Showing posts with label لغة الضاد. Show all posts
Showing posts with label لغة الضاد. Show all posts

Sunday, November 25, 2018

الكرسي الخالي


في قلبها كرسيٌّ خالٍ، متناهٍ في الصِغَر، كلّما أغمضَت عينيها وأنصَتَت جيّدًا سمِعَت صوت أنفاس الرضيع النائم في هذا الكرسي.
طالَ انتظارُها له، وعلا بحرُ الدّمعِ الذي يملأ مهدًا صغيرًا لم تشترِه بعد، وكثُرَت المحاولات ومعها كثُرَت مُناجاتُها لطفلٍها: «آه لو تعلم يا حبيبي كم أحتمل وأصبر كلما لمحتُ أُمّا وكلما حملتُ طفلا وكلما دخلت عيادة الطبيب وكلما استلقيت على ظهري لأسابيع طِوال منتظرة نتيجة آخر محاولة طِبية وطريقة زرع مجهرية.
«قل لي يا صغيري، هل أنت قادم؟ إعفِني من عذاب الانتظار، قد يكون اليأس أكثرَ رأفة بي من أملٍ كاذب.»
***
في بيته كرسيٌّ خالٍ، يجلس عليه كلما ضاقت به الدنيا واحتاج أن يشتمّ رائحة الحكمة التي لا تزال تنبعث من خشبٍ عتيقٍ باقٍ حتى بعد رحيل صاحبه. «هل أنا أنانيٌّ يا أبي؟ هل اشتقتُ إليك بصدقٍ أم أنني فقط أفتقد ما كنتُ أحصل عليه من وجودك؟
«يدّعي البعض أن الموتى يسمعوننا إذا خاطبناهم، لكنني أحتاج أن أسمعك أنت، أن أسألك وأستشيرك، أن أعرف رأيك وأختلف معك. لماذا رحلت وتركتني بلا سند؟ الآن عرفتُ ثِقل الحمل الذي كان على أكتافك. اصبحتُ أنا الآن ’كبير الأسرة’ وهم لا يعلمون أني في أعماقي مكسور الظهر، جريح الجناح.»
***
على سُفرتها كرسيٌّ خالٍ، تعتصر مَعِدَتها ألمًا لرؤيته. لا يجد الطعام مكانًا في أحشائها لأنها جائعة طوال الوقت، جائعة لأن تقبّل وجنتيه للمرة الأخيرة، وتهمس في أذنه: «أنا أحبك، وسأظل أحبك حتى آخر نفَسٍ في عمري... عمري الذي لو كان بيدي لأعطيتك إياه ورحلتُ أنا عوضًا عنك.
«أنا آسفة يا ولدي، سامحني لأني ككل الأمهات الثكالى، نادمة على كل مرة حرمتك فيها من أمر أو أجّلته لأن قراري كان لصالحك، يا ليتني كنتُ أعلم...
«سريرك خالٍ في بيتنا، لكنك تنام في قلبي كل ليلة، ومثلما اتحد نبضي بنبضك تسعة شهوروأنت في أحشائي، عاد نبضينا ليتّحدا تسعة دهور وأنت تسكن قلبي وعقلي وفكري وتعشش في كل خلية في كياني... لأني أمك... وسأبقى أمك إلى مدى الأزمان...»
***
في أحلامِها كرسيٌّ خالٍ، تَحِيكُ له كلّ عامٍ غطاءً جديدًا من حرير صفاتٍها، وترصّعه بلآلئ شخصيّتها. تفرش الغطاء على الكرسيّ يوم عيد ميلادها وتتأمله بعدساتٍ من الدموع المنهمرة مع كل "عقبالِك" و "شدّي حيلك" و "نفرح بيكي" سمِعَتها طوال عامٍ آخر مرّ من دونه. وتسأل نفسها: «كم عامًا قادمًا سيشهد عدم وصوله؟ هل يفكر هو فيّ ويستعد للقائي كما أفعل أنا؟ هل أتاني متخفيًا فلم أعرف أنه هو، بل ظننته مجرد "عريس" آخر أو شابٍ "طالِب القرب" وأنا التي رفضتُه وأغلقتً أبواب قلبي وشغّلتُ عقلي أكثر من اللازم؟
«هل حصلتُ أخيرا على ذلك الوشم الذي يراه الجميع على جبين كل من تتأخر في الزواج مع أنها "كاملة الأوصاف" فيغدو عيبها الوحيد أنها "مغرورة" وتتحول الكلمة إلى لافتة تحذير في شارع حياتها كُتب عليها "إحذر الإقتراب". حتى وإن نجَحتُ في نزعِها من على الرصيف، إلا أنني سأفشل حتمًا في نزعها من عقول كل من أقابله في العمل ودور العبادة وأثناء السفَر والتجمعات العائلية واللقاءات الودية.»
***
وسط لياليها كرسيٌّ خالٍ، لا تراه بوضوح إلا في الظلام، بعد انسدال الهدوء، فضجيج منزلِها نهارًا يصُمّ الآذان، وعجيج أفكارها يزيد من علوّ الموج الذي يلطم وجهها فتتعذر الرؤية. لكن الكرسيّ قابعٌ هناك كالسراب، كلما ظنّت أنها اقتربت منه تجده قد استدار وابتعد... تمامًا كما استدار الخاتم وأحاط بإصبعها يوم زفافها، وكما استدار بطنها وتكوّر يوم أصبحت أمًّا، وكما استدارت أيامها كالدوامات مبتلعة أحلامها لنفسها ولمستقبلها. تغتال كلََ كلمة محذوفة من قاموس الأمومة، وتشتكي على أية فكرة كي تعتقلها شرطة مكافحة الأحلام، وتنبذ أي هدف لا ينصبّ في صلب بئر التضحيات الأنثوية لأسرتها.
الـ"أنا" تحوّلَت إلى "نحن"، لا بل تحوّلَت إلى "هم" وفقط هم: «ما هو هدف حياتي غير زوجي وأبنائي وأهلي؟ إنها أسمى الأهداف وأرقى التطلّعات وتتمناها ملايين النساء حول العالم وها أنا متذمّرة.. شاكية.. باكية.. منعدمة الضمير.. قليلة الإمتنان.. ناكرة للجميل...»
***
داخل مرآتها كرسيٌّ خالٍ، لا بل كرسيان، يتمركز كل واحد في سواد بؤبؤ عينيها. لذا كَرِهَت المرايا وتجنّبتْ النظر لانعكاس صورتها أينما كانت. «ما الفائدة يا أمي إن كنتُ أُشبِهُك في ملامحي لكنني أعجز عن أن أشبهَكِ في حياتي؟ لماذا لم تتركي لي دليلا شاملا يشرح بالتفصيل كيف يمكنني أن أكون ولو رُبعَ ما كنتِ أنتِ عليه في حياتك وما يقوله الناس عنك حتى بعد رحيلك؟ أتعلمين يا "ماما"... أسمع هذه الكلمة كل يوم عشرات المرات، نعم لقد أصبحتُ أنا أُمًّا. ومنذ أن حدث هذا وأنا تائهة... أهيم على وجهي في غابة الأمومة، أتخبط في قراراتي وفي تقصيري وعجزي.
«أحتاجك أكثر من أي وقت مضى. فقدتُكِ ... وبفُقدانِكِ فقدتُ بوصِلَتي وملاذي... فقدتُ ذلك الشخصَ الوحيدَ الذي كان سيفتخرُ بي، وسيخاف عليّ، وسينصحني بحنان، ويعاتبني بحب... فقدتُ كل ما هو "غير مشروط" وغدتُ "يتيمة" بكل مافي الكلمة من معنى وألم.»
***
في العيد... كرسي خالٍ... يتمركز حولَه عيدُنا... فإما أن نجتر أحزاننا ونبقى عالقين في حلقة مفرغة لا أمل بالخروج منها طالما أبقينا ذلك الكرسي في المركز... أو أن نتجرأ ونفرح بعد رحيل الغوالي فيباغتنا الذنب كالإرهابي مرتديًا حزامًا ناسفًا لأي فرحة وماسحًا لأي ابتسامة...يعتلي الكرسي الذي في المركز ويشد الزناد ويفجّرنا...

ما أكثرها...
تلك الكراسي الخالية في بلادنا، وفي بيوتنا، وفي حياتنا...
وما أصعبها...
رحلة التعافي والشفاء والتدرب والتعلم والتعثر، كي نصل إلى عيدٍ ما، في سنةٍ ما، يومًا ما ونقرر أن ننزع الكرسي الخالي من المركز وندمجه في خط الدائرة ليأخد مكانه ومكانته في حياتنا لكن دون أن تتمحور بمجملها من حولِه...

يومئذٍ سنسمح لأنفسنا أن نعيّد من جديد، أن نذوق طعم الفرح الذي نسيناه ونسِيَنا، أن تحفر الإبتسامة طريقا جديدا تشقّه بجهد على وجوهنا... رغم الكرسي الخالي...

Wednesday, July 11, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: الكهف

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الكهف/

تحية إمتنان وشكر لكل الغواصين وعُمّال الإغاثة اللي يومًا ما انتشلونا من الكهف...
كام مرة لقينا حالنا ضايعين جوا كهف... ومنسوب الدموع عم يعلى ويعلى حتى اتحبسنا وما عدنا عارفين نطالع حالنا...
هونيك... جوا... جوا... بالعتم والرطوبة والسكون المشبوه، لما أبسط صوت بيتحول لضجيج مرعب...
هونيك... جوا... جوا... فقدت الاتصال مع الناس وبعِدت لدرجة بطّل فيني أبعت حتى كلمة أو إشارة أو نداء استغاثة ...
هونيك صليت وقلت: يارب... يارب حدا يحس بغيابي ويجي ورايي يدور عليي ويلاقي حذائي ودراجتي ع باب الكهف...

