Showing posts with label trips n travel. Show all posts
Showing posts with label trips n travel. Show all posts

Tuesday, January 2, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: التجسّد

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/التجسُّد/

ماما: "ما ينفعش يا رهام تكتبي "تجسّد خوفي" في المقالة، لأن المسيح وحده اللي اتجسد."
أنا: "ده صحيح ان الله المتجسد كان في شخص المسيح بس، لكن فعل التجسّد بينطبق على أشخاص ومشاعر وحالات... الخ"
ماما: "لأ، احنا في إيماننا المسيحي بنؤمن ان التجسّد كان ليسوع بس، وما ينفعش يتقال على أي حاجة أو حد تاني انه اتجسد. قولي "ظهر خوفي"، مثلا."
أنا: "باختلف مع حضرتك لأن اللغة العربية كانت موجودة قبل المسيحية، والفعل نفسه نقدر نستخدمه لغوياّ، لكن لو كلامنا لاهوتي بخصوص التجسد الإلهي فهو كان حصري من خلال يسوع المسيح."

كان هذا جزءا من نقاش طويل دار بيني وبين ماما في مكالمة هاتفية، لم تكن أمي البيولوجية، وإنما هي ماما لمئات، بل وأجرؤ على القول آلاف، الشابات والسيدات خلال سنوات خدمتها الطوال كزوجة قسيس مباركة أكنّ لها فائق المحبة والاحترام، حتى وإن كنت أختلف معها في وجهة النظر اللغوية-اللاهوتية فيما يخص استخدامي لكلمة "تجسّد" وتوظيفي لها في إحدى مقالاتي منذ أعوام.

مع مطلع عام 2018 اخترتُ لنفسي شعاراً أتبناه خلال السنة الجديدة وهو مبنيّ على مقولة استوقفَتني منذ مدة ورافقتني لأشهُر طِوال مع مقولات أخرى، إلا أن هذه الحكمة على وجه التحديد أبَتْ إلا أن تعاوِدَني مِرارا وتكرارا في مواقف عدة كنت خلالها بأمس الحاجة إليها:

“Be who you needed when you were younger.”
"كُن الشخصَ الذي احتجتَ إليهِ وأنت أصغرُ سِنّاً."

لازلتُ أذكر عندما قرأت هذه الجملة للمرة الأولى كم من الوقت استغرقتُ في محاولة استيعابها والغوص في معانيها. فقد كانت بالنسبة لي بمثابة السدّ الذي انفتح فأفرج عن مياهٍ متدفقة لم أكن أعي وجودها مُخزّنةً خلفَه. وبدأَتْ تتلاحق الصور في ذهني مع محاولاتي لِلّحاقِ بكثافتها وسرعة جريانها، فما كان بي إلا أن سارعتُ في تصنيفها وترتيبها وفقاً لجدولٍ يحفظ التسلسل الزمني لظهور تلك الأحداث والشخصيات والمواقف في حياتي في الماضي القريب والبعيد.

من ضمن تلك الشخصيات التي استرجَعَها ذهني خانةٌ كاملةٌ مَعنيّةٌ بتسميةِ ودورِ وقالَبِ "زوجة القسيس"، حيث عاد بي الزمن إلى سنوات مدارس الأحد وزوجة الراعي في كنيستي بدمشق آنذاك وكيف كنت أراها وما الذي كنت أراقبُه فيها وأتوقعُه منها وأنا أرفع رأسي لأنظر إليها بقامتي الصغيرة.
مرحلة المراهقة خرجَتْ من الحسبان لأنني كنت خلالها مشغولة بمراقبة إبنة القسيس أكثر من زوجته، وكانت هي تكبرني بعام واحد فقط، لكن في المرحلة الجامعية تبلورَتْ أكثر صورة ُزوجة القسيس في ذهني حيث كنا، ولا زلنا، في سينودس سوريا ولبنان نخاطب زوجة القسيس بلقب "قسيسة" إدراكاً واعترافاً مِنّا بثِقَلِ المسؤولية المُلقاة على عاتِقِها داخل الخدمة وخارجها على حد سواء.
تزامن حصولي على شهادة الدراسة الثانوية عام 1996 وبدء دراستي الجامعية مع عدة أسفار لبلاد ومدن مختلفة تعرفتُ فيها على زوجات قسوسٍ من شتّى الطوائف والجنسيات ابتداء من بيروت، وديترويت، وأتلانتا، وإدنبرة، وجلاسكو، وأوهايو، ولندن، ونيويورك، حيث وإن تنوّعَتْ أسباب السفر وظروفه إلا أن ما كان يوحّدُها كلّها في هذه المدن الثماني هو حضور الكنيسة صباح أيام الآحاد. حيث كنت أختبر غِنى الاختلاف في أشكال العبادة والترنيم والصلاة في كنائس عِدّة، وأتعرف إلى رعاتها وزوجاتهم لتقتصر المعرفة على سلام وكلام بُعَيدَ الاجتماع أو تمتدّ تلك المعرفة إلى وجبة غداءٍ أو قضاء يوم بصحبة أسرة الراعي المهتمة بالتعرف بفتاة مسيحية إنجيلية سوريّة تُمثل بالنسبة إليهم نافذةً لحياة فتياتِ الشرق الأوسط في زمنِ ما قبل الانترنت والعولمة.

