Saturday, July 12, 2014

أنا أم عربية

كتبت على صفحتي على فيسبوك يوم 30 يونيو 2013 ما يلي (مع حذف أسماء أولادي فأنا لا أكتبها في مدونتي كما أتجنب صورا واضحة لوجوههم لأسباب لا متسع لذكرها الآن):


أنا "ف"... عمري 4 سنين

وأنا "ي"... عمري سنتين


في كتير ناس بتقول ان الطفولة هي أحلى مرحلة في الحياة، لأن فيها البراءة والفرح الحقيقي، فيها أكبر هم هو انه لعبة تنكسر أو الشي الطيب يوقع ع الأرض (الحاجة الحلوة يعني)... فيها الحب الغير مشروط والتفاؤل الساذج وكمان البكاء الآني والهيستيري بلا قيود... والكبار بيتطلعوا فينا وبيحسدونا على هالأيام بنظرة النوستالجيا لطفولتهم

بس يمكن يكون هاد جزء من الحقيقة لأن الجزء التاني بالنسبة إلنا نحنا الاتنين هو قديش صعب تكون طفل عايش بالعالم العربي بسنة 2013، خاصة لو كان نصك مصري ونصك سوري... هالخلطبيطة مانها "وصفة طفولة مثالية" متل وصفات الأكل على فتافيت أو وصفات الجمال بالمجلات أو وصفات النجاح بالكتب أو وصفات الذكاء ع الانترنت... هي ببساطة "وصفة صعبة"... صعبة علينا وصعبة على أهلنا...

اليوم 30 يونيو\حزيران 2013 إله أسماء لانهائية بس هو بالنسبة إلنا نحنا الاتنين هو "يوم" في طفولتنا... والتعريف العام لكلمة "يوم" أو للفترة الزمنية المسماة "يوم" عندنا هو انه "يوم" ببساطة شديدة وبتعقيد شديد، هو يوم في قبله متله وبعده متله، هو ممكن يمرق وما نحس فيه بس ممكن يمرق ويغير حياتنا إلى الأبد... بيعنيلنا شي مختلف تماما عن شو بيعني لأهلنا لأنهم في كل "يوم" بيكون قدامهم عدد لانهائي من القرارات تتراوح أحجامها ما بين الميكروسكوبية التافهة إلى الجوهرية العملاقة... لهيك الـ"يوم" بيكون مشحون... مشحون بالنسبة إلنا ومشحون بالنسبة لأهلنا

واليوم تحديدا... ماما أخدت قرار هو عين العقل وصح الصح انها تقضي "اليوم" معنا بالبيت مشان تضمنلنا وفقا للوسائل المتاحة بين إيديها ان اليوم رح يمرق بسلام واننا رح ناكل ورح نلعب ورح نكبر... رح نصير أكبر بيوم لما هاليوم يعدي على خير... 
واليوم تحديدا... بابا أخد قرار هو عين العقل وصح الصح انه ينزل المظاهرات تبع "اليوم" مع المصريين اللي بالشوارع مشان يضمن وفقا للوسائل المتاحة بين إيديه ان مستقبلنا رح يكون فيه سلام واننا رح ناكل ورح نلعب ورح نكبر... رح نصير أكبر بعمر لما هالعمر يعدي على خير...

كل يوم هو بنظرتنا الطفولية يوم صعب ويوم مهم... كل يوم هو بنطرة أهلنا الشمولية يوم صعب ويوم مهم... اليوم أصعب وأهم من غيره بس عم نحاول نعيش كلام هالمقولة "أنا لا أعرف ماذا يحمل لي المستقبل ولكنني أعرف ذاك الذي يحمل المستقبل"... 

الكبار بيعرفوا ان الأطفال بيحبوا يلعبوا بالطين... بس المشكلة لما اللي مفكرين حالون كبار، كبار كتير كمان، عبوا تراب بلادنا بالدم... صار طين... بس ما بينلعب فيه... لهيك لا نصنا السوري عرفان يبوس تراب سوريا ولا نصنا المصري ضامن مستقبله ع تراب مصر...

شفتوا كيف الطفولة بالنسبة إلنا نحنا الاتنين "سبيشال"؟ لأنها ببساطة "وصفة صعبة"... صعبة علينا وصعبة على أهلنا...