أكيد في ناس كتير مرّوا من جنب باب الكهف... طب ليش ما سألوا عليي؟

يمكن لأنهم فكروني مو محتاجة مساعدة، لأني دخلت بإرادتي، بمزاجي، وكامل قوايي العقلية... والنفسية...

يمكن فكروني أنا مقررة كون لحالي، عم يحترموا خصوصيتي، والوقت الإنفرادي تبعي... وبكل حسن نية، حاشاهم يكونوا متل الكاهن أو اللاوي ولا حتى السامري الصالح، قرروا يكونوا موضوعيين وواقعيين وما بدهم يزعجوني بحشريتهم أو تدخلهم، لهيك تاركينني على رواق...

يمكن فكروا الموضوع مو مستاهل، هي مغارة صغيرة مو كهف، وأنا لسا طفلة، لسا مراهقة، لسا طالبة جامعة، لسا متخرجة جديد... لسّا ولسّا ولسّا... ما شفت شي من الدنيا حتى كون عالقة بكهف ومحتاجة مساعدة... بكّير على هيك هموم... هدول الناس أنضج مني وأكبر مني وشايفين وضعي طبيعي وبسيط، بالعكس، شايفينه ضروري مشان أتعلم دروس رح تفيدني بالمستقبل لما ساعتها بقا يجد الجد... مو هلأ... قايسين كهفي على مقاييسهم وطلع في الموازين إلى فوق... قاسيين عليي بموقفهم وبإنسحابهم ومستخفّين باللي أنا فيه...

يمكن ما فكّروا من أساسه... هني مرّوا مطاطيين راسهم وشافوا حذائي مو لأنهم عم يدوروا على شي ع الأرض، هني كتافهم محنية من كتر الهموم... مرّوا مشغولين بحياتهم ومشاكلهم ودنيتهم... مو ناقصين هَمّ زيادة...

بس في ناس وقفوا... بكل "فصل" من فصول حياتي كان في ناس بتوقف... وبتسأل: هاد حذاء مين؟ أو بتعرف ان هاد حذاء رهام، هل هي بخير يا ترى؟
في ناس خلعت حذاءها احترامًا لقدسية الأرض جوا كهفي... وفاتت ورايي تدور عليي وتنادي إسمي...
في ناس حسوا إني طوّلت بغيابي هالمرة وبعتوا ورايي حدا بيعرف المنطقة، حدا مختص، حدا متمرّن، حدا متواضح رح يوطي راسه عند باب الكهف ويدخل من الطريق الأضيَق والأكرَب...

هدول الناس... في منهم اللي كمّل بحياته وما عدنا كتير على اتصال بس لساتني حاملة البصمة اللي تركها بمرحلة كتير حساسة وحرجة من حياتي أنا، حساسية المرحلة ضاعفت من الاحتياج بهداك الوقت وبالتالي ضاعفت من المفعول الإيجابي ومن عمق بصمته وجمالها... وفي منهم اللي لسا محتاجته بهاد الـ"فصل" الحالي بحياتي، وقد ما كابَرت ورفضت وادّعيت اني مو محتاجته، باسمع صوت صدى أفكاري عم يتردد على حيطان الكهف ويطلب المعونة...

يا ترى شو كهفِك اللي انت علقانه فيه حاليًا؟ هاد هو السؤال. صارلِك كام يوم عم تتفرجي على الأطفال ومدرّبهم بتايلاند وعم تتابعي أخبارهم انت وعم تقولي لحالك: أنا كمان محتاجة حدا يساعدني، يمكن مو لدرجة انه يضحّي بحياته ويموت متل واحد من الغواصين اللي زميله سحبه غايب عن الوعي بآخر رحلة الـ 6 ساعات وهني عم يوصّلوا أوكسيجين للأطفال، وللأسف ما استعاد وعيه وما صحي... بس على الأقل أنا محتاجة غواص يحاول، محتاجه يبعتلي تطمين: أنا شايفِك، أنا مهتم لأمرِك، أنا رح حاول ساعدِك، انتِ مانِك لحالِك، انتِ مهمة وبتستاهلي وقتي واهتمامي وتواجدي معِك... يمكن تكوني محتاجة فريق ويمكن محتاجة صديق، انتِ اللي فيكي تحددي موقعك بالكهف وتستنجدي بفريق إغاثة كامل ومُجهّز أو تتصلي بصديقة تفضفضيلها وتطبطب عليكي...

يمكن يكون السؤال بالنسبة إلك مختلف شوي، ما عم تسألي حالك: "شو كهفي؟"، عم تسألي حالك: "شو دوري؟" يمكن شفتي حذاء، يمكن سمعتي نداء، يمكن إحساسِك من جوا عم يأشّرلِك على حدا معين ويقولِك: فلانة مو على بعضها، يمكن محتاجة مساعدة، يمكن محتاجتِك انتِ تحديدا. حتى لو مانِك حاسة حالِك عندِك هالشي العظيم اللي ممكن تقدميلها اياه، بس اللي أكيد عندِك هو قلب يحب وأدن تسمع وإيد تلمس، هدول كنز لو انحطوا مع بعض بيعملوا مثلث برمودا فيها رفيقتك ترمي جواته همومها فتختفي وتتلاشى... ولو لقيتي ان رفيقتك همومها أكبر من هاد المثلث اللي عندك، فانت عندك شي رابع هي محتاجته، عندك كتف قوي تقدري تحطيه جنب كتفها، ومشاكلها اللي أتقل من انها هي تشيلها لوحدها صرتوا متشاركين بشيلتها... ونياله كل مين عنده كتف جنب كتفه يشيل معه مسافة، طالت أو قصرت، على طول هالدرب...



بدون تعليق: أول مرة باكتب مقال بسلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة" مو بالفصحى، ما فيني قول اني اخترت العامية (السوري) بقرار واعي، الحقيقة ان هي اللي اختارتني وهيك كان المقال مكتوب براسي وهيك طلع، طبعا كان فيني "ترجمه" بس خليته متل ما هو.

وأول مرة بحط صورة مو أنا اللي مصورتها، لهيك مافي عليها توقيعي لأنها لا تصويري ولا رسمي أنا. هي فنانة (مو أكيد، يمكن تطلع صبي) رسمت عمليات الإغاثة في لوحة رائعة فيها مجموعة حيوانات كل واحد منهم رمز لشخص أو مجموعة أشخاص، والرجل الحديدي هو الملياردير إيلون مَسك.
فرق الإغاثة بحسب جنسياتهم كانوا كالآتي: الأسد فريق الإغاثة البريطاني، الكنجر هو الأسترالي، الباندا هو الصيني، النسر هو الأميركي... الخ / الضفادع رمز كل الغواصين / التنين رمز للمهندسين وعمال الحفريات ومضخات تفريغ المياه / الطيور رمز الميديا...

Sunday, January 14, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: المكنسة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/المكنسَة/

اكتشفتُ بالصدفة البحتة أن حلول عام 2018 يعني مرور 45 سنة على رائعة فيروز "إيماني ساطع" أغنية أشبه بالترتيلة حيث تقول كلمات الأخوين الرحباني:


مهما اتأخر جايي / ما بيضيع اللي جايي / ع غفلة بيوصل من قلب الضو / من خلف الغيم / ما حدا بيعرف هاللي جايي / كيف يبقى جايي

تطالعك الأسطر الأولى من هذه الأغنية بمصاحبة لحن أشبه بتفتح وردة مع شروق الشمس، تتمطى ساقُها مُرحبة بأشعة طال انتظارُها خلال الليل وتتوالى رقصات البتلات وهي تفرد جسمها على غير استحياء مع كل نوتة موسيقية بعذوبة ندى الصباح. وفجأة...

إيماني ساطع يا بحر الليل / إيماني الشمس المدى والليل / ما بيتكسر إيماني / ولا بيتعب إيماني / إنت اللي ما بتنساني

مالذي حصل؟ مع أن نغمات البيانو لا تزال تلوّن الخلفية برِقّة إلا أن اللحن بحد ذاته قد تحول إلى مارش عسكري مبطّن، فأراني أغني كالجندية بوقفتها المنتصبة وقد ارتديت زيّا حربيّا، ينعكس بريق الشمس في لمعان قبعتي، أرفع يدي كمن يؤدي القسم الكانونيّ (نسبة للتسمية السريانية لشهر كانون الثاني – يناير) على خشبة المسرح مع بداية عام جديد أتلو فيه نوعاً من أنواع الـ  statement of faith ليس عن حفظ وتكرار فارغ بل عن اختبار مُعاش في السنين الطويلة التي مضت... والرب معتني بي، وكل يوم محمولة... ع الأذرع الأبدية.