Fast forward 10 years
وتمر سنواتٌ عشر لم أكن أعلم خلالها أني سأخضعُ أنا نفسي لذلك الميكروسكوب الإنترناشنال الذي صنعَتْهُ يداي وكنتُ به أراقب كل أولئك "القسيسات" اللاتي خضعن لفحصٍ وتمحيصٍ وتدقيقٍ لا يخلو من إجحافِ وقسوةِ عينِيَ الساعيةَ إلى الكمال. ومع انقضاء سنة تلو الأخرى باتَ لسانُ حالي أشبهَ بالترنيمةِ الميلادية التي أعشقها:
“Mary Did You Know”
حيث قمتُ بالتعديل اللازم:
“Riham Did You Know?”
واستعنتُ بالترجمة العربية البديعة: "هل كُنتِ تعلمين؟"

هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستتزوجين من طالبٍ بكلية اللاهوت سيُرتَسَمُ قِسيساً قُبَيلَ عيدِ زواجكُما الثاني بقليل؟
هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستختبرين أصنافاً وأشكالاً وأنواعاً من الغُربة لم تقرأي عنها في رواياتك وكتبك المُحبّبة ولا شاهدْتِها في الأفلام الرومنسية أو أفلام الخيال العلمي؟
هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستقومين بتربية "ابن قسيس" و "ابنة قسيس" مع كل التحديات التي يحملُها ذلك اللقب بين طيّاته؟
هل كُنتِ تعلمين أن صديقاتِ ابنك وابنتك سيغمُرنَكِ بكل المحبة الطفولية الأنثوية التي يمكنُكِ أن تتخيّليها أو تتمنّيها أو تصدّقيها أو حتى تحتمليها؟
هل كُنتِ تعلمين أن شاباتٍ من كنيستك ومن كنائسَ أُخرى سيلجأنَ إليكِ طلباً للمشورة والحكمة لأنهنّ يرَيْنَ فيكِ سيدةً وصديقةً وأختاً كبرى تتمتّعُ بالنّضوجِ والكِتمان الذي يحتَجْنَ إليهِ ليُفضيْنَ إليكِ بأسرارهِنّ فتصطَكّ عظامُكِ خوفاً ورهبةً من عَظَمة المسؤولية؟
هل كُنتِ تعلمين أنه من أحشائكِ سيخرجُ مسيحٌ مُخلّصٌ مادّاً ذراعيهِ ليحتضِنَ صديقةً تئِنّ، ذارفاً دموعَهُ هو من مآقيكِ أنتِ، فتراها هي وتتعزى؟
هل كُنتِ تعلمين أن صديقة أخرى لن تجد أحداً يشاركُها فرحتَها دونَ غيرةٍ أو حسد أو ضغينة سواكِ، فتستبقُ مشاركة الخبر السار بأن تزفّهُ لكِ أنتِ أولاً فيتقافزَ قلبُكِ سعادةً في ضلوعِكِ بكُلّ عفوية وكأنّ الخبرَ يعنيكِ أنتِ؟
هل كُنتِ تعلمين أنك ستُجسّدينَ كلّ هذه الأدوار وغيرها من المسؤوليات والشخصيات التي يحتاجُها من حَولُكِ ليس كاحتياجهم للرفاهيات، وإنما لأنكِ أنتِ، بدرجة أو بأخرى، "فارقة" كل الفرق في حياتهم؟

هل تعلمين؟
سؤالي الأخير هذا موجّهٌ إليكِ عزيزتي القارئة، وإليك عزيزي القارئ. فأنت أدرى الناس بظروفك ومحيطك وحياتك السرية والعلنية.

مع اقتراب احتفالنا بمولد المخلص يوم 7 يناير/كانون الثاني بحسب التقويم القبطي، وخلال هذه الأيام من فصل المجيء أو ما يسمى بالـ Advent  أو The Advent Season  تُلِحُّ عليّ هذه الأسئلة والتساؤلات، فأبحثُ لها عن أجوبة في تأملاتي وقراءاتي وصلواتي. لن أدّعي أني توصّلتُ إلى إجاباتٍ شافية وافية، ففي أغلبِ الأحيان قد لا تكونُ الإجاباتُ هي المهمة، بل الأهم منها هي الأسئلة. حتى وإن لم نجد الجواب الصحيح، علينا أن نبحث عن السؤال الصحيح.

ما هو فعل "التجسّد"؟ وما الذي يعنيه لي أنا شخصياً أن يتغيرَ معنى هذا الفِعلُ من جذورِهِ لمُجرّد أن يرتضِيَهُ الله على نفسه، لأجلي أنا. وكيف يُمكنُني أنا أيضاً أن أكونَ مريم العذراء؟ ليس من باب التضامن والتفهّم "كُلُّنا مريمُ العذراء"، الأمرُ الذي عَهِدناهُ مؤخراً على شبكات التواصل الاجتماعي. بل أن نكون "كلُّنا مريمَ العذراء" بشكلٍ فردي. أن تكون أحشاؤنا من العُذريّة بمكان لأن يتجسّد منها الله ويولدَ في حياة مَن حولنا ليخلصهم من وحدتِهم وحيرَتِهم وتخبُّطهم. أن نعود إلى مقاعد مدارس الأحد الخشبيّة ونصلّي صلاة الأطفال في كل ميلاد: "تعال يا يسوع لتولَدَ في قلبي." ومن ثمّ نقفَ وقفة الكبار ونَعِي أعماق هذه الحقيقة وعَظَمة المسؤولية ورهبة التكليف والتشريف، كيما بعدها نركعَ على إثر ذلك ركوعَ العذراء مريم ونَخضعَ قائلين: "ليَكُن لي كَقولِكَ." فنعيش عامنا الجديد بفعل متجدد للتجسُّد، نُجسِّدُ ذلك الشخص الذي احتجنا إليه عنما كُنا أصغرَ سناً، ويكون عام 2018 عام التجسُّد المتجدِّدِ فينا وبنا ومن خلالنا.




بدون تعليق: هذه شجرة الميلاد في ساحة Rockefeller Center  الشهيرة في نيويورك خلال موسم المجيء في ديسمبر 2017. ويعود الفضل إلى أربعة أشخاص لولاهم لما كنت التقطتُ هذه الصورة أو عرفتُ أن هناك دائماً أملٌ في تذوق لحظات من السعادة المُقطّرة حتى وإن طال الانتظار... شكراً وشكراً وشكراً وشكراً... انتوا بتعرفوا حالكم... وشكراً لشخصين صغيرين تحمّلا غيابي عنهما لأول مرة ولمدة طويلة نسبياً... 