وبعد عام وبضعة أيام، عن طريق حساب صديقتي على فيسبوك، صادفت هذه القصيدة لـ"ديمة الخطيب" في توقيت قد يعني بعض الأمل للمصريين ولكنه يمرعلى السوريين أسوأ من سابقه أما الفلسطينيون فيتذوقون طعم الحرب من جديد مع عملية "الجرف الصامد" رأيتها أنا أشبه بشنط رمضان مع بعض التعديلات في المحتوى توزعها طائرات حربية إسرائيلية عوضا عن فاعلي الخير ومنظمات الإغاثة

قصيدة "أنا طفل عربي" أدهشتني في مزجها ما بين ذكاء شموليتها وعذوبة صوت كاتبتها ثم أبكتني لواقعيتها وقربها مني كأم عربية... إذ سمعت فيها صوت ابني يقول: "أنا طفل عربي" وصوت ابنتي تردد خلفه كعادتها في ترداد ما يقول: "أنا طفلة عربية" (مع انها تتكلم عن نفسها بصيغة المذكر)

أنا أم عربية لطفل عربي وطفلة عربية
أخ وأخته
لأب مصري وأم سورية
من سحر نيل القاهرة إلى عبير ياسمين دمشق
رضعوا من والديهم الكثير برغم غريزة الأمومة التي راودتني هلاوسها فيما يخص حماية أطفالي، فكنت أحميهم من "الطير الطاير" ولكنني لم أتمكن من حمايتهم مني أنا فقد وصلهم ما في عروقي عبر زجاجات الرضاعة وكان مفعوله أسرع من "حليب الأم"

ولكن مالذي كنت أحاول حمايتهم منه؟
أهو عشقي الأبدي لدمشق؟
أم جنون بيروت الذي تسلل إلى خلايا روحي فسكنها؟
أم صداقتي بالقاهرة التي أراها تشبه أغنية فيروز "تعا ولا تجي"؟
أم جمال الإسكندرية الذي انطبع على حياتي كالوشم فأصبحت أنا وهي كالحبيبين الذين يعكسان بعد عِشرة السنين ملامح بعضهما البعض؟

يتغير معنى الأوطان ومكانتها في وجداننا عندما نتذوق طعم الغربة، تماما كما يتغيرمعنى الأوطان ومكانتها في وجداننا عندما نذوق طعم الأمومة والأبوة
نرى الدنيا بعيون مختلفة، نرى بلادنا بشكل جديد، تلك البلاد التي نسكنها وتسكننا فيمتزج التاريخ بأيامنا المعاصرة ويتلاقح ما هو خارج منزلنا وخارج عن إرادتنا مع ما هو داخل دويلاتنا ( كما في دويلتي) لم يرضع طفلاي حمى الهجرة (الشرعية منها والمتخفية تحت الأعذار وخلف الأكاذيب البيضاء) لم ننقش على أحجارهما الغضة إلا حب الوطن وغريزة الانتماء وشتلة الهوية لكنها كلها أمست رفاهيات يبعد منالها مع أول قطرة حرب...

يحكي لي والدي عن حرب تشرين عام ١٩٧٣ قبل ولادتي بسبعة أعوام لأشهد حربا أشرس تدور رحاها في يومنا هذا بينما اختلفت جحافل المتناحرين وتطورت أحذيتهم التي يدوسون بها على مقدساتي، على سوريتي، ويخبزون لنا "خبزا أحمر" عبر الأقمار الصناعية والشبكة العنكبوتية دون أن تتلطخ أيديهم بطحين أو تراب أو ضمير

أيعقل أن ينهض بلدي من الاستعمار ليعيش هدنة تدوم ثلاثين عاما لتتلقفه رحى الحرب ثانية فيحظى بهدنة لم تدم أربعين عاما إلا وينقض ذلك الغول عليه من جديد فيولد شعب بأكمله ما بين سنوات الهدنة وسنوات الحرب... أية لعنة تلك التي حلت بنا فلا نكاد نلملم أشلاءنا ظنا منا أن القادم هو "إعادة إعمار" سياسي و "إعادة تأهيل" اجتماعي و "استشفاء" جسدي ونفسي فنصب جام أملنا على الجيل القادم أن يكون جيلا نقيا يمحي ذكرى ما مضى ويمضي قدما بخطى حثيثة ولكن... نحو السراب

أنا أم عربية
أرسم على أوتار لغة الضاد
وألون أحلامي بطيف الأكاذيب
أعلق في أقدامها خواتمي
علها تطير عائدة إلي
إلى وطن يؤلمني
وطن أضمه فيضمّدني
ويهمس في أذني
"يا ابنتي
لا تخافي...
آمني فقط"

رهام جرجور
الاسكندرية ١٢ تموز/يوليو ٢٠١٤ 

No comments:

Post a Comment