أنا إيماني الفرح الوسيع / من خلف العواصف جايي ربيع / إزا كِبرِت أحزاني / نسيني العمر التاني / انت اللي ما بتنساني

"كزّابة" ... تصرخ إحدى الحاضرات واقفة بين صفوف المتفرجين وتتقدم بخطاها نحوي كما فعل ذلك الشاب في الدقيقة 1:08 من كانتاتا الميلاد بالكنيسة الإنجيلية الثانية بأسيوط مقاطعاً القراءة الكتابية. فأسألها مقتبسة كلمات الدكتور ماجد عزمي: "مالِك، في إيه؟"
وتجيب المشاغِبة: "مافي شي، بس عم قلِك انك انتِ واحدة كزابة! عن أي إيمان عم تحكي وتغني؟"

تداعبني فكرة الإنهاء السريع للموقف وإجهاض هذا العرض المسرحي الساخر. بإشارة مني سيتم إطفاء الأنوار وإسدال الستار لأَخرج متنكرة في زي عامل نظافة أحمل مكنستي مخاطبة القراء: "شو مستنيين؟ خلّصنا خلاص، كل واحد يشوف شغله، بدنا نشطف (عايزين نرش مية)" فأفُضّ التجمهر وأنفُضُ الإحراج... بمكنستي.

لكن الحقيقة أن أُختَنا المشاغبة تلك على حق. فكلمات الأغنية الفيروزية رغم لين موسيقاها إلا أنها تمتلك أكثر من نصل حاد يقطع الشك باليقين، يقين أن إيماني في الحقيقة متكسّر ومتعَب، لا بل متهشّم ومتهالِك. تلك هي حالة "إيماني"، الآن وهنا، ليس إيماني على امتدات السنين وإنما إيماني تحديدا في هذه الحقبة من حياتي. في حقبة من الانتظارات الجديدة كما كتبتُ عنها في مقال "الإنتظار" وكما تكلم عنها عنوان وفحوى الكانتاتا يوم الأحد الماضي.

كيف أجرؤ إذا على ترداد هذه الترتيلة، ذاكرةً كلماتٍ كالفرح والسعة والربيع بينما يغُصّ قلبي بالدموع وتختنق كلماتي طلباً للأوكسيجين على رؤوس أصابعي المتجمدة؟

"أؤمن وأعترف"، كان هذا عنوان الصلاة التي كنا نتلوها في مدرستي "راهبات المعونة الخاصة للبنات" بدمشق قبل  التقدم لممارسة سر المناولة (فريضة العشاء الرباني) وها أنا أستخدم العنوان ذاته لكن لتلاوة صلاة هي صلاتي غير "الكاذبة" مع مطلع عام جديد، صلاة المكنسة، فمع كل إقرار إيمان هناك كَنْسةُ اعترافٍ أصرِفُ بها كلَّ ما يقف حائلاً دون تحوّلِ إقراراتي النظرية تلك إلى واقعٍ يوميٍ مُعاش.

-         أؤمن وأعترف -
أؤمن يارب بأنك الله الخالق، وأنك قد خلقتني على صورتك ومثالك..
وأعترف بأنني خلقتك على مقاسي وحشرتك داخل محدوديتي..
أؤمن بأنك صالح وأن أفكارك نحوي أفكار خير..
وأعترف بأنني لازلت أرفع قبضتي الغاضبة إلى السماء عالياً وأعترض على صلاحك لأني عاجزة عن فهمه..
أؤمن بأن مستقبلي مضمون فيك..
وأعترف بأنني غارقةٌ حتى أذنيّ ببحرٍ من الشكك والتساؤلات والتمرد والتهكمات..
أؤمن بأن أشواق قلبي مُحققة في شخصك..
وأعترف بأنني أشتهي ما هو ليس لي، وليس لخيري، وليس بحسب قصدك لحياتي..
أؤمن بأنك روح وبأنني بالروح و الحق ينبغي أن أسجدَ لك..
وأعترف بأنني أريدك جسداً كي أضع إصبعي في أثر المسامير وأسنِد رأسي على صدرك وأبتدعَ سبعَ حواسٍ جديدة كي أمتلك دزينة منها فبدل أن أتمتعَ بك، أستخدمك لإشباع رغباتي واحتياجاتي الخاصة بطريقتي أنا بعيدا عن طبيعتك وكينونتك أنت..
أؤمن بأنك مصدر كل حكمة وفهم..
وأعترف بأن خلايا دماغي التي سبكَتْها يداك قد وصل بها الجبروت لأن تدّعي تفوُقَها عليك ..
أؤمن بأنك كُليّ الوجود..
وأعترف بأنني وحيدة، وأنك قد نسيتني، فلا أشعر بقُربِك، ولا أُدرك بأنك تلفّني بحضورك حولي وفي داخلي ومن خلالي..

...تتكاثف تدريجياً غمامة الغبار الناتج عن عملية الكنس يرافقها هيستيريا من الدموع والسعال فأٌقرر التوقف عند هذا الحد. أسند ذراع مكنستي على الحائط وأجلس القرفصاء بجوارها متخذة قسطاً من الراحة... ولكن إلى حين...


بدون تعليق: ولازلت في 2018 أستمتع بالأعمال المنزلية كالكنس والطبخ والتنظيف مع كرهي الأزلي الأبدي لأمرين أمقتهما وبشدة: الأول أن هذه المهام by default مفروضة عليّ ومتوَقَعة مني لمجرّد أن الله خلقني أنثى!!! مين اللي قال؟ والثاني أنها مهام تدور في دائرة مفرغة عقيمة تستنزف لا طاقتي ووقتي فقط بل عمري كله... البيت لما بانضفه بيتوسخ، والغسيل لما باخلصه بينلبس، والأكل لما باعمله بيتاكل... طب وبعدين؟ أما من مُنقِذ؟

Tuesday, January 2, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: التجسّد

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/التجسُّد/

ماما: "ما ينفعش يا رهام تكتبي "تجسّد خوفي" في المقالة، لأن المسيح وحده اللي اتجسد."
أنا: "ده صحيح ان الله المتجسد كان في شخص المسيح بس، لكن فعل التجسّد بينطبق على أشخاص ومشاعر وحالات... الخ"
ماما: "لأ، احنا في إيماننا المسيحي بنؤمن ان التجسّد كان ليسوع بس، وما ينفعش يتقال على أي حاجة أو حد تاني انه اتجسد. قولي "ظهر خوفي"، مثلا."
أنا: "باختلف مع حضرتك لأن اللغة العربية كانت موجودة قبل المسيحية، والفعل نفسه نقدر نستخدمه لغوياّ، لكن لو كلامنا لاهوتي بخصوص التجسد الإلهي فهو كان حصري من خلال يسوع المسيح."

كان هذا جزءا من نقاش طويل دار بيني وبين ماما في مكالمة هاتفية، لم تكن أمي البيولوجية، وإنما هي ماما لمئات، بل وأجرؤ على القول آلاف، الشابات والسيدات خلال سنوات خدمتها الطوال كزوجة قسيس مباركة أكنّ لها فائق المحبة والاحترام، حتى وإن كنت أختلف معها في وجهة النظر اللغوية-اللاهوتية فيما يخص استخدامي لكلمة "تجسّد" وتوظيفي لها في إحدى مقالاتي منذ أعوام.

مع مطلع عام 2018 اخترتُ لنفسي شعاراً أتبناه خلال السنة الجديدة وهو مبنيّ على مقولة استوقفَتني منذ مدة ورافقتني لأشهُر طِوال مع مقولات أخرى، إلا أن هذه الحكمة على وجه التحديد أبَتْ إلا أن تعاوِدَني مِرارا وتكرارا في مواقف عدة كنت خلالها بأمس الحاجة إليها:

“Be who you needed when you were younger.”
"كُن الشخصَ الذي احتجتَ إليهِ وأنت أصغرُ سِنّاً."

لازلتُ أذكر عندما قرأت هذه الجملة للمرة الأولى كم من الوقت استغرقتُ في محاولة استيعابها والغوص في معانيها. فقد كانت بالنسبة لي بمثابة السدّ الذي انفتح فأفرج عن مياهٍ متدفقة لم أكن أعي وجودها مُخزّنةً خلفَه. وبدأَتْ تتلاحق الصور في ذهني مع محاولاتي لِلّحاقِ بكثافتها وسرعة جريانها، فما كان بي إلا أن سارعتُ في تصنيفها وترتيبها وفقاً لجدولٍ يحفظ التسلسل الزمني لظهور تلك الأحداث والشخصيات والمواقف في حياتي في الماضي القريب والبعيد.

من ضمن تلك الشخصيات التي استرجَعَها ذهني خانةٌ كاملةٌ مَعنيّةٌ بتسميةِ ودورِ وقالَبِ "زوجة القسيس"، حيث عاد بي الزمن إلى سنوات مدارس الأحد وزوجة الراعي في كنيستي بدمشق آنذاك وكيف كنت أراها وما الذي كنت أراقبُه فيها وأتوقعُه منها وأنا أرفع رأسي لأنظر إليها بقامتي الصغيرة.
مرحلة المراهقة خرجَتْ من الحسبان لأنني كنت خلالها مشغولة بمراقبة إبنة القسيس أكثر من زوجته، وكانت هي تكبرني بعام واحد فقط، لكن في المرحلة الجامعية تبلورَتْ أكثر صورة ُزوجة القسيس في ذهني حيث كنا، ولا زلنا، في سينودس سوريا ولبنان نخاطب زوجة القسيس بلقب "قسيسة" إدراكاً واعترافاً مِنّا بثِقَلِ المسؤولية المُلقاة على عاتِقِها داخل الخدمة وخارجها على حد سواء.
تزامن حصولي على شهادة الدراسة الثانوية عام 1996 وبدء دراستي الجامعية مع عدة أسفار لبلاد ومدن مختلفة تعرفتُ فيها على زوجات قسوسٍ من شتّى الطوائف والجنسيات ابتداء من بيروت، وديترويت، وأتلانتا، وإدنبرة، وجلاسكو، وأوهايو، ولندن، ونيويورك، حيث وإن تنوّعَتْ أسباب السفر وظروفه إلا أن ما كان يوحّدُها كلّها في هذه المدن الثماني هو حضور الكنيسة صباح أيام الآحاد. حيث كنت أختبر غِنى الاختلاف في أشكال العبادة والترنيم والصلاة في كنائس عِدّة، وأتعرف إلى رعاتها وزوجاتهم لتقتصر المعرفة على سلام وكلام بُعَيدَ الاجتماع أو تمتدّ تلك المعرفة إلى وجبة غداءٍ أو قضاء يوم بصحبة أسرة الراعي المهتمة بالتعرف بفتاة مسيحية إنجيلية سوريّة تُمثل بالنسبة إليهم نافذةً لحياة فتياتِ الشرق الأوسط في زمنِ ما قبل الانترنت والعولمة.