Saturday, February 20, 2016

الخبطة الخمسية

لست أذكر ان كانت في أواخر المرحلة الابتدائية أم في المرحلة الاعدادية، لكنها كانت موجودة. "الخطة الخمسية" مفهوم جديد بالنسبة لنا عندما كنا صغاراً يتم تدريسه في مدارسنا في سوريا لتعريفنا بما تقوم به الدولة. كل ما فهمته من هذا العنوان في ذلك الوقت هو أن مدة خمس سنوات ليست طويلة كما يظن البعض فهي بالكاد تكفي لتحقيق خطة ما في مجال ما والسير وفقا لهذه الخطة طيلة السنوات الخمس. لكنني كبرت واكتشفت أن نفس السنوات الخمس إن اقتصرت على المصائب والكوارث الكبيرة منها ذات الأمد الطويل والصغيرة التراكمية اليومية فلن تكون بالمدة القصيرة وستمر السنوات الخمس "بالعافية" أو "بالزور" مخلفة وراءها جروحاً وقروحاً يتوجب مداواتها سنوات خمس أُخَر أو أكثر.

فكرة تقسيم السنوات الطوال إلى قطع يقتصر كل منها على سنوات خمس تخلق في ذهني صورة لوح من الشوكولاته، كل مربع فيه هو خمس سنوات يلتصق به مربع ثان بطريقة أنيقة تحدد إطاراً لكل مربع لكنها تحفظ اتصال واتحاد المربعات كلها معاً. ولو أردتَ فصل الواحد عن نظائره كل ما عليك هو قلب اللوح على ظهره و توجيه بعض الضغط على أحد الخطوط الانتصافية لتقتطع منه صفاً من المربعات فيتعين عليك تكرار نفس الحركة لفصل المربع المنشود.

لوح شوكولاتة وسنوات تعدادها بالخمسات، تلك كانت حياتي ولا تزال. لكنني أعجز عن التحديد المسبق لمعالم كل مربع فأنا لا أضع خططا خمسية ولكنني بعد مضي حقبة من الزمن أنظر إليها وقد ترسبت على هيئة خمس سنوات في تاريخ لوح الشوكولاته. لقد كان مستقبلي يفتقر دائما إلى أي خطة خمسية لكنه كان دائما يتحول إلى تاريخ يتردد في أرجائه بين الحين والآخر صدى خبطة خمسية.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيتها في بيروت. انتقلت إلى العيش في العاصمة اللبنانية بهدف الدراسة الجامعية بعد أن باءت محاولاتي في دمشق بالفشل الذريع على مدى أربع سنوات لجأتُ بعدها إلى تغيير مجال اختصاصي وبلد سكناي. خمس سنوات كانت من أصعب سني عمري لكن من أروعها في نفس الوقت قضيتها في الغربة والدراسة والعمل والعيش المستقل فنلت في نهايتها ليس شهادتين جامعيتين فحسب ولكن شهادات عدة في مجالات لا تحصى في الحياة مع تراكم خبرات منها الجميل ومنها المؤلم شكلَت في شخصيتي وكان لها البصمة الأكبر في تكوين الإنسانة التي أنا هي الآن.

