Sunday, April 13, 2014

لوحة أحد الشعانين الدمشقي

بنات بعمر قطرات الندى يرتدين فساتين الربيع بأكمامها القصيرة تقرصهن لسعة برد تركها الشتاء هدية سنوية في يوم الشعانين فنرتدي فوق فساتيننا الجديدة جواكت خفيفة بدرجات الأبيض والوردي والبنفسجي الفاتح تزعجنا قساوة الأحذية الجديدة التي قضت ليلتها بجانب أسرّتنا عندما نمنا فرحين بانتظار صباح الشعانين الذي سيأذن لنا أخيرا أن نرتدي ثياب العيد

شموع طويلة ونحيلة مزينة بقماش الدانتيل والورد الصناعي يحملها الأطفال الذين تعلموا المشي مؤخرا أو منذ بضعة شهور أو سنين يحاولون بأياديهم الصغيرة الحفاظ على توازن الشمعة عموديا فيمسكونها بإحكام من الجزء السفلي الخالي من الزينة والزركشة يضعطون بقبضتهم على غصن الزيتون الذي أضافه بابا على المهمة الصعبة المحببة فور وصولنا باب الكنيسة ووزع علينا شباب الكشافة أغصان الزيتون وثبتوا الورقتين المتصالبتين منه بدبوس على بلوزة ماما وقميص بابا

"كسر شمعته قبل ما ننزل من البيت" هذا هو الحال بالنسبة للأطفال الرضع الذين ترى أحدهم يقضم شمعته والآخر يمصمص زينتها وغيره ينام في عربته بسلام مطئمنا أن شمعته المكسورة تبتسم بجواره في الظل الذي يؤمنه شال ماما الجديد المتدلي فوق شمسية العربة ليغطي رأس الرضيع وليس جسمه فالشمس مفيدة خاصة أنه يرتدي صدريا خفيفا وقميصا أبيض لأن هذا أول عيد شعانين له وقد أطاع الوالدان التقليد وألبسا رضيعهما ثيابا بيض

"امشوا منيح هلأ بتدوخوا" تأمر الأم ابنتها وابنة أختها ناهرة بلطف كي تتوقف الطفلتان عن الإلتفاف في مسابقة لمعرفة فستان من فيهم سيطير أعلى من الأخرى بكشاكشه وطبقاته وورود شرائط الساتان المتناثرة عليه، تسير الطفلتان برفقة أهلهما في خط لولبي أشبه بالفراشات بالكاد تطأ  أرجلهما الأرض من شدة الفرحة 

تيتا التي غادرت الكنيسة في سيارة خالو لأنها لن تتمكن من السير عائدة إلى المنزل علقت في زحمة باب توما وشوارع دمشق القديمة المكتظة بالكنائس تطمئن خالو بأنها أعطت مفتاح البيت لأحد أحفادها المراهقين وهو ينظر إلى ساعته الجديدة بفخر كي يتباهى بها ويؤكد على تيتا أنه لن يضيع المفتاح وسيكون أول الواصلين إلى بيتها ليفتح الباب لأفواج المعايدين من أبنائها وعائلاتهم قادمين من كنائس مختلفة لكن متجاورة

تتناثر الابتسامات مع نسمات الصباح الباردة لتملأ سماء الشام تتراقص متلاحمة برائحة الياسمين وخيوط شمس الظهر الذهبية بلمعان أحد الشعانين.... وما أدراك ما هو لمعان أحد الشعانين في الشام... 

خذني إلى هناك

هناك حيث نلتقط الصور على شرفة منزلنا بثيابنا التي سهرت أمي تنهي خياطتها لنقف وخلفنا النخلة تشرئب من الحديقة العامة برقبتها الأطول كل عام

هناك حيث راديو بابا يذيع قداس كنيسة السريان على الهواء مباشرة من إذاعة دمشق وبابا يحلق ذقنه استعدادا لنزولنا بعد أن سبقنا أخي للكنيسة كي يصل مبكرا استعدادا للعزف وقيادة الكورال

هناك حيث نتشاجر أنا وأختي راجية إياها أن تعطيني مجفف الشعر وتساعدني في وضع أحمر الشفاه فأنا لست بمهارتها بعد

هناك حيث يرن هاتف المنزل وأسمع صوت ماما تقول لأخي الأكبر "وانت سالم حبيبي" بعد أن فرقته عنا سنوات الغربة في الأعياد

هناك حيث نتمشى مقتفين خطواتنا ذاتها كل عام على نفس رصيف شارع القصاع الواصل بين ساحة باب توما وساحة العباسيين في تمشاية يوم العيد من كنيستنا إلى بيت التيتا مع وقفة تقليدية بانتظار فطاير الجبنة والمناقيش من فرن الصوفانية

هناك حيث تتعالى الأحاديث والضحكات من شبابيك ذلك القبو الواسع تتوزع في أرجائه النشاطات الأسرية فالأطفال يلعبون "برا بالجنينة" وغرفة الجلوس المستطيلة تحتضن ملخصا لعظة الجدو تسأله ماما عنها وعن كنيسته في ساحة القصور، ثم تطل صينية التيتا النحاسية البيضاوية تحمل كاسات الشاي مع فناجين القهوة وصحونها الصغيرة القادمة من المطبخ مع أحد المغادرين فهناك من سيلازم "الطنجرة" ومن سيحضر سفرة الغداء

هناك حيث لا حرب ولا قذائف هاون ولا أمهات ثكالى ولا بنات متشحات ثيابهن ووجوههن وأيامهن بالسواد ولا شباب بلا مستقبل ولا أطفال بلا طفولة

هناك حيث كنا صغارا وشيوخا نعيش جاهلين أن الجاهلية على موعد معنا... مع من تبقى منا... مع ما تبقى لنا من أشلاء بلد وشظايا شآم

أريد أن أطوي أحد الشعانين الجديد هذا فأنا غريبة عن أبجديته لذا سأضعه في ذلك الصندوق إلى جوار كل آحاد شعانين الغربة وأرسم لوحة لأحد شعانين آخر... ألِفتُ ضربات الريشة فيها وحفظت ألوانها وعشقت عبق قماشها... "هالبلد خشب عتيق ما بتغرق" فسأصنع إطارا للوحتي من ذلك الخشب العتيق لتبحر بي قاطعة بحور الألم وصولا إلى شاطئ قديم جديد فيه طيب ذكرى من غادرونا، ترسوا عليه قصائدنا وتزينه أحلامنا لأوطاننا وأولادنا وأعيادنا...

No comments:

Post a Comment