Fast forward 10 years
وتمر سنواتٌ عشر لم أكن أعلم خلالها أني سأخضعُ أنا نفسي لذلك الميكروسكوب الإنترناشنال الذي صنعَتْهُ يداي وكنتُ به أراقب كل أولئك "القسيسات" اللاتي خضعن لفحصٍ وتمحيصٍ وتدقيقٍ لا يخلو من إجحافِ وقسوةِ عينِيَ الساعيةَ إلى الكمال. ومع انقضاء سنة تلو الأخرى باتَ لسانُ حالي أشبهَ بالترنيمةِ الميلادية التي أعشقها:
“Mary Did You Know”
حيث قمتُ بالتعديل اللازم:
“Riham Did You Know?”
واستعنتُ بالترجمة العربية البديعة: "هل كُنتِ تعلمين؟"

هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستتزوجين من طالبٍ بكلية اللاهوت سيُرتَسَمُ قِسيساً قُبَيلَ عيدِ زواجكُما الثاني بقليل؟
هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستختبرين أصنافاً وأشكالاً وأنواعاً من الغُربة لم تقرأي عنها في رواياتك وكتبك المُحبّبة ولا شاهدْتِها في الأفلام الرومنسية أو أفلام الخيال العلمي؟
هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستقومين بتربية "ابن قسيس" و "ابنة قسيس" مع كل التحديات التي يحملُها ذلك اللقب بين طيّاته؟
هل كُنتِ تعلمين أن صديقاتِ ابنك وابنتك سيغمُرنَكِ بكل المحبة الطفولية الأنثوية التي يمكنُكِ أن تتخيّليها أو تتمنّيها أو تصدّقيها أو حتى تحتمليها؟
هل كُنتِ تعلمين أن شاباتٍ من كنيستك ومن كنائسَ أُخرى سيلجأنَ إليكِ طلباً للمشورة والحكمة لأنهنّ يرَيْنَ فيكِ سيدةً وصديقةً وأختاً كبرى تتمتّعُ بالنّضوجِ والكِتمان الذي يحتَجْنَ إليهِ ليُفضيْنَ إليكِ بأسرارهِنّ فتصطَكّ عظامُكِ خوفاً ورهبةً من عَظَمة المسؤولية؟
هل كُنتِ تعلمين أنه من أحشائكِ سيخرجُ مسيحٌ مُخلّصٌ مادّاً ذراعيهِ ليحتضِنَ صديقةً تئِنّ، ذارفاً دموعَهُ هو من مآقيكِ أنتِ، فتراها هي وتتعزى؟
هل كُنتِ تعلمين أن صديقة أخرى لن تجد أحداً يشاركُها فرحتَها دونَ غيرةٍ أو حسد أو ضغينة سواكِ، فتستبقُ مشاركة الخبر السار بأن تزفّهُ لكِ أنتِ أولاً فيتقافزَ قلبُكِ سعادةً في ضلوعِكِ بكُلّ عفوية وكأنّ الخبرَ يعنيكِ أنتِ؟
هل كُنتِ تعلمين أنك ستُجسّدينَ كلّ هذه الأدوار وغيرها من المسؤوليات والشخصيات التي يحتاجُها من حَولُكِ ليس كاحتياجهم للرفاهيات، وإنما لأنكِ أنتِ، بدرجة أو بأخرى، "فارقة" كل الفرق في حياتهم؟

هل تعلمين؟
سؤالي الأخير هذا موجّهٌ إليكِ عزيزتي القارئة، وإليك عزيزي القارئ. فأنت أدرى الناس بظروفك ومحيطك وحياتك السرية والعلنية.

مع اقتراب احتفالنا بمولد المخلص يوم 7 يناير/كانون الثاني بحسب التقويم القبطي، وخلال هذه الأيام من فصل المجيء أو ما يسمى بالـ Advent  أو The Advent Season  تُلِحُّ عليّ هذه الأسئلة والتساؤلات، فأبحثُ لها عن أجوبة في تأملاتي وقراءاتي وصلواتي. لن أدّعي أني توصّلتُ إلى إجاباتٍ شافية وافية، ففي أغلبِ الأحيان قد لا تكونُ الإجاباتُ هي المهمة، بل الأهم منها هي الأسئلة. حتى وإن لم نجد الجواب الصحيح، علينا أن نبحث عن السؤال الصحيح.

ما هو فعل "التجسّد"؟ وما الذي يعنيه لي أنا شخصياً أن يتغيرَ معنى هذا الفِعلُ من جذورِهِ لمُجرّد أن يرتضِيَهُ الله على نفسه، لأجلي أنا. وكيف يُمكنُني أنا أيضاً أن أكونَ مريم العذراء؟ ليس من باب التضامن والتفهّم "كُلُّنا مريمُ العذراء"، الأمرُ الذي عَهِدناهُ مؤخراً على شبكات التواصل الاجتماعي. بل أن نكون "كلُّنا مريمَ العذراء" بشكلٍ فردي. أن تكون أحشاؤنا من العُذريّة بمكان لأن يتجسّد منها الله ويولدَ في حياة مَن حولنا ليخلصهم من وحدتِهم وحيرَتِهم وتخبُّطهم. أن نعود إلى مقاعد مدارس الأحد الخشبيّة ونصلّي صلاة الأطفال في كل ميلاد: "تعال يا يسوع لتولَدَ في قلبي." ومن ثمّ نقفَ وقفة الكبار ونَعِي أعماق هذه الحقيقة وعَظَمة المسؤولية ورهبة التكليف والتشريف، كيما بعدها نركعَ على إثر ذلك ركوعَ العذراء مريم ونَخضعَ قائلين: "ليَكُن لي كَقولِكَ." فنعيش عامنا الجديد بفعل متجدد للتجسُّد، نُجسِّدُ ذلك الشخص الذي احتجنا إليه عنما كُنا أصغرَ سناً، ويكون عام 2018 عام التجسُّد المتجدِّدِ فينا وبنا ومن خلالنا.




بدون تعليق: هذه شجرة الميلاد في ساحة Rockefeller Center  الشهيرة في نيويورك خلال موسم المجيء في ديسمبر 2017. ويعود الفضل إلى أربعة أشخاص لولاهم لما كنت التقطتُ هذه الصورة أو عرفتُ أن هناك دائماً أملٌ في تذوق لحظات من السعادة المُقطّرة حتى وإن طال الانتظار... شكراً وشكراً وشكراً وشكراً... انتوا بتعرفوا حالكم... وشكراً لشخصين صغيرين تحمّلا غيابي عنهما لأول مرة ولمدة طويلة نسبياً... 

Saturday, August 19, 2017

مذكرات زوجة قسيس شابة: الحالة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الحالة/

تؤخَذ على حين غرّة، فتفاجئك جملة بصوتٍ مألوف: "لم أَعُد أكتب" وتحتار كيف يجرؤ صوتك أن يخونك معترفًا بسرّ لم تذكره من قبل سوى مرة واحدة في محضر طبيب نفسي. "لم أعد أكتب... منذ أربعة عشر شهراً لم أكتب شيئاً"، قلتها وأنا أستمع إلى وقع تلك الكلمات عليّ وعليه على حد سواء. تجهّم وجهه وتجمّدت في عينيه الواسعتين نظرة ملؤها الكلام إلا أن صمتها هو ما دفعني لأن أستطرد في الشرح وكأني كنت، دون أن أدري، بانتظار تلك النظرة كما ينتظر المتسابق صافرة البدء. فانطلقتُ أسابق إرادتي خوفَا من أن تكبّلني من جديد بسلاسل السرية والكتمان إن أنا أبطأت أو ترددت في الكلام.

فريدُ الإسم والأسلوب. بدا عليه التقدم في السن بفارق سنوات ضوئية ما بين حالته الصحية ويفاعة طاقته في الحياة. أراه في مخيلتي في صورة من ستينات القرن الماضي شابًا بحكمة كهل، وأتعرف عليه في العقد الثاني من القرن الحالي شيخًا يافع الروح.
افترضت أن يكون شكلي مألوفًا بالنسبة له أو أنه بحكم صغر مدينة الاسكندرية يعرف أنني زوجة القس مايكل فتحركت بضعة خطوات كي أقترب منه بعد انتهاء خدمة التعزية في كنيستنا إثر انتقال شقيقة الشيخ نبيل جرجس إلى المجد. مددت يدي كي أصافحه فوضع يده المرتعشة على كتفي وقال: "أنا بحبك جداً على فكرة".
كدت أن أتلفت حولي كي أتأكد من أنه يخاطبني أنا وليس شخصًا ما يقف إلى جانبي أو خلفي، فأكمل قائلا: "وباحب مقالاتك. مقالة حادثة الطفل اللي غرق والمقالة اللي فيها بتشبّهي القسوس بالأمهات، وعايز أقولك لازم تكتبي كتاب". لست أدري ما الذي انتابني في تلك اللحظة، أهو ذهول أم صدمة أم كليهما معًا. همّ لساني كردّ فعلٍ تلقائي ولا إرادي يتفوّه بكلمات التواضع والامتنان من باب المجاملات الاجتماعية واللباقة فقاطعني معترضًا: "مش ده قصدي..." وأكمل كلامه. لكنني كنت قد حلّقت عاليًا خارج سقف الكنيسة واقتربت من الغيوم الاسكندرانية الصيفية. كان كل ما أسمعه هو جملة تردَّدَ صداها في رأسي: "بيعرفني... الشيخ فريد أبادير بيعرفني!". وعندما عادت حاسة السمع عندي إلى طبيعتها كان أنكل فريد لا يزال يتكلم عن مقالاتي التي تشدّ القارئ من سطورها الأولى كي يكمل القراءة بنهم حتى النهاية، على حد تعبيره.

تساءلت إن كان من المفترض أن أشعر بنفس هذا النوع من النشوة، إن صح التعبير، بل وأكثر من نشوة، إن فكرت ملياً بحقيقة أن "الله يعرفني"... "ملك الكون بيعرفني" ليس فقط أنه يعرف من أنا، ويقرأ كتاباتي ويحبها!! لكنه يعرفني لأنني "قد امتزتُ عجبًا". إن كنا نتسلح فعلا بهذه الحقيقة فأنَّى لأفاعي صغر النفس أن تطل برؤوسها لتمرغ رؤوسنا في طين انعدام القيمة. تتقاذفني أفكاري تلك بين أياديها ككرة الشاطئ، تارة تضعني في خانة الحقيقة الجديدة أتلمظ حلاوة مذاقها في فمي كطعم السكر، وطورا تُدخِلُني في محضر رغيف الخبز الأسمر الصحي منبّهة عقلي إلى الأساس الروحي الأكبر والأهم لشعوري بأنني لست مجرد نكرة، مجرد زوجة قسيس في بحر الأرقام والخدام وزحام سينودس النيل.

ما بين الفكرة البشرية والأخرى الروحية خرجَتْ كيمياء دماغي عن السيطرة متخذة قرارات متهورة وبدأ البوح: "في شي على بلاط البسين من سنة وشهرين ربطني، والولد بين إيديي كنت لسا عم أرفض صدق انه مات، متل ما في ناس بينعقد لسانها بتبطل تحكي بعد صدمة، أنا انعقد قلمي. كتبت المقال تاني يوم ومن ساعتها ماني قدرانة أكتب... كان عندي لوم على ربنا كيف ما بيلبي طلبي وأنا عم أصرخ يا يسوع... صار عندي رعب اني فكّر طب لو كان هاد ابني كنت كمان ما سمعتلي يارب؟...".
تعبيرات وجهه التي جمعت ما بين الجدية والحنان خلقت مساحة أمان كالقوقعة من حولي وكأني أسمع صوت كاهن داخل غرفة الاعتراف يأتيني عبر ثقوب الحاجز الخشبي الفاصل بيننا: "أكملي يا ابنتي"، فأكمِل راكعة راجية لهذه اللعنة أن تنفكّ عني. لم أكن أعي في تلك اللحظة أنني وبعد ساعات قليلة من البوح والاعتراف لهذا الكاهن سأنال الشفاء الذي طالما التمسته طيلة الأشهر الأربعة عشر، وأبدأ رسميًا رحلة التعافي. فأنا وإن نلت الشفاء في لحظة إلى أنني لم أتمّه بعد. كما هي الحال في الفرق ما بين خلاص التبرير وخلاص التقديس (عذرا لجدية التشبيه، من واقع تعرض زوجات القسوس لـ overdose من الوعظ) فقد انفكّت عقدة قلمي في لحظة ولكنني لا أزال أحتاج إلى قطع أشواط من التدريب كي أعود إلى العدو في مضمار الكتابة وأحلم بنيل الجعالة.

أنكل فريد هو بالنسبة لي "حالة" أكثر منه شيخ واعظ وخادم مبارك. يصف زوجي أسلوب الشيخ فريد الوعظي بأن له "طابع صوفي" كلما اعتلى منبر الابراهيمية. قارئ، كاتب، متعمق، متأمل، ذكي، لماح، حاضر الذهن، خفيف الظل، رجل صلاة... هو حالة عشق روحاني مشتعلة يستحيل عليك الاقتراب منها دون أن تمَسّك نارُها الملتهبة كعذوبة ندى الربيع، وأنا تجرّأت واقتربت منها البارحة فكان نصيبي لمسة شافية تشهد عنها هذه الأسطر.

وكعادتي في التعبير عن امتناني لأشخاص كان لهم دور مفصليّ في حياتي، سواء اقتصر الدور على مرحلة ما، أم امتدّ عبر مراحلَ عدّة، فأنا عِوضًا عن توجيه الشكر لهم، أشكر الله من أجل وجودهم في حياتي. لذا أنا لن أشكركَ أنكل فريد لكني أشكر الله من أجلك، أشكر إلهي أنه شاءت حكمته أن يرسل لزمرة المؤمنين في هذا العصر والزمان وفي هذه البقعة الجغرافية "حالة" هي الشيخ فريد أبادير، لتكون حالة عاشقة وناقلة ليس فقط للحب الإلهي لكنها ناطقة بلغة الضاد تستخدم غنى الجذور العربية لتصيغ لنا حقائق من كلمة الله الحية وبشارة الفداء، جُدداً وعُتقاء، فنتشارك في "حالة الإثراء" ونطمع بالمزيد فنصلي أن يمد الله في عمر أنكل فريد لأنه (وسأسرق تعبيره الذي ذكره أثناء خدمة التعزية) "مفيش منه كتير، مفيش منه خالص".

بدون تعليق: هاستأذنك يا شيخ فريد، متل ما قلتلك امبارح، انك تسمحلي ان شهادتك اللي قلتها عن كتاباتي أعلقها نيشان على صدري وأفتخر فيها.




Saturday, August 6, 2016

مذكرات زوجة قسيس شابة: المواجهة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/المواجهة/

وتواجهنا... أخيراً... بعد سنوات طِوال كنتُ خلالها أسمع عنه وعن بشاعته وقسوته، ولكنني رغم ذلك كنت ألتقيه من بعيد وأتابع أجندة مواعيده المفعمة بأسماء من مختلف الأعمار ومن شتى أصقاع العالم، إلى أن التقيته للمرة الأولى عام 1992 يطرق الباب برفقة فريق عمل يشبه طاقم الطائرة الذي يتذيل القبطان. ينهي عمله باستعجالٍ ويرحل تاركاً أعضاء فريقه ليمكث بعضهم إلى الأبد مع أهل وأصدقاء صاحب الزيارة، فزياراته تترك ندباً كالوشم لا يزيلها الزمن مهما طال.

لقاؤنا الأول خلا من المواجهة، فأنا لم أودّع جدي لأبي لأن أهلي قرروا اصطحاب أخواي وأختي معهم من العاصمة دمشق إلى القرية دوني حيث مكثت عند أهل أمي. كانت حجة أهلي أنني صغيرة في السن، وربما كنت كذلك بأعوامي الثلاثة عشر، لكن المقياس نفسه لم ينطبق على بنات عمي اللواتي تصغرنني ببضعة أشهر  أو بضع سنوات فقد حضرن هن جنازة جدنا وكنّ في كنف الأسرة في تلك الساعات الأولى من خبرة جديدة حلّت بنا لأُستثنى أنا وحدي منها.

ومنذ ذلك الحين توالت اللقاءات التي أتذكرها حيث خلت كلها من المواجهات. تجنّبُ المواجهات جاء طوعاً تارة وطوراً قسراً لأن أحدهم قرر عدم إخباري تحت ملاءة مبررات شملَت الغربة أو السفر أو السن أو بُعد المسافة أو عدم ملاءمة الظروف والكثير الكثير من الاحتياطات التي لم يكن لي يدٌ بها حتى وإن اختلفتُ في الرأي مع صاحب القرار، إلا أن النتيجة كانت واحدة.

كنت من الأطفال القلائل المحظوظين الذين ولدوا في حضن أربعة أجداد ولكنني ترعرت في مناخ أسرة اتخذَت قرارات بالنيابة عني كانت نتيجتها أني حُرمت من وداع أيّ من أجدادي الأربعة. أكثرها إيلاماً كان حرماني من حضور جنازة جدي لأمي، القس مطانس جرجور، ليمرّ اثنا عشر عاماً فأحضر احتفال وداع القس منيس عبد النور، ذلك العملاق الذي كنت أرى فيه انعكاساً لشخصية جدي وخدمته مع اختلاف حجم الكنائس ومواقعها الجغرافية  ما بين سوريا ومصر، إلا أن عمالقة الإيمان لا يقاس إكمالهم لسعيهم وحفظهم لإيمانهم  بأعداد أعضاء كنائسهم، لأن حساباتهم البنكية الحقيقية في مدى إتمامهم للدعوة الفريدة التي أخذوها من الرب يسوع خلال سنوات رحلة رعوية وكرازية مباركة تكللت بالانتقال إلى حضن الآب وتوثيق ذلك الوداع باحتفال جنائزي مهيب. لم يتم نقل جنازة جدي عبر الفضائيات المسيحية سنة 2003 على الهواء مباشرة من قرية الحفر في ريف محافظة حمص كي أحضرها وأنا في بيروت ولم يتم حتى تسجيلها على شريط فيديو لكنني عندما تابعت جنازة القسيس منيس وأنا في الاسكندرية أجهشت بالبكاء وكأنني أحضر ذلك الحفل الذي حرمت منه فأعوض ما فاتني من ترانيم وما ابتلعته من دموع وما اجتررته من سيناريوهات بديلة.

 توالت اللقاءات، القريبة والبعيدة، بيني وبين الموت في كل مرة كان هو على موعد مع أحد ما من دائرة معارفي الصغيرة أو الأوسع إلى أن جاء اليوم الذي تواجهنا فيه. حصلَت المواجهة عندما كان هو على موعد مع طفل لم يكمل عامه السادس ولست أدري لماذا شاءت الحكمة الإلهية أن أكون أنا ثالث من حاول "كنسلة" هذا الموعد بعد زوجة القسيس التي رأته وانتشلته من الماء وزوجة القسيس التي أمسكَته منها لتمدده على الأرض وأبدأ أنا محاولات إسعاف لم أدرِ وقتها أنها كانت عقيمة.

تواجهنا في ظروف قد تبدو رومانسية من حيث المكان: حول حوض السباحة ومن حيث الزمان: عصر يوم صيفي مشمس. لكننا عندما تواجهنا لم يكن هو يرتدي ثياباً تليق بالزمان أو المكان، فأنا وإن لم أكن أرتدي زياً مناسباً للسباحة إلا أنني اخترت ليومي هذا أجمل فساتيني بلونه الرمادي الفاتح تتوزع بين ثنياته ورود صفراء وبيضاء تتراقص فوق ذيول قماش فستاني الطويل الخفيف. أما هو فقد كان مخلصاً كالعادة في اكتساء حلّة بشاعته كاملة، وقد كان أكثر سواداً هذه المرة لأنه كان قريباً جداً مني لدرجة المواجهة مما عنى أنني تلامست مع جرعة قبحه كاملة أثناء محاولاتي المستميتة لتذكر وتطبيق خطوات التنفس الاصطناعي لطفل تم انتشاله من الماء للتو.

لن أنسى ما حييت جسده الأسمر الصغير، وجمال وجهه الذي كنت أراه لأول مرة دون نظارته المعتادة، ولمعان شعره المبتل، وملمس شفتيه وأنا أضغط عليهما بشفتيّ لأنتقل إلى الضغط على صدره الذي فارقته الأنفاس وقد أصابني الخرس وبات لساني يصرخ كلمة واحدة يعيدها مراراً وتكراراً بمرارة وذعر وتضرع لم أشهده في حياتي قط: "يا يسوع... يا يسوع... يا يسوع". أذكر أنني رفعت رأسي برهة من الزمن لأصرخ بملء رئتي: "الحقونا". فلَمَس أيٌّ كان من سمع زأيري أو رآني أن الخطر رهيب وأحسست بتسارع مفاجئ في الحركة من حولي بينما عدتُ أنا لإكمال ما بدا روتيناً عقيماً من خطوات الإسعاف وصرخات الاستغاثة بواهب الحياة التي أرعبني مجرد احتمال أن تفارق هذا الطفل البديع. دبّت الرعشة في كامل جسدي الجاثي على بلاط حمام السباحة لكنني تمالكت نفسي لإكمال ما استمر بضع دقائق شعرت أنها دهور، وفجأة رأيت يد رجل تمتد لتستلم عني مهام الإسعاف وأنسحب أنا فتخونني ركبتاي ولا أرى جدوى من النهوض فأجد نفسي ساجدة على مسافة من الحدث أستند على مرفقيّ، تحتك جبهتي بالأرض وأنا أتضرع وأصرخ: "يايسوع... يايسوع". تختلط دموعي بطبقة رقيقة من الطين تغطي جوانب حمام السباحة وأعود بذاكرتي إلى صيف عام 2012.

كانت ابنتي ذات الشهور التسعة تشارك صديقها الجديد ألعابها. كان هو يكبرها ببضعة أشهر تزين وجهه نظارة صغيرة وابتسامة في وسع الكون، إذ أن فراشات الربيع تتنافس لتجاري روعة ابتسامات الأطفال في سنواتهم الأولى. كان هو قد بدأ يمشي منذ أشهر قلائل فيغادر الملعب الصغير الذي أعددته لابنتي وهي تجلس على بطانيتها تحيط بها ألعابها كي أتمكن أنا من سماع العظات ويزورها صديقها الصغير كلما شاء، يمشي بخطواته متعثرا ثم يختار أن يجلس بجانبها، يحملقان أحدهما بالآخر، يبتسمان، يختاران نفس اللعبة، يتشاجران، ثم يعودان إلى اللعب معاً من جديد.

ازداد عدد المتوافدين مع ارتفاع أصوات العويل وخشيت أنا أن تضيع صلاتي الخرساء في محيط من الصلوات التي كنت أسمعها وأحتار كيف تتمالك زوجات القسوس من حولي أنفسهن لتخرج من أنفاسهن صلوات ناضجة بلغت من الروعة والعمق أقصاهما لأبحث في فمي عن مثيلة لها ولا أجد إلا نفس الكلمة فأكمل بكائي ونحيبي وتضرعي: "يا يسوع... يايسوع... يا يسوع".

جمعتني بأمه قواسم مشتركة أهمها أننا زوجات قسوس، كنا نتشارك خبرات وبركات ومصاعب الخدمة لتقول كل منا للأخرى ملخص تلك المشاركات "انتِ مش لوحدِك"، لكنني أجلس اليوم وقد استسلمت لواقع أنها هي اليوم وحدها، هي وحدها في عين الإعصار، كل من شاهد أو سمع عن الحادث لم يترك أهل الفقيد وحدهم لحظة واحدة إلا ورفعهم في صلاة سرية أو علنية، لكنهم فعلياً وحدهم أمام هذا المصاب الجلل الذي عجزَت ألسنتنا معه عن إيجاد كلام تعزية بشري فحوّلنا أعيننا إلى ذاك الذي هو نصيب قسمتنا وقابض قرعتنا، لأنه هو وحده القادر حقاً، وليس نحن، أن يقول لكل من الأم والأب والإخوة: "انتَ مش لوحدك".

يتسارع لهاثي ويتعالى صوت الطنين في أذنيّ فأتمنى لو أمكنني الإمساك بابنائي من أياديهم لنركض بحثاً عن مهرب بعيد ينسينا تلك اللحظات، سنختبئ في حضن زوجي وتنسينا ربتة يده كل ذكرى حفرتها لحظات الفاجعة. وصل زوجي بالفعل في تلك الليلة وارتميت في حضنه لكن المطاردة كانت في داخلي تلتهم جوفي فتكبر هوّة أشبه بمثلث برمودا تبتلع المنطق ويختفي في قعرها صدى تضرعي.

هذه هي إذاً شوكة  الموت وهذه هي استجابتك يارب، كل زوجة قسيس كانت تتفاعل مع الحادث كما لو كان ذلك الطفل ابنها هي وكأنها جالسة على الكرسي الأبيض البلاستيكي مكان الأم الثكلى بمجاورة حمام السباحة. كنا كلنا نصلي منتظرين غَلَبة من نوع آخر، فقد صرخ لساني في البداية منادياً: "يايسوع" كي تعلّمني كيف أسعف هذا الطفل بشكل أفضل، ثم عندما تولَّته أيدٍ أكثر خبرة وقوة مني صرختُ إليك "يا يسوع" كي تنفخ في الطفل نسمة الحياة من جديد. لم يكن أحد منا يعلم أن ابنك كان قد وصل إلى أحضانك يارب من قبل أن تبدأ كل محاولاتنا تلك، فكان لسان حالي وكأنني أعطيك فرصة كي تغير رأيك وتعيده إلينا لكنك قلت كلمتك الأخيرة وبقينا نحن على عنادنا أو على واجبنا، بقينا على بشريتنا متعلقين بآمالنا وصلواتنا متشبثين بمنطقنا تُنسينا الغشاوة التي غطت أعيننا أن أحكامك بعيدة عن الفحص وأن طرقك بعيدة عن الاستقصاء.

حالة الذهول التي أصبحنا عليها مع إشراقة شمس اليوم التالي دفعتنا إلى مَنطَقة الأمور فتبادلتُ الحديث مع بضعة أمهات ممن رافقتهن ورافقنني في عملية الانتشال والانقاذ خلال الثواني والدقائق الأولى. ماذا حدث؟ ماذا رأى أبناؤك؟ كيف قضيتم ليلتكم؟ متى تمكنتن من تغيير الملابس التي كنتن ترتدينها وقت وقوع الحادث؟ وإلى ما هنالك من أحاديث عقيمة كنا ندرك تماماً أنها لا ولن تجدي نفعاً لكن عقولنا التي شارفت على الانفجار تحتاج إلى أجوبة بعد أن تصاعد الدخان منها لكثرة ما احتوت من تفاصيل. كانت كل الأسئلة تدور في فَلَكِ سؤال واحدٍ أحد هو "السؤال الذي لا يغيب" فنتفنّن في تجميله واللف والدوران حوله لكنه هناك قابع بجبروته نراه ملء العين: "لماذا؟". نتذوق كلنا على اختلاف درجات قربنا مما حصل طعم شماتة العدو فقد سقطنا وانتشرت رضوض وكسور السقطة في أرجاء أجسامنا وأرواحنا لنئن في الأيام التالية من مختلف الأوجاع الجسدية والنفسية لكننا كلنا ننتظر أن نقوم لأننا حتى وإن طال جلوسنا في الظلمة فإن الرب نور لنا وهو حافظنا لأننا عليه توكلنا. إن كانت نفوسنا تئن منحنية وإن صارت لنا دموعنا خبزا نهارا وليلاً علينا أن نترجى الله لأنه هو حصننا وصخرتنا وقد وعد أنه سيرسل نوره وحقه ليهدياننا.

منطقنا البشري يقول أن الحياة بعد فقدان فلذة الكبد هي جحيم لا يطاق ولكن إلهنا، إله كل تعزية، يقول عكس ذلك فهو عمانوئيل "الله معنا" وهو القادر فوق كل شيء أن يصنع معنا أكثر جدا مما نطلب أو نفتكر، هو وحده القادر أن يصنع أمراً جديداً.

بدون تعليق: جيسون كان لابس واحدة من أساور المؤتمر ولو كانت اتقصت فهي مكانها دلوقتي أساور وتيجان الملايكة الصغيرين اللي وصلوا بيتهم الأبدي بالسلامة

(تم نشر المقال في مجلدة "الهدى" مجلة الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر، في عددها الصادر مطلع شهر آب/أغسطس 2016 أي قبل ظهوره على المدونة، واقتضى التوضيح أن صور مدونة رهاميات التقاط  وانتقاء  وإضافة الكاتبة)

Friday, August 5, 2016

ثغرات الجراند أوتيل


يستحيل على المرء أن ينكر سحر مسلسل  "جراند أوتيل" بمشاهده الآخاذة وديكوراته الفاخرة وشخصياته الناجحة التي تابعنا تحركاتها وأنفاسها إلى الدرجة التي كنا بها نشتم رائحة العطر الذي يستخدمونه في مشاهد غنية وصلت بغناها حد الترف. ذلك الترف العاطفي بمشاعر جياشة تتخبط ما بين حب وكره، والترف البصري بألوان الأثاث والملابس والاكسسوارات، والترف السمعي بموسيقى كلاسيكية وأخرى درامية من المستوى الرفيع. ومما لا شك فيه أنه قد داعبت بعض الأمنيات السرية أفكارنا ولو للحظات حيث تمنينا خلالها أن نحظى بفتات من ذلك الترف في حياتنا الواقعية.

من فرط حبنا لهذا المسلسل جاءت النهاية غير مقنعة ولا مشبعة بالنسبة للكثيرين، إذ لم يكن أدهم بيه حفظي هو الوحيد الذي ابتلع السم ولكن المسلسل احتوى على سم آخر بجرعات مخففة ومقعنّة طالتنا نحن كمتلقين أو مشاهدين توجب على إثرها الوقوف وقفة شفافية ووعي كي نتجنب خطرها. فكان لابد من نهاية ضعيفة كي نستفيق من أحلامنا وننظر بموضوعية إلى ثغرات مسلسل جراند أوتيل.
دعونا نخطو خطوة داخل قارب سيبحر بنا في زرقة نهر النيل الأسوانية ويقف على مقربة من "الجراند أوتيل" تاركاً مسافة صحية يمكننا خلالها أن نستعيد وعينا وتفكيرنا الموضوعي، فمن موقعنا هذا سننظر إلى الـ"جراند أوتيل" من منظار جديد وسنبحث عن الثغرات المختبئة بين ثنايا هذا المكان الهادئ الصاخب في آن معاً كي لا يفرض علينا أو يدس في حياتنا أمراً ما كالسّم فنرى انعكاسه على حياتنا اليومية. إن أقل ما يمكن أن يقال عن هذا العمل هو أنه رائع، ولكنه لم يخلُ من الثغرات التي اختبأت ما بين طيات الجمال والرومانسية وقبلناها، بينما كنا سنرفضها لو رأيناها عارية دون أية رتوش.

الاستخفاف بقرار الارتباط
كان "مراد" و"نازلي"، أولاد العم، كما يُطلَق عليهم بالانجليزية high school sweethearts فقد تربيا معا منذ أن توفي شقيق "أدهم بيه" وكان "مراد" قد بلغ السابعة عشرة من العمر فانتقل إلى العيش في "الجراند أوتيل" ليقعا هو و"نازلي" في حب بعضهما البعض  ويكبرا معا إلى أن أتى موعد السفر إلى إنجلترا قضت "نازلي" خلاله مدة طويلة تدرس وتتذوق طعم الغربة وفي نفس الوقت كانت تكبر بعيدا عن "مراد" جغرافياً وعاطفياً.

لا يمكننا تماماً تبرئة "نازلي" والتماس الأعذار لها في استخفافها بأمر الارتباط حيث قامت بتلك الخطوة المتهورة وتزوجت من "مراد" في ظل الظروف التي تابعناها كلنا وهو زواج محتوم بالفشل وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان. ثم نجحت عبقرية الكاتب والمخرج والممثلين في كسب تعاطفنا مع علاقة الحب التي نشأت ما بين "علي" و"نازلي"، فهي مظلومة تعيش حبيسة علاقة زوجية غير مشبِعة، و"علي" مغلوب على أمره أمام عذوبة وجمال "نازلي هانم". إلا أن ناقوس الخطر كان حريّ به أن يدق باكراً جداً، فبمجرد أن يقرر اثنان على الزواج بمحض إرادتهما يجب أن يلتزما بهذا العهد وألا يسمح أحدهما لنفسه بأن ينجرف وراء حب رومانسي آخر لا يمكننا إلا أن نسميه باسمه الحقيقي أنه "غير شرعي". لكننا نحن أيضا كان مغلوب على أمرنا فقد بتنا نقارن خيانة "مراد" وعلاقاته الغير شرعية والمليئة بالشهوانية والسلطوية المرضية ما بينه وبين الخادمات ابتداء من "ضحى" ومن ثم "ورد" نقارنها بعلاقة "علي" و"نازلي" الفائقة العفة والرومانسية فنقبل الثانية بينما نحرم الأولى. لا يمكننا تحت أي مسمى أن نقبل ما حصل بين "علي" و"نازلي" على أنه حب عذري طاهر فأحدهما متزوج من شخص ثالث هو الحاضر الغائب في أي علاقة خيانة كهذه. كما أنه لايمكننا أن نقبل فكرة استخفاف "نازلي" بقرار ارتباطها وتناولها لموضوع الزواج بالطريقة التي فعلَتها لتصبح مثلاً أعلى يحتذى به لأي فتاة تظن أنها مظلومة في زواجها فتبيح لنفسها فكرة الدخول في علاقة رومانسية مع شاب آخر، سواء كان هو بدوره متزوجا أم لا. ما يشفع لنا هو أننا وإن قبلنا بتلك العلاقة إلا أننا أيدنا الحق عندما انتفضنا مع انتفاضة "أمين" عشية معرفته لحقيقة "ورد" فحملها هي على كتفه الأيسر واحتضن الطفل "سليم" بذرعه اليمنى وذهب طارقاً باب غرفة "مراد بيه" قائلا: "الحاجات دي تخصك... ما تخصنيش" فقد كان قبلاً يتقبل فكرة أبوته لـ"سليم" بمحض إرادته ظناً منه أن الأب الحقيقي هو "كلب عمل عملته وهرب" لكن ذلك الكلب عندما بات له وجه وإسم معروفان اقتضى الموقف رد فعل مختلف وكلنا احترمنا "أمين" بعد أن أعاد الحق إلى صاحبه حتى وإن كان الآخير شيطاناً.

مع كل محبتي واحترامي لـ "علي" و "نازلي" أقول لهما "اللي كنتوا بتعملوه ده على فكرة مش صح ومايرضيش ربنا واسمه الحقيقي كلمة واحدة صعبة: خيانة" لكنني في نفس الوقت لا يمكنني أن أنكر كم استمتعت وسرحت وأبحرت بخيالي بعيدا وأنا أتابع مشاهد لقاءاتهما هناك في المكان السري أو تبادلهما للنظرات سرّا كي لا يلحظهما باقي الحاضرين. كنت فقط أتمنى لو أن حبهما هذا جاء بعيدا عن حقيقة زواجها هي من "مراد" فقد كنت سأستمتع بمتابعة تطورات هذا الحب بشوق أكبر وبضمير أكثر راحة.

الابتلاء، ما بين الحافز والسلبية
يقترح "إحسان بيه بركات" على والدته اقتراحاً يبدو منطقياً "يعني لو اتبنينا طفل صغير..." فتقاطعه هي بدورها وترفض تلك الفكرة "لا يا حبيبي لأ ... دي مشيئة ربنا ... ما نعترضش عليها أبدا ... ده ابتلاء من ربنا، نقبله، وما نعترضش عليه...". كلام جميل حقا ولكنه لا يتنافى مع اقتراح "إحسان". المسألة ليست مسألة إما أو، وكأن "إحسان" في هذه الحالة لو تبنى طفلاً فهو يعترض على حكم الله. الحقيقة أنه كان بإمكانه في ذات الوقت أن يقبل ظروفه ويحمد الله عليها وأن يتبنى طفلاً يتيماً يعوضه عن خسارة والديه فيحقق بذلك خيرا قد أراد الله أن يمنحه لهذا الطفل اليتيم من خلال "إحسان بيه". أما الابتلاء فسوف يتحول حينئذ إلى طاقة عطاء وعمل كي نحدث تغييراً إيجابياً في الإنسانية جمعاء من خلال فعل خير فردي بسيط. وبالتالي فأنا كإنسان، في وجه المحن التي قد تعصف بحياتي، سأصالح ما بين فكرة العيش في حالة رضى وقبول وتسليم لما قسمه الله لي وما بين القيام بدوري الناضج في إحداث تغيير نحو الأفضل.

كحلناه أم أعميناه
انتشرت خلال حلقات المسلسل وصفة الحل السريع أو الـ "ماك حل" ولكنه أمر لم يكحل المسلسل بل أعماه وقد يكون أعمى المشاهدين أيضاً عندما أقنعَنا بأن الحل السريع لأي مشكلة هو القتل. سوف تقوم "ضحى" بفضح العلاقة الغرامية ما بينها وبين "مراد" لذا يجب أن نقتلها، وعندما تعود من جديد نقتلها حقا هذه المرة، وعندما ينقذها "ماهر" ويخبئها في بيته نقتله هو، أما "ورد" فسننتظر أن تتمادى أكتر في جشعها إلى أن يتمنى جميع متابعي المسلسل موتها وعندها نقتلها أخيراً (وغالبا نقتل الطفل الرضيع معها!). ناهيك عن تلميح "مراد" بأنه سيقتل "علي" والتهديد والوعيد العلني لـ"علي" بأنه سيقتل "مراد". إيه كل ده؟ من أين أتى هذا العنف القابع تحت سطح ذلك النهر الفيروزي الساكن؟ فإن كنا ننتقد علناً كم العنف الفعلي واللفظي في المسلسلات الرمضانية الأخرى فإننا يجب أن نقف وقفة تمعن أمام العنف الموجود في "جراند أوتيل" بدل أن نتعامل معه على أنه أمر عابر يمر علينا مرور الكرام، مرور الهوانم بفساتينهن واكسسواراتهن ومرور البهوات بساعات الجيب التي تتدلى سلاسلها من جيوب وأزرار بزاتهم.

 لقد طفح بنا الكيل، فهذه ليست الطريقة التي تدار بها أمور حياتنا في الواقع. لو لجأنا إلى القتل، حتى وإن كان المعنوي منه لا الحرفي، في كل مرة نواجه بها مشكلة ما فستتحول علاقاتنا إلى مجازر. هناك مئات بل وآلاف الحلول غير القتل، منها على سبيل المثال لا الحصر، المواجهة والمصارحة أو طلب المعونة، منها الصدق والشفافية والتماس الأعذار، منها (كما طرح المسلسل في سياق آخر) الغفران والمسامحة، ومنها رد المسلوب والسعي نحو عودة الحق إلى أصحابه. في عصر ومجتمع مفعم بالعنف لا نحتاج قشة لتقصم ظهر البعير بل نحتاج إلى بذل مجهود أكبر في إيجاد حلول متوازنة وناضجة خاصة إن تعلق الأمر بعلاقات عزيزة على قلوبنا وتستحق منا عناء المحاولة أو المحازفة بعيدا عن سيناريوهات القتل والبتر والاجتثاث.

رصيد الزوجين في بنك الحب
يعي "إحسان" تماما أن "أمال" كانت تحبه في مرحلة ما قبل نقطة التحول التي أودت بها إلى ارتكاب كل تلك الأخطاء في حق زوجها واعتمد في حجته تلك على حقيقة أنها أهدت له نصيبها من الأوتيل وهي بذلك تبدو كأنها أضافت إلى رصيده البنكي أرقاما مادية ولكنها في الحقيقة قد أضافت إلى رصيدها هي في بنك الحب الزوجي أرقاما معنوية. أما حب "إحسان" فلم يتوانى هو بالقول أو الفعل عن رفع رصيده في بنك حب زواجهما لدرجة التخمة.

إن أية علاقة زوجية هي بنك للحب يتوجب على كلا الزوجين أن يزيد رصيده فيها من خلال الأقوال والأفعال، لأنهما سيحتاجان إلى هذه الأرصدة عندما تهب الرياح كما لا تشتهي السفن. وهذا الرصيد الذي أودعته "أمال" في بنك الحب هو الذي شفع لها لدى "إحسان" كي يغفر إساءاتها المتكررة ويسامحها ويبدآن كليهما صفحة جديدة. لن ننكر هنا دور "عنايات هانم بركات"، فحتى وإن كانت مواقفها مع كنّتها قد بدأت بداية درامية غير محببة إلا أن "أمال" في النهاية رأت الحقيقة واعترفت بها بلسانها قائلة: "أكيد الست اللي تربي راجل زي إحسان، تقدر تسامح وتغفر".

في داخل كل منا وجه طيب وآخر شرير فلماذا نختار أن نعلي مكانة الأخير؟ هل لأننا نرى الحب على أنه ضعف وانتقاص للكرامة في مجتمعنا الذي يعيش بحسب قانون الغاب حيث البقاء للأقوى؟ أم لأننا نسمح لعنصر ثالث أن يكون سيد الموقف فيعتلي الخوف عرش مشاعرنا ويتحكم بعلاقاتنا وبطريقة تفاعلنا مع أقرب الناس لنا. لماذا نخاف أن نحب؟ ماذا كانت "أمال" و"عنايات" تنتظران كي تصلا إلى هذه الحالة من الحب والغفران؟ فقد اثبتت المحنة أن في دواخلهما طاقة حب وغفران لا تنضب قد غيبها الخوف والفهم الخاطئ لطريقة حفاظ كل منهما على كرامتها أمام الأخرى وأمام المجتمع.

فوتوشوب الخمسينات:
كنا نتوق في المشهد الأخير لمعرفة ما هو الحدث الهام الذي يتطلب حضور جميع الشخصيات الرئيسية باستثناء "قسمت هانم" التي رفضت المشاركة بمحض إرادتها، فقد خاله بعضنا عشاءً مهماً أو احتفالاً أو تجمّعاً من نوع ما مع أن جملة "نازلي": "من سنتين بالظبط انت كنت واقف لايص، والولاعة دي أنقذتك" كانت كفيلة بأن تذكرنا بيوم لقائها الأول بـ "علي" واستخدامهما لولاعة "أدهم بيه" التي تحتفظ بها هي بعد وفاته. لكن الصورة كشفت لنا عن شخص زائد وأخر ناقص.
وجود "فاطمة" على يمين الصورة تقف مع باقي الخادمات كان ثغرة ملحوظة. ألم تسافر عائدة إلى أمها؟ ألم يشترِ"علي" لها تذكرة القطار بنفسه وينتظر برفقتها في المحطة لمدة نصف ساعة إلى حين موعد السفر؟ هل أرسل "أمين" لها SMS  أو كلمها عبر سكايب وطلب منها القدوم أم أنها قرأت على صفحة الفيسبوك الخاصة بـ"جراند أوتيل" أن يوم الصورة الجماعية قد حان فأتت للمشاركة أو لتتصور سيلفي مع "عائلة الجراند أوتيل"؟
غياب الـ"ريس صديق" عن الصورة كان مُلفتاً أيضاً. إن انتصار البطل وزواجه من البطلة في نهاية سعيدة لقصة حبهما قد يكون مجلباً للحظ التعس فحاول الكاتب أن يختار "الوصيفة" الأولى ليعلق عليها شماعة الشؤم. فعلاقة "الريس صديق" بـ "الست سكينة" هي التي احتلت المرتبة الثانية في ماراثون العلاقات الرومانسية الشرعية منها وغير الشرعية في المسلسل لكن هذا لا ينفي حزننا العميق لأن "سكينة" آثرت أن تُبقي على علاقتها بـ"صديق" ضمن إطار الحلم المستحيل، وهذا أمر قد نفهمه، إلا أننا ومن خلال معرفتنا لمدى نضج وتفاؤل "الريس صديق" يصعب علينا تصديق غيابه عن الصورة الجماعية، هل قدم استقالته من العمل وعاد إلى الاسكندرية لأنه لا يقوى على التواجد بالقرب من "سكينة" بعدما قالته له؟ أيعقل أن يكون "صديق" قد "اتقمص" كالمراهقين ورحل؟ فحتى لو خابت آمالنا مثله إثر سمعاعه لرد "سكينة" إلا أنه كان حري به أن يظهر في الصورة الجماعية.


في الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بكل الشكر والاحترام للمجهود الجبار الذي بذله طاقم العمل بممثليه المبدعين وبالقائمين عليه من النواحي الفنية كهندسة الديكور والصوت والإضاءة وتصميم الأزياء وتأليف الموسيقى التصويرية. تحية لمؤلف العمل الأستاذ تامر حبيب وللمخرج الأستاذ محمد شاكر. وكل عام والدراما المصرية بألف خير.

 تم نشر المقال بتاريخ 16 تموز/يوليو 2016 على موقع مدونة "نون" مع اعتذاري عن الأخطاء التي أضافتها مسؤولة التدقيق في المدونة
http://www.nooun.net/show_article/%D8%AB%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%86%D8%AF%20%D8%A3%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%84/