خمس سنوات هي مدة زمنية في تاريخ الأشخاص كما الأشياء فقد اقتصرَت ميزانية بيت الزوجية السعيد لي ولزوجي على شراء أريكة يتيمة تتسع لشخصين فقط لا غير كان عليها أن تنتظر ذكرى زواجنا الخامس كي نستبدلها بأريكة ركنية من الجلد استحالت معها غرفة الضيوف في شقتنا إلى غرفة مضيافة ستختصر في السنوات التي تلت عدد ضيوفنا الجاليسين على السجادة وكراسي مائدة الطعام فهناك متسع من المساحة على أريكتنا ومتسع من الحب في قلوبنا أيضا لأننا في عيد زواجنا الخامس كنا قد أصبحنا أسرة من أربعة أشخاص مع استمرارنا في الترحيب بضيوفنا والتقاط صورة كوميدية على "أريكة المشاهير" كما لقبناها. لم نكن عروسين بالمعنى التقليدي للكلمة، يتقدم الشاب لخطبة الفتاة وفي جيبه مفتاح شقة اشتراها بماله أو بمساعدة والديه فنحن لا زلنا لانمتلك سقفاً فوق رؤوسنا سوى سيارة مستعملة، كما لم أكن أنا عروساً يخفي خجلُها مخزون سنين حرصت أمها خلاله على تحويش أصناف وضروب  مستلزمات المنزل والمستلزمات الشخصية، فقد استبدلتُ ذلك النوع من الاستثمار في انتظار عريس السعد بنوع آخر من الاستثمار أبعد ما يكون عن الممتلكات والنواحي المادية لذا خرجت ُمن بيت أبي متأبطة ذراع صديقي ألمح في عينيه بريق الافتخار ليس فيما تملك شريكة حياته من أشياء لكن فيمن هي تلك المعينة نظيره كشخص تركز غناها في شخصيتها وتوزع في نواح عدة ليملأ سراديبها.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيناها أنا وزوجي في الاسكندرية، مدينة ساحلية لا تشبه بيروت إطلاقاً. حتى شمس الغروب وهي تغطس لتختبئ في الجيب الأزرق للبحر المتوسط تتوسطه في بيروت بينما تميل ميلاناً حاداً ناحية اليسار في الاسكندرية. خمس سنوات لم نلمس خلالها ماء البحر على عكس توقع الناس وخاصة أصدقاؤنا وأقاربنا القاطنين في قيظ وتلوث القاهرة أننا نذهب للبحر بانتظام في صورة زوجين سعيدين يحملان بيد شمسية كبيرة ملونة وباليد الأخرى قفة قش بها ما لذ وطاب، تشتبك يديهما الحرتان ببعضهما البعض قاصدَين الشاطئ. خمس سنوات كنت أرى فيها البحر من بعيد تطبيقاً لمبدأ "شم ولا تدوق" ألمحه بطرف عيني وأنا أقود السيارة على طول طريق الكورنيش وأنا حامل، ثم أقطع نفس المسافة برفقة ابني الرضيع، وبعدها يتكرر المشهد مع طفل يمشي وجنين يسبح في بحره الخاص داخل جسمي وآخرها برفقة صغيرين كل منهما يحتل كرسيه الصغير في السيارة ويملأ حيز الهواء بضجيجه الكبير وطلباته التي تُحوّل عملية القيادة البسيطة إلى تحدّ أشك أن كثيرين من الرجال (وخاصة الذين يفتخرون بمهاراتهم في قيادة السيارات) يقدرون على احتماله، لكنه كان من نصيبي لسنوات طوال إلى أن كبر الأبناء نسبياً وتحول العويل والصراخ والبكاء إلى مشادات كلامية كلما اختلفا في الرأي. لكنني خلال تلك السنوات الخمس الأولى كانت سيارتنا تحتوي حفاظات هذا وببرونة حليب تلك يتناغم فيها توقيت الوقفات والاستراحات والبحث عن أماكن للتوقف الطارئ أو التوقف الطويل ومن ثم مشقة النزول من السيارة مع شنطة على ظهري ورضيع على يدي ممسكة بطفل في اليد الأخرى، أستخدم يدا ثالثة لأقفل الباب ورابعة لوضع نظارة الشمس وخامسة لدفع مبلغ نقدي وسادسة وعاشرة لأن الله ينبت للأمهات أياد تفوق عدد أرجل الأخطبوط.
بعد انقضاء خمس سنوات ذهبنا أخيرا إلى مصيف للمرة الأولى وقضينا ليلتين مرضَت فيهما ابنتنا التي كانت قد شارفت على إتمام عامها الأول لكننا حاولنا استثمار الليلتين بأقصى طاقتنا وتم الإنجاز ولمسنا ماء البحر للمرة الأولى وقررنا أن نحاول تكرار تلك الخبرة سنويا.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيناها في مسكن ضيق وظروف إقامة كانت تزداد صعوبتها كل شهر مع ازدياد عددنا وانتظارنا فرصة الانتقال إلى مكان أوسع. عندما غادرنا القاهرة وسكنا تلك الشقة الاسكندرانية كانت السكنى مؤقتة محدودة ببضعة أشهر قد تصل إلى سنة ولكنها امتدت رويداً رويداً حتى تجاوزت سنوات خمس كان أصعب تحدٍ فيها هو مطبخ خالٍ من الرخامة المعتادة كمساحة لإعداد الطعام كما خلى من أي خزائن أو "دواليب" لتخزين الأدوات أو الطعام على حد سواء. كان المطبخ يقتصر على حوض (أو مجلى) وبوتاجاز أضفنا بجواره رفين معدنيين كنت أضع عليهما ستة أطباق وبضعة أكواب مرصوصة في الهواء الطلق بلا باب يقيها من الغبار والأتربة ومن أيادي العابثين الصغار. 
كنت أعرف منذ طفولتي أنني "خلاقة" فقد كنت أقضي ساعات طوال في الرسم والكتابة والعزف والخياطة والأشغال اليدوية. وبعد زواجي اكتشفت أنني أحتاج هذه الخصلة كي تمر الشهور التسعة في حملي الأول بسلام وأنا أطبخ في هذا المطبخ بطريقة "خلاقة" ومن ثم أعقم ببرونات الرضاعة لطفلي وأعد طعامه تحت نفس الشروط والظروف لأدخل مرحلة شهور تسعة أخرى في الحمل الثاني وأطبخ لثلاثة أشخاص رابعهم غير مرئي: زوجي وزوجته الحامل وابنهما. ولدت ابنتنا في نفس المكان وشاركتنا السرير وغرفة النوم التي لم يكن هواؤها يكفي لأربعة أشخاص بينهم مخلوقان صغيران يوقظانني كل ساعة ليشتد التحدي الثاني وهو حرماني من النوم فيزيد بدوره صعوبة أكبر من صعوبة الطبخ في مطبخ "خلاق". فكان الصداع المزمن وتوتر الأعصاب المستمر وانعدام التركيز أصدقائي الجدد على مدى سنوات خمس طوال لم أذق فيها طعم النوم ليلة واحدة فكنت أحلم (أحلام يقظة!) بفرصة نادرة لنوم متواصل لثلاث ساعات لكن حتى تلك كانت ضرباً من ضروب الرفاهيات في ظروف سكنية وحمل وولادة ورعاية أطفال بمفردي مع انشغل زوجي وسفره المتكرر. أنا التي اختصت أيام الجامعة بعلم نفس الطفل وبمبادئ تربوية تفتقت عنها عبقرية أشهر اختصاصيي علم النفس والتربية وعلم الاجتماع في العالم كنت عاجزة عن تحقيق حلمي المثالي في أمومة مثالية أمنح بها أبنائي طفولة مثالية . "بس ربنا ستر" وانقضت السنوات الخمس بأقل نسبة من الخسائر على صعيد تربيتي لأطفالي حتى وإن تركَت نُدباً عصية على الشفاء لدى أمّهما.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي مرت (ولايزال العداد يركض) لم أر فيها بيتي، بيت أهلي، بيت الجد والجدة لأطفالي... هو بيت واحد لكنه بيوت كثيرة داخل بعضها البعض كالدمية الروسية. خمس سنوات لم أذق فيها طعم أن أمسك بابني في يد وابنتي في اليد الأخرى وأصطحبهما لزيارة "تيتا وجدو". اشتقت لرائحة ذلك البيت، اشتقت لصوت المفتاح وهو يقرقع في قفل الباب مرتين ثم ينفتح الباب ورقبتي مائلة باتجاه اليمين أتجنب الجدار الذي يقابلني وأدير بوجهي ناحية الصالة. اشتقت إلى المطبخ الواسع المنير والمجهز بكل ما كانت تحتاجه أمي لطهي أشهى المأكولات والحلويات لأسرة من ستة أشخاص بعد يومها الشاق في العمل كمدرسة لمادة الرياضيات. اشتقت لشرفة المطبخ كما اشتقت لطاولة صغيرة في مطبخنا هناك كنا نتناول عليها طعام الإفطار ونلتف حولها مساء لعشاء سريع نتبادل أثناءه الحديث بينما يجلس أحدنا ويفتح الآخر الثلاجة ويقف ثالث عند حوض الجلي. اشتقت إلى كل غرفة في منزل يتسرب الدفء من جدرانه يلف عظام جسمك بطبقة حماية تقيك من كسور الحياة. أتراني الآن مهشمة لطول بعدي عن تلك الشرنقة؟ هو البيت والملاذ والشاهد لمراحل طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا نحن الأربعة حيث كبرنا أنا وإخوتي ورضعنا مفاهيم ومبادئ خلا منها المجتمع والشارع آنذاك لكنها كانت الغذاء الأمثل لأرواحنا وشخصياتنا. اشتقت إلى علبة مراسلاتي التي كنت أحتفظ بها تحت سريري في الغرفة التي تشاركناها أنا وأختي، فيها رسائل كتبتها لأشخاص مختلفين على اختلاف أهميتهم ودورهم في حياتي مع اختلاف المراحل العمرية ومحطات الحياة. اشتقت إلى ألعابي التي احتفظت بها كي أورثها إلى أولادي إذا تزوجت يوما ما أو رزقت بأطفال. اشتقت إلى صوت حسيس النار في المدفأة أيام الشتاء وإلى الشرفة الواسة التي تطل عليها غرفة الجلوس، شرفة بها ممر خارجي خاص يصلها بغرفة نوم أهلي وبابها السري الذي لا يعلم به إلا أصدقاؤنا المقربون.

