كوميدية لكن نتائج عيشها كارثية. فزوجة القسيس المسكينة تعاني من القوالب التي تضعها الناس فيها، فلو فصّلت نفسها على مقاس القالب ستختنق ولو رفضت القالب وكانت "حقيقية" سيختنق شعب الكنيسة في رحلة طويلة من سلسلة توقعات وإحباطات وملامة وتقصير وانتقاد ورثاء للنفس ورغبة في تغيير الراعي (مع إن هو كويس بس مراته بتحط مناكير على صوابع رجليها) وكأننا في حالة فصام ما بين حياتنا خارج الكنيسة ومناداتنا بحقوق المرأة وبثورة في المفاهيم المجتمعية، وما بين حياتنا داخل الكنيسة وإنكارنا لأدنى حقوق زوجة القسيس في أن تكون نفسها فنتعامى عن حاجتنا إلى ثورة ضد مفاهيم بالية عفى عليها الزمن في عصر وحقبة تاريخية بات من البديهي فيها، على سبيل المثال لا الحصر، أن تعمل المرأة خارج المنزل وبالتالي أن تعمل زوجة القسيس خارج الكنيسة.

كي لا أكون مجحفة بحق الكثير من الكنائس وتجنباً لوقوعي في فخ التعميم وجب الاعتراف بأن كنائس مصر وعلى الأخص كنائس المدن الكبرى تتقبل بل وتفتخر بزوجات قسوسهم إذا كن عاملات، فمنهن الدكتورة والصيدلانية والمهندسة والمدرسة والمحامية والموظفة في دوائر حكومية وهذا مدعاة للفخر لكنه في عام 2015 ليس كافياً برأيي. أين زوجة القسيس الكاتبة والأديبة ذات الإصدارات الدورية والعمود الأسبوعي في الصحف، أين زوجة القسيس الباحثة الاجتماعية والعاملة في مؤسسات المجتمع المدني ومنظماته غير الحكومية، أين زوجة القسيس الطالبة التي تكمل دراساتها العليا في الماجستير والدكتوراه بدعم وتشجيع من زوجها وكنيستها، أين زوجة القسيس الفنانة والرسامة بمعارضها و إبداعاتها، أين زوجة القسيس الموسيقية المحترفة وعازفة الأوركسترا...

آن الأوان أن نقف وقفة صدق مع أنفسنا ونتحدى قوالبنا التي فرضناها على الآخرين ووضعناهم داخلها أو انتقدناهم لعدم عيشهم وفقها، عندئذ يمكننا أن نتحاجج ونتحاور فنتغيرعن قوالبنا بتجديد أذهاننا فكنائسنا بحاجة لأن تختبر إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة في كل ركن فيها بما في ذلك نظرتنا وتوقعاتنا من زوجات رعاتنا.



بدون تعليق: هل تعلم ما هو الرمز المطبوع على هذا الدبوس؟ لو أجبت بلا: مبروك فأنت من جيل الشباب والتكنلوجيا. لو أجبت بنعم: مبروك فأنت من جيل الشعر الشائب والشباب الذي تجاوز عمره الثلاثين ربيعاً

جميع الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات

Friday, May 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: الانتظار

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الانتظار/

تسعة أشهر مدة طويلة جدا كي تكون فترة الحمل لأنثى الإنسان. هذا ما كنت أعتقده لسنوات طويلة قبل أن أتزوج وكلي أمل أني لو تزوجت يوما ما ورزقني الله بأطفال سيتغير رأيي. وهذا ما حصل فعلا إذ بمجرد أني علمت بأني حامل بابننا الأول وبدأت أيام وأسابيع الانتظار تغير رايي ولكن ليس بالاتجاه الذي كنت آمل فالتسعة شهور بالنسبة لي كانت في الحقيقة تسعة دهور.

نظم الجنين خلال الجزء الأكبر من سكناه رحمي بطولات لا نهائية في كرة القدم والجمباز وتولت لوحة الهرمونات في جسمي مهمة الإعلان عن فعاليات أخرى كالغثيان ونزيف الأنف وخدر الذراعين وانتفاخ القدمين والكثير الكثير من التسالي لتضيف نكهة "اللانهائية" إلى انتظاري. كنت أنتظر بصبر وصول آخر أسبوع في شهر أيار/مايو 2009 لينتهي انتظاري ذاك، إلا أنه عندما انتهى فعلا وتتوج بوصول ابني فوجئت بولادة انتظار جديد، أو بالأحرى سلسلة انتظارات خاصة بهذا المخلوق الصغير الذي وصل إلى عالمنا للتو. أول رضعة، أول تغيير حفاض، أول ابتسامة، أول وجبة، أول سن، أول خطوة، أول كلمة... سلسلة طويلة من حبات اللؤلؤ تتدحرج واحدة تلو الآخرى بفوارق زمنية قد تقصر أو تطول.



لقد كنت يوما ما فتاة تكره الانتظار بكافة أشكاله. أكره انتظار أن أنهي واجباتي المدرسية كي أبدأ اللعب ومع ذلك كنت أحرم نفسي من اللعب فور عودتي من المدرسة لأن الواجبات أهم ويجب إنهاؤها أولا. كنت أكره انتظار موعد درس الموسيقى في ممرات المعهد العربي للموسيقى بدمشق حيث تندمج أصوات الآلات المختلفة الخارجة من خلف أبواب غرف التدريس والتدريب وأنا أنتظر، ومع ذلك كنت أحرص على أن أصل قبل موعد الدرس لأني أكره التأخر وعدم الالتزام.