أحكي لإبني عن المرة التي اصطحبته فيها لقضاء أسبوعي العيد هناك مع ختام عام 2010. كان قد أكمل ستة أشهر بعد عامه الأول وكنت أنا حاملأ في شهري الأول فينقطع سيل الذاكرة وسلاسة الحديث بسبب مشاجرة مع أخته التي تبلغ من العمر أربع سنوات ونصف وتبدأ هي المشاجرة قائلة: "اشمعنى؟" فهي لم يتزين جواز سفرها بختم مطار دمشق، بعد. خمس سنوات تحولت خلالها معرفتي العقلية والتفاعل النظري مع أصدقائي الفلسطينيين والعراقيين إلى "خبز وملح" تذوقتهما بنفسي وعرفت مرارة الحرمان من الوطن ... ولوعة الغربة القسرية... وجمر الشوق الذي يستحيل جمرأ أبديا، لا هو نار يدفعك لهيبها إلى إخمادها ولا هو رماد يمكنك كنسه أو حتى تجميله بالرسم عليه بإصبعك. يبقى جمراً يكويك بصمت، يحرق لسانك كيلا تجيب بإجابة خارجة عن إطار الكياسة عندما تسمع أحدهم يقول لك: "يا بختِك أهلك معاكي هنا". أأحكي لهم عن شهور الذل والعذاب أم عن طعم الفقدان؟ لكنك لا تملك سوى أن تومئ بتهذيب وتتمتم في نفسك: "لقد كنتُ أنا نفسي يوماً ساذجة مثلهم تماماً... ومن يدري، فقد أكون تفهوهت بمثل تلك العبارات البلهاء لصديقة فلسطينية أو أخرى عراقية!". وألتزم الصمت، فهو أبلغ تعبير وأوقع تعليق يمكن أن يرافق صوراً وأخباراً تصلنا من سوريا لترتفع معها الصلوات والتضرعات الخرساء طلباً لسلامة خالتي وولديها، خالي وأسرته، عمي وأسرته، عمتي وعمتي وأبناء أعمامي و و و ... وتسرح الذاكرة في بحر من الوجوه والأسماء لأصدقاء وأفرادٍ من أسرتي لا زالوا يعيشون جهنم الحرب بتذاكر من الدرجة الأولى، لا تقتصر حياتهم على مقاعد المشاهدة ولكنهم في قلب مسرح الأحداث في مدن كدمشق وحمص وحلب... في قرى كقرية أجدادي... في شوارع وأزقة عاشرتُها كما يترافق صديقان... ولا زال العداد يركض...

خمس سنوات مضاعفة، أي سنوات عشر انقضت منذ زواجنا حين قررنا في صيف عام 2006 أن نؤجل شهر العسل فلا نسافر إلى تركيا أو قبرص أو شرم الشيخ أو تايلاند، فتلك كانت بلدان "آخر موضة" في شهر العسل. قمنا بتأجيل شهر العسل ليس فقط لأننا لانملك النقود الكافية لمشروع كهذا أياً كانت وجهتنا ولكن لأننا قررنا أن نسافر بعد انقضاء سنة على زواجنا نكون خلالها قد تعارفنا وتآلفنا وتصادقنا فنستمتع بهذه الرحلة أكثر من عريسين مرهقين منهكين مادياً ونفسياً ومعنوياً وعلى كل الأصعدة. لم نحظ حتى بحفلة ما بعد العرس فقد اقتصر فرحنا على الخدمة الكنيسة وتلقي التهاني في حديقة الكنيسة الإنجيلية بدمشق غادر بعدها الحضور كل إلى منزله. لقد كانت خطة تأجيل شهر العسل مقصودة لسنة واحدة قفط أو اثنتين على الأكثر سنستقر بعدها في مشروع الإنجاب لكن الإنجاب تأجل سنوات ثلاث وشهر العسل تأجل سبع سنوات بعدها وانتهى بنا المطاف أننا أكملنا خمستين فأبدأ أنا جدياً في التخطيط لإحياء ذكرى زواجنا العاشر في رحلة ما إلى بلد ما. أخطط لسفر أشبه بالسراب قد لا يتحقق لكنه على الأقل سيشغل ذلك الحيز الصغير في رف أحلامي كنت قد خصصته لحلم بعنوان: "سفرية شهر العسل" لكنه ملف كتب عليه الآن بخطٍ مختلف عبارة إضافية "بعد التعديل" لأننا لن نكون عريسين ولا زوجين تقطر الرومانيسية من جوازات سفرهما وتذاكر الطائرة متعددة الوقفات وحساباتهما البنكية الدسمة، فسنكون برفقة صبي في السابعة وأخته التي ستكمل الخامسة وأستبدل صورة شهر العسل بصورة عائلة سعيدة معها الخبز الكفاف، صورة تضيؤها إشراقة ابتسامة طفلين يتطاير الحماس من عيونهما. وسأستبدل اللون الأبيض لفستان العروس بخطوط بيضاء علت شعرها وتعذر إخفاؤها كالسابق. كل خصلة بيضاء منها، سواء اقتصرت على بضعة شعرات أو جمعت فريقا كاملا منها، هي ضربة ريشة لفنان. تشهد كل ضربة منها عن ألم صغير وآخر كبير، بعضها تمكنت من تجاوزه وبعضها الآخر ترك آثارا لم تقتصر على الشيب، لكن في كلتا الحالتين لا متسع هنا لفرد قوائم تؤرخ وتفصّل وتشرح باقتضاب أو باستفاضة عن تلك التجارب المؤلمة فالمؤامرة الآن ليست لفضح المستور وتعداد الدموع المختبئة وراء الابتسامات وليست للعق الجراح واجترار آلام الماضي ولكنها مؤامرة للتحايل على الزمن وخداع الواقع وللمناورة يميناً وشمالا لإيصال الكرة إلى الهدف، عائلتي إلى السفر. العروس التي كنتُها قبل عشر سنوات مضت، إيصالها إلى شهر العسل. أطفالي الذين لا يكفون عن السؤال عن هذا وذاك إلى مكان لن يسألونني فيه ولو لبضعة أيام عن بقعة الصرف الصحي التي يفيض بها شارع منزلنا وعن معنى السباب القذر الذي خصني به سائق التكسي وأنا أوصلهما بسيارتنا إلى مدرستيهما وعن سبب إصراري على ارتدائهما ثيابا صيفية خفيفة وسراويل قصيرة لأن حرارة الجو قاتلة بينما أختنق أنا متخفية داخل ملابس طويلة الأكمام والذيول. ربما، وأقول ربما لو سافرنا فسأسمع أسئلة من نوع مختلف عن رائدة فضاء أو عالم ذرّة فأغذي نهمَهُما للمعرفة بأن أشير بإصبعي إلى تماثيل لأناس عظماء غيروا وجه التاريخ ولازالت صورهم وإنجازاتهم تزين شوارع مدينة أجنبية نظيفة، فأولادي في النهاية قد ختموا ما يمكن تعلمه في شوارعنا وقد حفظوا كل أنواع السيارات المتاحة في الاسكندرية عن ظهر قلب ومراحل نمو القمر في سمائها واختلاف درجات الأزرق في بحرها.

ماذا عن Plan B؟ تحسبا لأية إحباطات متوقعة، أو عواقب حتمية فسأضع خطة بديلة، ستكون تماماً كجوائز الترضية في المسابقات الكبرى، لأنني وإن كنت أميل بطبيعتي إلى تبني عناد الأطفال وضرب الأرض بالأقدام "بدي سافر بدي سافر" فإنني سأحَكِم عقلي البالغ من العمر أكثر من ستة وثلاثين عاماً وسأسترجع أحلاماً صغيرة وكبيرة رأيتها تقتل أمام عيني وأتحلى بنظرة واقعية أو حتى ساخرة: "لأنو مين يعني محتاج شي إسمو بريك؟ وشو يعني لو كنت مرهقة فوق العقل والتصور؟ سنة اتنين عشرة ولا مليون ... شو يعني إزا قعدت 6 سنين ونص مو نايمة ليلة لحالي بعيد عن الأولاد؟ وشو يعني إزا عندي تعب نفسي وجسدي مزمن وشوية عقد وتعقيدات عم تتراكم سنة ورا سنة؟ هو ضروري الواحد يعني يبعد شوي مشان يرجع فريش؟ ما هي أساساً الأجازة رفاهية سواء أسبوعية أو شهرية أو سنوية وأنا مو طايلة ولا واحدة منها ويمكن حتى ما كون أساساً باستاهلها بعد كل هالشقى والتعب اللي ما يعلم بيه إلا ربنا؟ وعيب عليكي أساساً يا بنت في ناس مو ملاقية أكل وانت قاعدة عم تتوحمي صارلك مليون سنة على أجازة شخصية لحالك حتى لو ليلة يتيمة أومشتهية عطلة عائلية طويلة بمكان بعيد أو سفر وهروب وراحة وحكي فاضي... يعني بكلمة واحدة "اخرسي" بس بطريقة مهذبة طبعا أنا ما كتبت هالكلمة، هو اللي عم يقرأ تخيلها مكتوبة، لأنو الناس المتحضرين ما بيصير يحكوا هيك... ولما كنت أسمع واحدة عم تشكيلي وأنا باعرف ان حياتها مافيها ولا 5% من المرار اليومي تبعي كنت أخرس قبل ما قولها: لك تعي جربي 24 ساعة بدالي كنتي انتحرتي... فكيف لو جربتي أسبوع ولا شهر ولا سنة؟ هي بالنهاية كلها رص حروف وكلمات عادية ما حدا رح يفهم منها شي ولا رح يحس معي شعراية واحدة لأن شكل حياتي من برا قمة في الروعة بينما الدقائق والثواني في خبرة الأمومة كانت عم تخبي آلف آه و آه... طالعة من قلب نهشته الوحدة ... وبطل يشتهي مساعدة... ولا يشتهي كتف رفيقة أشكيلها وتفهمني... لك بطل حتى بدو يشتكي... قاعد يلف ويدور حوالين الموضوع لأنه عيب نحكي وعيب نشرح وعيب نقول لازم دايما نحافظ على الصورة المثالية من برا... صرت بس مشتهية فنجان قهوة ودردشة مع شي حدا... حتى هاد كتير... طب فنجان قهوة مع كتاب....طب شو رأيك تخرسي؟"
 لكنني لا زلت واقفة ولازلت أتقن تمثيلية الحياة بمهارة الزوجة والأم المثالية لذا سأتوقف عن الكلام خشية الانزلاق إلى التفاصيل وسأعود إلى صياغة خطة بديلة للمشروع العملاق أنه في حال فشله فسنذهب إلى المنتزه (حدائق قصر الملك فاروق في الاسكندرية) حيث سأطلق العنان لأشجاني وسأطلق أبنائي يطاردون كل هدهد تلمحه عيونهما الصغيرة، لأن عيونهما الرقيقة تلك ربما تكون في نهاية الأمر قادرة على الرؤية بشكل أوضح وأعمق من العمى الذي حل بي فاستبدلت تعداد بركاتي بدمدمة وتذمر يقودني إليهما جشعي وطمعي في السفر هذا الصيف، صيف 2016 بينما كل ما يطمح إليه هذان الصغيران هو "مشوار ع المنتزه بالأجازة نشوف الهدهد ونركض ونلعب ونعمل picnic ع السجادة بعدين نتغدى بالمطعم".



Sunday, May 25, 2014

دويلتي

في ليلة وضحاها أصبح الجميع في بلادنا اليوم خبراء سياسيين محنكين لا ينفكون يدلون بآرائهم الجازمة الحاسمة فيما يخص الوضع السياسي في البلد ولا يكتفون بذلك بل يناقشون الأوضاع السياسية في البلدان الساخنة والبلدان المجاورة بغض النظر عن ضحالة معرفتهم للحاضر أو انتفاء حكمة قراءتهم للوقائع أوانعدام مخزونهم التاريخي واللغوي حتى

فقررت أنا أن أعتزل السجال السياسي فيما يخص سوريا أو مصر أو أية دولة عربية أو أجنبية وأركز طاقتي وحياتي السياسية الرهامية الخاصة داخل أصغر دولة في العالم وهي الدولة الأحب إلى قلبي، دويلتي

تتكون دويلتي من عائلتي الصغيرة بمواطنيها الأربعة وهم زوجي وحضرتي وابني وابنتي. عائلتي هي دويلتي وينطبق عليها الكثير مما ينطبق على أي دولة حول العالم سواء كانت دولة حقيقية أو دويلة عائلية وذلك من منطلق تنظيمي بحت يوفر الجهد والطاقة فيما هو منتج ومثمر بدلا من الهدر الذي نراه من حولنا دون أية جدوى أو نتيجة فتركيزي هذا على دويلتي ليس من منطلق انعزالي ولا ضرب من ضروب النرجسية ولكنه مبني على مبدأ استثماري بحت فأنا أشبه برجل أعمال قرر المخاطرة ووضع كامل رأس ماله وثروته في مشروع يسميه البعض "زواجا" وآخرون يطلقون عليه لقب "خلفة العيال أو الإنجاب" لكنني أفضل أن أطلق على هذا المشروع المؤبد بالنسبة لي إسم "دويلتي مرفي" (الحروف الأربعة الأولى من أسمائنا)

الجغرافية:
تمتاز دويلتي بعدم الاستقرار الجغرافي إذ أنها تحتل مساحة متنقلة قابلة للتعبئة في بضعة علب كرتونية أشبه بخيم البدو الرحل في تاريخ الصحراء العربية حيث أن دويلتي تنتقل كل بضعة سنوات لتستقر في مكان أفضل بما يحمله واقع الترحال هذا من سلبيات وإيجابيات كان لدويلتي حق الاختيار الجزئي وليس الكلي فيه

التاريخ:
يعود تاريخ دويلتي إلى صيف عام 2004 بانطلاقة بطيئة متعثرة ومشروع تأسيس غلبت عليه المعوقات نظرا لطابع التدقيق والكمالية لدى المؤسسين الذين ينتميان لجنسيتين مختلفتين لم يكن توحيدهما تحت لواء واحد بالأمر السهل ولكن بناء أي أساس قوي يتطلب الكثير من الجهد والوقت لضمان متانة هذا الأساس فعليه سيقع ثقل باقي المبنى الذي لا يزال تحت الإنشاء وسيظل على هذا الحال مدى العمر فهناك دائما ما يمكن تعلهمه وإضافته وتعديله في أي دويلة بما فيها دويلتي

العلم:
يغلب على ألوان علم دويلتي الطابع السياسي والموروث الذي يحمله مؤسساها. ألوان العلم من أسفل إلى أعلى كالتالي:  اللون الأحمر يليه الأبيض ثم الأسود وفي الخط الأبيض نلاحظ نجمتين خضراوين يتوسطهما نسر ذهبي اللون ولكن دويلتي ترفع أعلاما مختلفة على اختلاف القضايا التي تحارب من أجلها والعلم المفضل في سماء دويلتي هو قوس القزح المضاعف

الاقتصاد:
تتمتع دويلتي بموارد طبيعية وخامات كامنة لدى كل فرد من مواطنيها حتى وإن كانت تلك الموارد غير مستغلة إلى أقصى حد في الوضع الراهن ولكن الآفاق كبيرة والأحلام أكبر من أن يتسع لها عقل بشر أو قلب مؤمن. أما فيما يخص السيولة المالية ووضع البنوك فإن دولتي قد حصلت على لقب "أفقر دويلة في القارة" مراتٍ عدة وهي تفتخر بهذا اللقب وتعتبره أشبه بنيشان شرف على صدرها إذ أن عبارات مثل "الغنى غنى الروح وليس المادة" و "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" تتعدى كونها جملا رنانة أو أيات من الإنجيل المقدس نحفظها عن ظهر قلب بل تتحول إلى واقع عملي تطبيقي في دويلتي يُعمل بها وفق خطة اقتصادية مدروسة وقرارات واضحة المعالم وليس إكراها أو تسليما لقضاء وقدر أو تطبيقا أعمى لفرائض دينية

المجتمع:
تعتبر دويلتي رائدة في مجال المساواة سواء مساواة الرجل بالمرأة والكبير بالصغير والقديم بالجديد فهي دويلة ملتزمة تسعى لتطبيق جميع الشرائع التي نصت عليها اتفاقيات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والعالم بل وتعمل على إضافة المزيد من تلك المبادئ حيث تدلي دولتي بدلوها فيما يخص شتى قضايا المجتمع من معتقدات وممارسات تتحدى ما هو بالٍ وقديم وتطرح كل ما هو بناء وجديد في مجتمع شرق أوسطي شمال أفريقي لا يخلو من تعقيدات وقيود غاية في الصعوبة مما يجعل إحقاق التوازن صعبا ما بين احترام الموروث من جهة وتحدي المسلمات من جهة أخرى مع اقتراح بدائل مناسبة في كافة دوائر المجتمع بما فيها الصداقات والعلاقات الكنيسة والروابط الأسرية الموسعة

السياسة:
تتداخل المناصب السياسية في دويلتي إذ يتناوب الأعضاء على لعب أدوار مختلفة في الحياة السياسية الداخلية والخارجية كما تتطلب الحاجة نظرا لتعدد مهارات وخبرات وكفاءات كل واحد منهم وذلك فيما يتفق مع نافذة الوقت المتاحة لكل مواطن في دويلتي وبما أن مواطني دويلتي يتمتعون بحس مبادرة عالٍ جدا ترى كلاً منهم يهب لتولي منصب ما متبرعاً بوقته المتاح ليمسك بزمام الأمور إلى حين توافر البديل فيمضي إلى الانشغال بمسؤوليات أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها غير عابئ بتسميات مثل: رئيس الدولة، رئيس الوزراء، وزير الداخلية، عامل النظافة... الخ

العمل الخيري:
تؤمن دولتي بأن العمل الخيري لا يقل أهمية عن العمل السياسي و الاقتصادي أوأي عمل ذو إسم جذاب. فالعمل الخيري ليس بالضرورة كثرة التبرعات أو الشعارات. عندما تشارك دويلتي في احتياجات فرد أخر أو أسرة آخرى حتى وإن كانت المشاركة متواضعة يحدها مبدأ "العين بصيرة والإيد قصيرة" فإن دويلتي تأمل بأن تحذو حذوها كافة دويلات العالم القابعة فوق حزام الفقر فتعمل تلك الدويلات بخطى ثابتة وإن كانت بطيئة كي تحول عالمنا الكبير إلى مكان أفضل للعيش البشري

الدستور:
لدى دويلتي دستور خاص لا يتقيد بالدساتير المعمول بها في أية دولة أخرى وإن كانت هناك تقاطعات ما بين كافة الدساتير إلا أن دويلتي مصابة بإدمان التميز وتتجلى صور ذلك الإدمان في الدستور الذي يحكم علاقة المواطنين بعضهم ببعض ومسؤوليات كل واحد منهم وقواعد الأداب العامة ومبادئ التفاعل مع مواطني الدويلات الأخرى وإلى ما هنالك من مجالات أخرى كالإعتقادات والممارسات الدينية، العادات والتقاليد الاجتماعية، وكل ما يخص الحياة الأسرية من قريب أو من بعيد مع العلم بأن الصفة الأساسية في دستور دويلتي هي المرونة والتحديث المستمر وفق مبدأ تكنلوجي يسمى upgrade فيما يناسب تطورات العصر واحتياجات الواقع المستجد

تفتح دويلتي حدودها مرحبة بكل الراغبين في زيارتها دون الحاجة إلى جوازات سفر أو إذن عبور أو تأشيرة دخول فهذه الشفافية هي التي تسمح لدويلتي بالتطور والنمو والازدهار والتعلم المستمر على طول رحلة النضوج التي ليس فيها محطة وصول

أهلا بكم في دويلتي "مرفي"... رافقتنا السلامة


جميع الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات

Thursday, May 9, 2013

in love with technology

i need to put the kids to bed and there's a big chance i might fall asleep too, so i thought of checking on my husband one more time in case i couldn't stay up and wait for his plane to land... and i came across something VERY interesting...

check it out...

undefined
Flight:BA1508
Status:In air at an altitude of 36000 feet with a ground
 speed of 460 knots
Equipment:

















how cute is it? i've seen it before but when i was ON the plane not ONLINE knowing that my soul mate is in THAT plane! thank you satellites thank you technology for being a good friend to me at this very moment, two hours before landing, my husband is still in the air, he's been flying for 9 hours crossing the Atlantic Ocean but not in a straight line as i had imagined, it seems he flew over parts of Canada too then down over part of the USA and will arrive at LAX in two hours, or less because the new expected landing time is 20 minutes earlier...

Wednesday, May 8, 2013

two become one



AirlineFlightTerminalGateOriginArrivesRemarkStatusAlert
British AirwaysBA15084London5:15 PM May 08Scheduled


this is what happens when two people get married, or what's supposed to happen, they become one, and i was expecting it to be a total and complete shift from "two" to "one" when my husband and i got married, but it didn't seem to work out for me in many ways, sometimes the idea made me miss my independent self, the me that thinks only about me, no matter how selfish this might sound

then after having two kids this union seemed even harder when expectations and role assignments in parenthood "separated" us into "two" again and sometimes each one of us felt cut into more than two... you do the math

but today i felt that we're one again, in the most unexpected way ever

14:00
BA1508
LOS ANGELES
SCHEDULED
     3



my husband left on a trip to the US, it's his first time visiting the USA and as we were preparing for his trip i was very excited that he'll see such a different and new country. i've been to the States three times and i found that parts of it are a copy/paste version of the movies we see but other parts are much more interesting and exciting than the media can ever express

after he left i expected myself to get depressed as i do when he's out of town attending a conference or leading a church activity, but this time i didn't feel depressed (not yet at least) because i felt as if it was me going, i was as happy for him as i would be for myself specially that he's going to CA and i've only been to a couple of states on the East Cost, so i couldn't tell him what to expect but i am sure that this trip will be extremely interesting and enjoyable for him

i'm praying for his safe arrival as i checked that his plane departed, so in a few hours i'll check LHR website to check on his connection flight and make sure his plane landed safely in London on its way to Los Angeles

remember the new laptop we purchased recently? it's with him, and last night i made sure he had our family photos, the most recent Easter ones as a screen saver, one for the start up screen and one for the desktop background ;)

by the way, he's taking with him this cute device that a group of nice thoughtful young people gave him as a gift, a remote control for power point presentations, he took it with him and i'm also excited that he has the technology devices he needs for the lectures, sermons, and presentations he'll give there, the main reason for his visit. i'm also glad that this technology will help him keep in touch with us during his three-week trip