كنت أكره انتظار انتهاء المدرسين والمدرسات من تصحيح أوراق الامتحانات حتى وإن كنت واثقة من النتيجة الجيدة التي ستحجز لي مكانا على لوحة الشرف بين باقي المتفوقات في المرحلة الاعدادية والثانوية في مدرسة راهبات المعونة الخاصة بدمشق.

دقائق وساعات وأيام تتمطى أمام عيني بكل استفزاز لتعلمني فن الانتظار في سن مبكرة لأنني سأحتاج تلك المهارة حتى آخر لحظة في عمري لذا وجب التدريب المبكر بداية من أتفه الأسباب ومرورا بأحداث كبرى فتحت لي باب الحياة على مصراعيه في خبرات تنوعت ما بين الغربة والعمل والزواج والإنجاب والأمومة حيث أخفت لي كل مرحلة منها تشكيلة خاصة من الانتظارات الصغيرة والكبيرة.

 أنتظر أوراق القبول في الجامعة، أنتظر غرفة شاغرة في مكان سكني في الغربة، أنتظر عملا مناسبا يتفق مع أوقات محاضرات الكلية، أنتظر يوم التخرج وصورتي برداء وقبعة طالما حلمت بارتدائهما، أنتظر عقد عمل يضعني على عجلة الإنتاج بعد عودتي لبلدي، أنتظر دقات لم يألفها قلبي من قبل، أنتظر رؤية خطيبي الذي تفصلني عنه تذكرة طائرة، أنتظر انتهاء أمي من إضافة آخر خرزة في فستان زفافي الذي حاكته لي بنفسها، أنتظر المجهول في بلد جديد وعاصمة ثالثة تلونت غربتها بلون لم آلفه من قبل، أنتظر مغامرات السنوات الأولى من الزواج لأرى اختلافها الشاسع عما قرأت في كتب المشورة وعلم النفس، أنتظر انتهاء مهلة السنتين التي قررناها قبل التفكير في الإنجاب، أنتظر ذلك الخط الأحمر على عصى اختبار الحمل، أنتظر سماع صرخة الحياة إيذانا ببدء سيمفونية بكاء طفل اختار له الله بيتنا كمنزل ومستقر له، أنتظر صورة صبي في عامه الثاني يجلس ناظرا إلى أخته الصغرى نائمة على ركبتيه، أنتظر أياد صغيرة تلوح لي بالزي الرسمي على باب المدرسة صباحا وتعانقني ظهرا، أنتظر أنامل ممسكة بقلم رصاص ترتجف مع كل شخبطة وتصفيق... click here to read about my son's 1st day at school

أنواع الانتظارات لا حصر لها يختبرها صغيرنا وكبيرنا بغض النظر عن الجنس والجنسية لكنني اكتشفت مجموعة انتظارات خاصة بزوجة القسيس لها نكهات مختلفة عن تلك التي تختبرها باقي الزوجات والأمهات:

أنتظر أن يصلنا رد من الكنائس التي طلبت من زوجي رعابتها كي نحسم نتيجة الصلاة والتفكير الطويل لنتخذ قرارا في السفر أو الانضمام لكنيسة معينة.

أنتظر أن يتعرف إليّ أعضاء الكنيسة ويحبونني لشخصي ولذاتي لا لمجرد أنني زوجة فلان أو أم فلان أو الخادمة في الاجتماع الفلاني.

أنتظر أن يتعرف أولادي على أسرتهم الجديدة، أسرة لا يربطهم بها رابط دم أو قرابة لكنها أسرة أراد لهم الله أن يولدوا في أحضانها في سنة معينة ومكان معين وقد يتربون أيضا في كنفها أو كنف أسرة أخرى ننتقل إلى خدمتها.

أنتظر أن يكبر الأولاد قليلاً فأتمكن من العودة إلى صفوف جنود الخدام في الاجتماعات المختلفة وإلى صفوف المرنمين في الكورال وصفوف العازفين يوم الأحد وشتى أشكال الخدمة التي فطمت عليها لكن في بلدين وزمانين مختلفين وكأنهما حياتان أخريان يفصلني عن كل منها سنوات ضوئية من الأحداث والمتغيرات.

أنتظر عودة زوجي من زيارات رعوية وجلسات إدارية ومؤتمرات روحية لأجد نفسي في كل مرة وقد استسلمت تحت وطأة الإرهاق ومسؤوليات الأطفال والبيت أقوم بتفاصيلها منفردة فأخلد للنوم قبل أن أسمع صوت مفاتيحه تداعب قفل باب منزلنا.

أنتظر أجازة أسرية سعيدة نبتعد بها جسديا وذهنيا ونفسيا عن روتين وهموم سنة كنسية ودراسية طويلة وشتاء بدا وكأنه لن ينتهي فنطفئ قابس التشغيل لماكينات أجسامنا وعقولنا ونوقف الزمن ولو للحظة نقضيها نحن الأربعة معا بعيدا عن كل تلك الأثقال التي نجرها على مدار العام.

أنتظر نورا إلهيا يشق السماء وينزل إلي حيث أنا قابعة في ظلام وحدتي الحالك فيصلني بصورة ابتسامة أو ربتة كتف أو كلمة تشجيع تؤكد لي أن الله راض عن تقدماتي وذبائحي وتكريسي وتحملي حساب النفقة.

الانتظار علينا حق، وكل تلك الانتظارات ما هي إلا صور ميكروسكوبية عن انتظارنا الأزلي في شوق إلى ذلك اليوم الذي نستوطن فيه مستقرنا الأبدي مع باري الورى. فالسؤال لم ولن يكون: هل نحن ننتظر؟ وإنما السؤال الحقيقي هو: كيف نستثمر حياتنا أثناء الانتظار؟ 

جميع الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات