Showing posts with label نوستالجيا الياسمين. Show all posts
Showing posts with label نوستالجيا الياسمين. Show all posts

Wednesday, July 11, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: الكهف

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الكهف/

تحية إمتنان وشكر لكل الغواصين وعُمّال الإغاثة اللي يومًا ما انتشلونا من الكهف...
كام مرة لقينا حالنا ضايعين جوا كهف... ومنسوب الدموع عم يعلى ويعلى حتى اتحبسنا وما عدنا عارفين نطالع حالنا...
هونيك... جوا... جوا... بالعتم والرطوبة والسكون المشبوه، لما أبسط صوت بيتحول لضجيج مرعب...
هونيك... جوا... جوا... فقدت الاتصال مع الناس وبعِدت لدرجة بطّل فيني أبعت حتى كلمة أو إشارة أو نداء استغاثة ...
هونيك صليت وقلت: يارب... يارب حدا يحس بغيابي ويجي ورايي يدور عليي ويلاقي حذائي ودراجتي ع باب الكهف...

أكيد في ناس كتير مرّوا من جنب باب الكهف... طب ليش ما سألوا عليي؟

يمكن لأنهم فكروني مو محتاجة مساعدة، لأني دخلت بإرادتي، بمزاجي، وكامل قوايي العقلية... والنفسية...

يمكن فكروني أنا مقررة كون لحالي، عم يحترموا خصوصيتي، والوقت الإنفرادي تبعي... وبكل حسن نية، حاشاهم يكونوا متل الكاهن أو اللاوي ولا حتى السامري الصالح، قرروا يكونوا موضوعيين وواقعيين وما بدهم يزعجوني بحشريتهم أو تدخلهم، لهيك تاركينني على رواق...

يمكن فكروا الموضوع مو مستاهل، هي مغارة صغيرة مو كهف، وأنا لسا طفلة، لسا مراهقة، لسا طالبة جامعة، لسا متخرجة جديد... لسّا ولسّا ولسّا... ما شفت شي من الدنيا حتى كون عالقة بكهف ومحتاجة مساعدة... بكّير على هيك هموم... هدول الناس أنضج مني وأكبر مني وشايفين وضعي طبيعي وبسيط، بالعكس، شايفينه ضروري مشان أتعلم دروس رح تفيدني بالمستقبل لما ساعتها بقا يجد الجد... مو هلأ... قايسين كهفي على مقاييسهم وطلع في الموازين إلى فوق... قاسيين عليي بموقفهم وبإنسحابهم ومستخفّين باللي أنا فيه...

يمكن ما فكّروا من أساسه... هني مرّوا مطاطيين راسهم وشافوا حذائي مو لأنهم عم يدوروا على شي ع الأرض، هني كتافهم محنية من كتر الهموم... مرّوا مشغولين بحياتهم ومشاكلهم ودنيتهم... مو ناقصين هَمّ زيادة...

بس في ناس وقفوا... بكل "فصل" من فصول حياتي كان في ناس بتوقف... وبتسأل: هاد حذاء مين؟ أو بتعرف ان هاد حذاء رهام، هل هي بخير يا ترى؟
في ناس خلعت حذاءها احترامًا لقدسية الأرض جوا كهفي... وفاتت ورايي تدور عليي وتنادي إسمي...
في ناس حسوا إني طوّلت بغيابي هالمرة وبعتوا ورايي حدا بيعرف المنطقة، حدا مختص، حدا متمرّن، حدا متواضح رح يوطي راسه عند باب الكهف ويدخل من الطريق الأضيَق والأكرَب...

هدول الناس... في منهم اللي كمّل بحياته وما عدنا كتير على اتصال بس لساتني حاملة البصمة اللي تركها بمرحلة كتير حساسة وحرجة من حياتي أنا، حساسية المرحلة ضاعفت من الاحتياج بهداك الوقت وبالتالي ضاعفت من المفعول الإيجابي ومن عمق بصمته وجمالها... وفي منهم اللي لسا محتاجته بهاد الـ"فصل" الحالي بحياتي، وقد ما كابَرت ورفضت وادّعيت اني مو محتاجته، باسمع صوت صدى أفكاري عم يتردد على حيطان الكهف ويطلب المعونة...

يا ترى شو كهفِك اللي انت علقانه فيه حاليًا؟ هاد هو السؤال. صارلِك كام يوم عم تتفرجي على الأطفال ومدرّبهم بتايلاند وعم تتابعي أخبارهم انت وعم تقولي لحالك: أنا كمان محتاجة حدا يساعدني، يمكن مو لدرجة انه يضحّي بحياته ويموت متل واحد من الغواصين اللي زميله سحبه غايب عن الوعي بآخر رحلة الـ 6 ساعات وهني عم يوصّلوا أوكسيجين للأطفال، وللأسف ما استعاد وعيه وما صحي... بس على الأقل أنا محتاجة غواص يحاول، محتاجه يبعتلي تطمين: أنا شايفِك، أنا مهتم لأمرِك، أنا رح حاول ساعدِك، انتِ مانِك لحالِك، انتِ مهمة وبتستاهلي وقتي واهتمامي وتواجدي معِك... يمكن تكوني محتاجة فريق ويمكن محتاجة صديق، انتِ اللي فيكي تحددي موقعك بالكهف وتستنجدي بفريق إغاثة كامل ومُجهّز أو تتصلي بصديقة تفضفضيلها وتطبطب عليكي...

يمكن يكون السؤال بالنسبة إلك مختلف شوي، ما عم تسألي حالك: "شو كهفي؟"، عم تسألي حالك: "شو دوري؟" يمكن شفتي حذاء، يمكن سمعتي نداء، يمكن إحساسِك من جوا عم يأشّرلِك على حدا معين ويقولِك: فلانة مو على بعضها، يمكن محتاجة مساعدة، يمكن محتاجتِك انتِ تحديدا. حتى لو مانِك حاسة حالِك عندِك هالشي العظيم اللي ممكن تقدميلها اياه، بس اللي أكيد عندِك هو قلب يحب وأدن تسمع وإيد تلمس، هدول كنز لو انحطوا مع بعض بيعملوا مثلث برمودا فيها رفيقتك ترمي جواته همومها فتختفي وتتلاشى... ولو لقيتي ان رفيقتك همومها أكبر من هاد المثلث اللي عندك، فانت عندك شي رابع هي محتاجته، عندك كتف قوي تقدري تحطيه جنب كتفها، ومشاكلها اللي أتقل من انها هي تشيلها لوحدها صرتوا متشاركين بشيلتها... ونياله كل مين عنده كتف جنب كتفه يشيل معه مسافة، طالت أو قصرت، على طول هالدرب...



بدون تعليق: أول مرة باكتب مقال بسلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة" مو بالفصحى، ما فيني قول اني اخترت العامية (السوري) بقرار واعي، الحقيقة ان هي اللي اختارتني وهيك كان المقال مكتوب براسي وهيك طلع، طبعا كان فيني "ترجمه" بس خليته متل ما هو.

وأول مرة بحط صورة مو أنا اللي مصورتها، لهيك مافي عليها توقيعي لأنها لا تصويري ولا رسمي أنا. هي فنانة (مو أكيد، يمكن تطلع صبي) رسمت عمليات الإغاثة في لوحة رائعة فيها مجموعة حيوانات كل واحد منهم رمز لشخص أو مجموعة أشخاص، والرجل الحديدي هو الملياردير إيلون مَسك.
فرق الإغاثة بحسب جنسياتهم كانوا كالآتي: الأسد فريق الإغاثة البريطاني، الكنجر هو الأسترالي، الباندا هو الصيني، النسر هو الأميركي... الخ / الضفادع رمز كل الغواصين / التنين رمز للمهندسين وعمال الحفريات ومضخات تفريغ المياه / الطيور رمز الميديا...

Tuesday, January 2, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: التجسّد

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/التجسُّد/

ماما: "ما ينفعش يا رهام تكتبي "تجسّد خوفي" في المقالة، لأن المسيح وحده اللي اتجسد."
أنا: "ده صحيح ان الله المتجسد كان في شخص المسيح بس، لكن فعل التجسّد بينطبق على أشخاص ومشاعر وحالات... الخ"
ماما: "لأ، احنا في إيماننا المسيحي بنؤمن ان التجسّد كان ليسوع بس، وما ينفعش يتقال على أي حاجة أو حد تاني انه اتجسد. قولي "ظهر خوفي"، مثلا."
أنا: "باختلف مع حضرتك لأن اللغة العربية كانت موجودة قبل المسيحية، والفعل نفسه نقدر نستخدمه لغوياّ، لكن لو كلامنا لاهوتي بخصوص التجسد الإلهي فهو كان حصري من خلال يسوع المسيح."

كان هذا جزءا من نقاش طويل دار بيني وبين ماما في مكالمة هاتفية، لم تكن أمي البيولوجية، وإنما هي ماما لمئات، بل وأجرؤ على القول آلاف، الشابات والسيدات خلال سنوات خدمتها الطوال كزوجة قسيس مباركة أكنّ لها فائق المحبة والاحترام، حتى وإن كنت أختلف معها في وجهة النظر اللغوية-اللاهوتية فيما يخص استخدامي لكلمة "تجسّد" وتوظيفي لها في إحدى مقالاتي منذ أعوام.

مع مطلع عام 2018 اخترتُ لنفسي شعاراً أتبناه خلال السنة الجديدة وهو مبنيّ على مقولة استوقفَتني منذ مدة ورافقتني لأشهُر طِوال مع مقولات أخرى، إلا أن هذه الحكمة على وجه التحديد أبَتْ إلا أن تعاوِدَني مِرارا وتكرارا في مواقف عدة كنت خلالها بأمس الحاجة إليها:

“Be who you needed when you were younger.”
"كُن الشخصَ الذي احتجتَ إليهِ وأنت أصغرُ سِنّاً."

لازلتُ أذكر عندما قرأت هذه الجملة للمرة الأولى كم من الوقت استغرقتُ في محاولة استيعابها والغوص في معانيها. فقد كانت بالنسبة لي بمثابة السدّ الذي انفتح فأفرج عن مياهٍ متدفقة لم أكن أعي وجودها مُخزّنةً خلفَه. وبدأَتْ تتلاحق الصور في ذهني مع محاولاتي لِلّحاقِ بكثافتها وسرعة جريانها، فما كان بي إلا أن سارعتُ في تصنيفها وترتيبها وفقاً لجدولٍ يحفظ التسلسل الزمني لظهور تلك الأحداث والشخصيات والمواقف في حياتي في الماضي القريب والبعيد.

من ضمن تلك الشخصيات التي استرجَعَها ذهني خانةٌ كاملةٌ مَعنيّةٌ بتسميةِ ودورِ وقالَبِ "زوجة القسيس"، حيث عاد بي الزمن إلى سنوات مدارس الأحد وزوجة الراعي في كنيستي بدمشق آنذاك وكيف كنت أراها وما الذي كنت أراقبُه فيها وأتوقعُه منها وأنا أرفع رأسي لأنظر إليها بقامتي الصغيرة.
مرحلة المراهقة خرجَتْ من الحسبان لأنني كنت خلالها مشغولة بمراقبة إبنة القسيس أكثر من زوجته، وكانت هي تكبرني بعام واحد فقط، لكن في المرحلة الجامعية تبلورَتْ أكثر صورة ُزوجة القسيس في ذهني حيث كنا، ولا زلنا، في سينودس سوريا ولبنان نخاطب زوجة القسيس بلقب "قسيسة" إدراكاً واعترافاً مِنّا بثِقَلِ المسؤولية المُلقاة على عاتِقِها داخل الخدمة وخارجها على حد سواء.
تزامن حصولي على شهادة الدراسة الثانوية عام 1996 وبدء دراستي الجامعية مع عدة أسفار لبلاد ومدن مختلفة تعرفتُ فيها على زوجات قسوسٍ من شتّى الطوائف والجنسيات ابتداء من بيروت، وديترويت، وأتلانتا، وإدنبرة، وجلاسكو، وأوهايو، ولندن، ونيويورك، حيث وإن تنوّعَتْ أسباب السفر وظروفه إلا أن ما كان يوحّدُها كلّها في هذه المدن الثماني هو حضور الكنيسة صباح أيام الآحاد. حيث كنت أختبر غِنى الاختلاف في أشكال العبادة والترنيم والصلاة في كنائس عِدّة، وأتعرف إلى رعاتها وزوجاتهم لتقتصر المعرفة على سلام وكلام بُعَيدَ الاجتماع أو تمتدّ تلك المعرفة إلى وجبة غداءٍ أو قضاء يوم بصحبة أسرة الراعي المهتمة بالتعرف بفتاة مسيحية إنجيلية سوريّة تُمثل بالنسبة إليهم نافذةً لحياة فتياتِ الشرق الأوسط في زمنِ ما قبل الانترنت والعولمة.

Fast forward 10 years
وتمر سنواتٌ عشر لم أكن أعلم خلالها أني سأخضعُ أنا نفسي لذلك الميكروسكوب الإنترناشنال الذي صنعَتْهُ يداي وكنتُ به أراقب كل أولئك "القسيسات" اللاتي خضعن لفحصٍ وتمحيصٍ وتدقيقٍ لا يخلو من إجحافِ وقسوةِ عينِيَ الساعيةَ إلى الكمال. ومع انقضاء سنة تلو الأخرى باتَ لسانُ حالي أشبهَ بالترنيمةِ الميلادية التي أعشقها:
“Mary Did You Know”
حيث قمتُ بالتعديل اللازم:
“Riham Did You Know?”
واستعنتُ بالترجمة العربية البديعة: "هل كُنتِ تعلمين؟"

هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستتزوجين من طالبٍ بكلية اللاهوت سيُرتَسَمُ قِسيساً قُبَيلَ عيدِ زواجكُما الثاني بقليل؟
هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستختبرين أصنافاً وأشكالاً وأنواعاً من الغُربة لم تقرأي عنها في رواياتك وكتبك المُحبّبة ولا شاهدْتِها في الأفلام الرومنسية أو أفلام الخيال العلمي؟
هل كُنتِ تعلمين أنكِ ستقومين بتربية "ابن قسيس" و "ابنة قسيس" مع كل التحديات التي يحملُها ذلك اللقب بين طيّاته؟
هل كُنتِ تعلمين أن صديقاتِ ابنك وابنتك سيغمُرنَكِ بكل المحبة الطفولية الأنثوية التي يمكنُكِ أن تتخيّليها أو تتمنّيها أو تصدّقيها أو حتى تحتمليها؟
هل كُنتِ تعلمين أن شاباتٍ من كنيستك ومن كنائسَ أُخرى سيلجأنَ إليكِ طلباً للمشورة والحكمة لأنهنّ يرَيْنَ فيكِ سيدةً وصديقةً وأختاً كبرى تتمتّعُ بالنّضوجِ والكِتمان الذي يحتَجْنَ إليهِ ليُفضيْنَ إليكِ بأسرارهِنّ فتصطَكّ عظامُكِ خوفاً ورهبةً من عَظَمة المسؤولية؟
هل كُنتِ تعلمين أنه من أحشائكِ سيخرجُ مسيحٌ مُخلّصٌ مادّاً ذراعيهِ ليحتضِنَ صديقةً تئِنّ، ذارفاً دموعَهُ هو من مآقيكِ أنتِ، فتراها هي وتتعزى؟
هل كُنتِ تعلمين أن صديقة أخرى لن تجد أحداً يشاركُها فرحتَها دونَ غيرةٍ أو حسد أو ضغينة سواكِ، فتستبقُ مشاركة الخبر السار بأن تزفّهُ لكِ أنتِ أولاً فيتقافزَ قلبُكِ سعادةً في ضلوعِكِ بكُلّ عفوية وكأنّ الخبرَ يعنيكِ أنتِ؟
هل كُنتِ تعلمين أنك ستُجسّدينَ كلّ هذه الأدوار وغيرها من المسؤوليات والشخصيات التي يحتاجُها من حَولُكِ ليس كاحتياجهم للرفاهيات، وإنما لأنكِ أنتِ، بدرجة أو بأخرى، "فارقة" كل الفرق في حياتهم؟

هل تعلمين؟
سؤالي الأخير هذا موجّهٌ إليكِ عزيزتي القارئة، وإليك عزيزي القارئ. فأنت أدرى الناس بظروفك ومحيطك وحياتك السرية والعلنية.

مع اقتراب احتفالنا بمولد المخلص يوم 7 يناير/كانون الثاني بحسب التقويم القبطي، وخلال هذه الأيام من فصل المجيء أو ما يسمى بالـ Advent  أو The Advent Season  تُلِحُّ عليّ هذه الأسئلة والتساؤلات، فأبحثُ لها عن أجوبة في تأملاتي وقراءاتي وصلواتي. لن أدّعي أني توصّلتُ إلى إجاباتٍ شافية وافية، ففي أغلبِ الأحيان قد لا تكونُ الإجاباتُ هي المهمة، بل الأهم منها هي الأسئلة. حتى وإن لم نجد الجواب الصحيح، علينا أن نبحث عن السؤال الصحيح.

ما هو فعل "التجسّد"؟ وما الذي يعنيه لي أنا شخصياً أن يتغيرَ معنى هذا الفِعلُ من جذورِهِ لمُجرّد أن يرتضِيَهُ الله على نفسه، لأجلي أنا. وكيف يُمكنُني أنا أيضاً أن أكونَ مريم العذراء؟ ليس من باب التضامن والتفهّم "كُلُّنا مريمُ العذراء"، الأمرُ الذي عَهِدناهُ مؤخراً على شبكات التواصل الاجتماعي. بل أن نكون "كلُّنا مريمَ العذراء" بشكلٍ فردي. أن تكون أحشاؤنا من العُذريّة بمكان لأن يتجسّد منها الله ويولدَ في حياة مَن حولنا ليخلصهم من وحدتِهم وحيرَتِهم وتخبُّطهم. أن نعود إلى مقاعد مدارس الأحد الخشبيّة ونصلّي صلاة الأطفال في كل ميلاد: "تعال يا يسوع لتولَدَ في قلبي." ومن ثمّ نقفَ وقفة الكبار ونَعِي أعماق هذه الحقيقة وعَظَمة المسؤولية ورهبة التكليف والتشريف، كيما بعدها نركعَ على إثر ذلك ركوعَ العذراء مريم ونَخضعَ قائلين: "ليَكُن لي كَقولِكَ." فنعيش عامنا الجديد بفعل متجدد للتجسُّد، نُجسِّدُ ذلك الشخص الذي احتجنا إليه عنما كُنا أصغرَ سناً، ويكون عام 2018 عام التجسُّد المتجدِّدِ فينا وبنا ومن خلالنا.




بدون تعليق: هذه شجرة الميلاد في ساحة Rockefeller Center  الشهيرة في نيويورك خلال موسم المجيء في ديسمبر 2017. ويعود الفضل إلى أربعة أشخاص لولاهم لما كنت التقطتُ هذه الصورة أو عرفتُ أن هناك دائماً أملٌ في تذوق لحظات من السعادة المُقطّرة حتى وإن طال الانتظار... شكراً وشكراً وشكراً وشكراً... انتوا بتعرفوا حالكم... وشكراً لشخصين صغيرين تحمّلا غيابي عنهما لأول مرة ولمدة طويلة نسبياً... 

Tuesday, September 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: الكوكتيل

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الكوكتيل/

إن المعضلة التي حيرت عقول الفلاسفة وعلماء الأحياء والباحثين في التاريخ والدين وتكوين الحياة على الأرض هي في صلبها ليست معضلة توقيت زمني، حتى وإن استطعنا أن نجيب على صيغتها التساؤلية: "مين اللي إجا بالأول البيضة ولا الجاجة" فإننا سندخل في دوامة أخرى تذهب أعمق من الزمان والمكان. لنتخيل معا دجاجة تتلقف الحبوب عند قدمي آدم وحواء ثم تنتقل لمكان آخر في جنة عدن وإذا بها قد وضعت بيضة. أو أن نقلب المشهد فنرى أدم جالسا على صخرة في الجنة واضعا خده على كف يده منتظرا آلاف البيض الذي خلقه الله كي يفقس وبعد أن يفقس البيض كله وتكتمل "النيو كولكشون" من الحيوانات غير الثديية يخلق الله لآدم معينا نظيره وتأتي حواء كي تسأله: "هل خلق الله البيضة أولا أم الدجاجة؟"

عندما أفكر بموضوع الانتماء لا يمكنني أن أعزله تماما عن فكرة الهوية، أيهما يأتي أولا؟ هل تبدأ هويتنا بالتشكل في نعومة أظفارنا ومن ثم ينشأ عنها شعورنا بالانتماء؟ أم أن انتماءنا هو الذي يسبق هويتنا؟ مما لا شك فيه أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يحتاج إلى الآخر كي يبقى على قيد الحياة وهذا يعني أن الهوية والانتماء هما من الاحتياجات الأساسية للإنسان ولا يندرجان تحت قائمة الرفاهيات التي يمكن الاستغناء عنها لأن نقصهما ببساطة سيعيق الحياة الطبيعية لأي كائن بشري على وجه البسيطة.

بالنسبة لزوجة القسيس فإن موضوع الانتماء  أمر شائك لا يعي له بالقدر الكافي شعب الكنيسة التي تخدم فيها، أو التي تنتمي لها الآن، ولكن إلى حين. فهم ينتمون إلى نفس الكنيسة ويفترضون أن عائلة القسيس تشاركهم نفس الانتماء اللحظي والقديم في نفس الوقت. لكن الأمر ليس بعذه البساطة.
تولد زوجة القسيس كباقي الإناث المسيحيات، في كنف أسرة تنتمي إلى كنيسة معينة بغض النظر عن عمق انتمائهم لهذه الكنيسة أو التزامهم بواجبات العضوية أو الخدمة فيها، لكنها كنيسة مولدها وفي أغلب الأحيان كنيسة معموديتها أيضا. قد تنتقل أسرتها للعيش في مكان آخرأيام طفولتها فتتغير كنيستهم، وقد تغترب هي في سنوات شبابها فتنتمي إلى كنيسة الغربة لتكون الأخيرة بيتها الثاني دون أن تشعر بأي ذنب تجاه كنيستها الأم، ودون أي حرج في زيادة "كمية" الانتماء لكنيسة الغربة فهي غير مجبرة على الانخراط في صفوف الخدمة أو الاتزام بحضور اجتماعات أيام الآحاد أو أيام الأسبوع. كنيسة الغربة كنيسة اختيارية قد تتغير في اي لحظة حسب "المزاج" لينتهي المطاف بـ"زوجة القسيس العازبة" وقد أنهت سنوات غربتها بعد أن قامت بزيارة كنائس عدة. تعود بعدها إلى كنيستها الأم لتتزوج فيها في الغالبية العظمى من الحالات التي أعرفها والتي أنا من ضمنها.

لا أريد أن يسيء القارئ فهمي فيعتقد أنني أقدس الحجر على البشر، فأنا أعي تماما أن الكنيسة ليست هي الجدران بأساستها المزروعة جغرافياً في المكان الفلاني وإنما هي جماعة المؤمنين المؤسسة على صخر المسيح. لكنني أستخدم كلمة "الكنيسة" بمعناها المزدوج لأنني أؤمن أن التكوين النفسي لشعور الانتماء لدى الإنسان لا يقتصر فقط على الأشخاص وإنما يتجاوزهم ليشمل شعور الانتماء لأماكن بعينها ورائحة بعينها و أزيز باب بعينه ومنظر بلاطة مفقودة بعينها ورائحة قهوة صباحية بعينها، وطعم جبنة متعفنة بعينها، ولحن أغنية أو مقطوعة موسيقية بعينها والكثير الكثير من أمثلة المستقبلات الحسية والوجدانية التي تتكون معها هويتنا.

"مبروك... جالِك قسيس". تتزوج بطلة قصتنا لتنتقل إلى العيش مع زوجها في كنف كنيسة جديدة تماماً، وهنا تبدأ رحلة تكوين لبذرة انتماء جديد في مكان جديد ستجد زوجة القسيس لنفسها فيه أصدقاء في مثل سنها، أو أمهاتٍ أبناؤهم في نفس سن أبنائها، وستجد آباء وأمهات يحتضنونها ويحبونها ويرون فيها ابنتهم المغتربة وهي ترى فيهم أهلها الذين تركتهم، ستجد إخوة واخوات صغار في شتى الاجتماعات النوعية في الكنيسة كما ستجد لنفسها زوجا جديدا هناك، هو يحمل نفس جسد وهوية زوجها الأصلي لكنه سيتغير وينضج ويفرح ويُجرح ويختبر الكثير من صواعد ونوازل الخدمة الرعوية في الكنيسة التي قاده روح الله لها واختار هو أن ينتمي إليها لسنين طالت أم قصرت.

أين المشكلة إذا؟ المشكلة هي أن هذا الانتماء لا ولن يرقى إلى درجة "الحب الأول" فحتى وإن تغيرت انتماءاتنا بسرعة إلا أن هوياتنا لا تتغير من تلقاء نفسها بذات السرعة لتواكب "الشقلبة" بشفافية، وهذا أمر جيد وصحي إلا أنه متعب جدا للفرد أن يشعر بالغربة ضمن جماعة ينتمي لها لكنه لا يجد هويته فيها. إنه أمر متعب أن يعيش المرء مع ذلك الشعور الدائم بأنه an outsider  أو أنه ضيف يجهل مستضيفوه معلومات أساسية عن هويته، ومهما امتدحنا التميز والفرادة وعلّمنا أولادنا دروساً مثل you are special, you are unique  إلا أن شعور الاختلاف المزمن يؤدي إلى حالة انسلاخ عن جماعة يبدو أنك تنتمي لها ولكنك لا ترى نفسك تشبه أيا منهم. تفرح لأفراحهم وتحزن لأحزانهم لكنك عندما تتألم يتوجب عليك تقديم الشروحات والتفسيرات كي تساعدهم على فهم ما تمر به أنت لأن هويتك مختلفة وهي "تؤلمك".

عندما فتكت الحرب بسورية كان أكثر أمر يؤلمني يقوله المعزون المتعبون هو: "مبارك شعبي مصر" بدل أن يتواضعوا ليعترفوا أن مصر كان من الممكن أن تنجر إلى حرب دموية بشعة، يربتون على الريشة المتربعة على رؤوسهم لأنهم مصريون بالميلاد (وكأنهم اختاروا مسقط رأسهم) ويعظونني عن استحالة حصول أي مكروه لبلدهم الذي وإن كان هو بلدي الثاني إلا أنه من المفترض (في رأيهم) الآن أن يكون قد طرد سورية من عرش قلبي ليحتل هو مكانه فتنقلب هويتي التي عشت داخلها عشرين عاما وعاشت داخلي ستة وثلاثون سنة، ولا زالت.

"اللي مالوش خير في حاتم ملوش خير في مصر" جملة شهيرة رددها الراحل خالد صالح في فيلم "هي فوضى"، لم أشاهد الفيلم لكنني أعيش في مصر حيث تنصهر "إفيهات" الأفلام في الحياة اليومية شئنا أم أبينا. وأنا أقول لنفسي "اللي مالوش خير في سورية ملوش خير في أي بلد تانية هايعيش فيها وياخد جنسيتها".

فما هو الانتماء بالنسبة لي إذا؟ هل كوني إنسانة أولا وأنثى ثانيا وشرقية ثالثا ومسيحية رابعا وعربية خامسا وسورية سادسا ومصرية سابعا وإلى ما هنالك من انتماءات لجماعات صغيرة وكبيرة تشمل بعيدا عن تسلسل أهميتها: كوني جرجورية (من أسرة ضخمة هي "عيلة جرجور")  كوني إنجيلية مشيخية، كوني شامية (نسبة إلى الشام أي مدينة دمشق)، كوني ابنة وأختا وزوجة وأما، هل أنا مازلت حفيدة حتى وإن انتقل أجدادي الأربعة إلى الأمجاد؟ هل ما زالت هوية مدرّسة اللغلة الانجليزية على قائمتي حتى بعد تقديم استقالتي؟ هل توقفت هويتي كمترجمة بعد مضي ثماني سنوات على صلاحيتها؟

من أنا؟ ما هي انتماءاتي؟ ما هي هويتي؟

تستخدم اللغة الانجليزية ظرف المكان في الحديث عن الانتماء في معظم الأحيان where do I belong?  إلى أين أنتمي؟ وقد نقضي عمرنا في حسابات وتحليلات فلسفية واجتماعية ونفسية ودينية كي نجيب عن هذا السؤال لكن الطريقة الأسهل للإجابة عنه هي في قابس المشاعر والوعي. هذا القابس يشبه "الزر" لو تم الضغط عليه سنسمع صوتا يقول بسرعة "انتماء" تماماً كزمارة بطة الاستحمام الصفراء المصنوعة من البلاستيك المرن. فننتقل من حالة شعورية إلى حالة وعي وإدراك لانتماءاتنا حتى وإن اختلفت بعض المعطيات والتفاصيل في القصة لكن صافرة الانتماء انطلقت جلية ولمست وهزت وجداننا.

عندما أسمع عن قصة رهيبة لمهاجر سوري وما عاناه من أهوال ورعب وخسائر في  البحر والبر عبر القارات وصولا إلى ملجأه في أوروبا،(مسلم أو مسيحي لا أعلم كما لا أعلم من أي مدينة هو)، "انتماء"، شخص سوري

عندما أتذكر الحادثة المفجعة لباص كنيسة المنيا التانية وحالي يوم سماع الخبر، "انتماء"، مصريون مسيحيون انجيليون

عندما أقرأ كتابا بقلم أم فقدت ابنها ووجدت نفسها في خضم رحلة ألم وأمل، حب وفقدان، "انتماء"، أميركية لديها صبي وبنت

عندما يخبرني زوجي أن ريجيانا تعاني من سرطان الدم، "انتماء"، طفلة من كنيستنا الحالية

عندما أرى صور الدمار الذي أحدثته قذيفة هاون كانت من نصيب الكنيسة الإنجيلية المشيخية بدمشق، "انتماء"، كنيستي الأم، كنيسة معموديتي، كنيسة زفافي

عندما تكلمني أمي لأهنئها وتهنئني بوصول إيمانويل، ابن أخي الثاني (الابن الثاني والأخ الثاني) بالسلامة، "انتماء"، عائلة المهندس عوض جرجور ومدام ليديا، عائلتي

أمثلة لا تنتهي عن أخبار وقصص سعيدة، أخبار وقصص تدمي الحجر، أسمعها وأعيشها فأرى ذلك القابس ينطلق من تلقاء نفسه "انتماء" فأبتهج أو أبكي كرد فعل لا إرادي، عندها فقط أدرك مدى انتمائي لأسرتي ولكنيستي ولبلدي ولديني ووللغتي ولكل الدوائر من حولي. تلك الانتماءات الصغيرة والكبيرة، العفوي منها والطوعي، التي ولدت فيها والتي اخترتها بمحض إرادتي، هاأنذا مع مرور السنين أضع جرعات مختلفة من كل منها في خلاط حياتي فأجدني أستخلص في كل مرحلة كوباً جديداً من كوكتيل هويتي.


بدون تعليق: مهما تذوقت من كوكتيلات سيظل الكوكتيل الأحَب والأقرب إلى قلبي هو هويتي التي أستقيها من تلك الخلية الصغيرة وانتمائي لها بأفرادها الأربعة

Saturday, August 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: البطيخة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/البطيخة/

يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الزواج ضربة حظ، قد تصيب أو تخيب، ويُشبّهه آخرون بالبطيخة التي تحسن انتقاءها وتضع كل خبرتك في عملية الاختيار ومن ثم عند أول امتحان للسكينة تكتشف أن البطيخة "قرعة" بفتح القاف أو ضمها لا فرق.

تلك التشبيهات وإن بدت لنا ساذجة لكنها مع الأسف صحيحة حتى ولو احتاجت إلى بعض التعديلات. فالزواج بالنسبة لي ليس بطيخة واحدة وإنما شاحنة من البطيخ يتوالى تدحرج بطيخاتها لنتلقفها واحدة تلو الأخرى ونكسرها ونتعامل مع النتيجة أيا كانت. في مجتمعنا تعمل الأسر على ملء شاحنة بطيخ لكلٍ من بناتها وخشية من "البخت الوحش" وتفادياً لأي مجازفة تنحت كل أسرة بطيخات ابنتها واحدة تلو الأخرى لتحولها إلى صندوق العجائب فتتنوع محتويات البطيخات ما بين مقاسات المناشف (الفوط) والشراشف (الملايات/المفارش) والملابس والأحذية وحلل المطبخ والستائر والثريات (النجف) والنثريات إضافة إلى الحُلي والاكسسوارات الشخصية كما المنزلية ومكياج الوجه والجسم (دون الروح غالبا) وإلى ما هنالك من أساسيات "جهاز العروس" ومستلزماته الضرورية وغير الضرورية، وما أكثر تلك الأخيرة التي تتربع على عروش بيوت كثيرة لم تمسها يد طيلة سنوات زواج طوال.

لكن فتاة مثلي لم تكن تفكر في الزواج يوماً وسخّرت جل طاقتها واهتمامها في دراستها وبناء شخصيتها مراعية أدق التفاصيل ابتداء من مرحلة المراهقة وحتى إتمامها ربع قرن من العمرحيث كان تركيزها منصباً ليس على عملية البحث عن الشخص المناسب ولكن في معمل الانضباط والنضج لتكون هي الشخص المناسب. مناسب لماذا؟ للزواج؟ ليس بالضرورة، كيان مناسب لأية مهمة ستلقى على عاتقها فالحياة كانت في نظرها أغنى وأوسع من أن نحدّها في إطار هدف واحدٍ أحد وضعته أمهات صديقاتها نصب أعينهن وبدأن بتجهيز بناتهن للحدث السعيد والهدف السعيد وصاحب الحظ السعيد الذي سيجلب "مهرا" يستلم بموجبه شاحنة البطيخ.

لم تكن كلمة "زواج" تتصدر قاموس أسرتي فميزانيتنا المحدودة سخّرها أهلي لشراء آلات موسيقية لأولادهما الأربعة واستثمراها في مدارسنا المختلفة وفي فرص نادرة لرحلات وأسفار وأحلام بحجم قاماتنا الصغيرة في زمن وبلد لم يتمتع في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي بالكثير من الرفاهية على شتى أصعدة الحياة السورية.

لا أعتقد أن الأمر كان بهذه السهولة بالنسبة لأبي وأمي أن تكون أولوياتهما مختلفة كل الاختلاف عن باقي العائلات في مجتمعهما ولكنني أدرك الآن مقدار الحكمة الذي تمتعا به إضافة إلى الانسجام والاتفاق في الرؤية والهدف غالبية الوقت. كل هذا أوصلني إلى يوم زفافي وأنا مدركة أنني سأسافر بعد أيام يقل عددها عن أصابع كف اليد لذا وجدت من المنطقي أن أملأ شنطة سفري اليتيمة بقائمة "رهامية" تماماً على رأسها كتابي المقدس المهترئ وألبوم صور وحذاء قديم مريح وثياب سبق وأن ارتديتها وامتحنتها وأحببتها بعد "عِشرة عمر" فلن أتخلى عنها في لحظات سعادتي هذه فأنظر لها نظرة "بالية" وأستبدلها بأخرى جديدة لمجرد فكرة حُمّى الشراء التي تصيب الفتاة المخطوبة في مجتمعاتنا. كل ما طلبته من أمي هو أن تخيط لي فستان الزفاف بيديها المبدعتين وأن ترفقه بـ"كيس لبنة"! لن تخيط الكيس مثبتا إلى الفستان بالطبع ولكنني كنت أعلم خلو مصر،بلد مستقري ما بعد الزواج، من ذلك الاختراع العبقري من اللبن (الزبادي) المصفى.

كيس اللبنة تربع على عرش مقتنياتي في "مطبخ حُبنا". مطبخ خلا لمدة ست سنوات من أية تجهيزات كالرخامة والخزائن والأدراج فقد اضطررت خلال تلك السنوات الست بما تخللها من خبرة حمل وولادة متكررة إلى الاكتفاء بوجود حوض (مجلى) وبوتاجاز فقط لا غير وكل ما تبقى كان يعتمد على إبداعي في اختراع الحلول واستخراج الأكلات لأسرة بأفرادها الأربعة.

شاحنة البطيخ التي كنت أعمل على مَلئها احتوت بطيخاتٍ من نوع آخر معظم محتوياتها غير مرئية أو ملموسة كما خلى نصفها من أي بطيخ استعدادا لاستقبال حمولة شاحنة العريس، إن وُجد، فقد كنت أنوي عَدّ البطيخ واقتسامه بالتساوي مع شريك حياتي، وفي عام 2004 على أرض محافظة الاسكندرية التقيت به قادماً من القاهرة عند وصولي أنا من بيروت. شاب منهمك مثلي بحفر بطيخة تلو الأخرى وملئها بخبرات الحياة والدراسة والخدمة. لو كان لقاؤنا مشهدا في فيلم رومانسي كانت البطلة ستلاحظ بطيخة تتدحرج من شاحنتها لتصطدم ببطيخة أخرى فتهم إلى التقاط بطيختها في الوقت الذي يلتقط البطل بطيخته هو وتتشابك نظراتهما فتتباطأ حركة الكاميرا وتظهر موسيقى تصويرية عذبة وتتطاير فقاعات من القلوب في الجو!

لكن المشهد في حقيقته كان واقعياً إلى أقصى درجة في بداية رحلة تعارف على طول طريق وعرة زاد من صعوبتها توقيتٌ كان فيه لسان حال كل منا على حدى "آخر همي الارتباط". لتكون تلك صافرة البداية في تعارف غير تقليدي حمل لنا في جعبته الكثير من الضحكات والصدامات في عملية تلاقح ثقافتين مختلفتين ومتشابهتين إلى حد يدعو للدهشة.

لاحظت خلال سنتَي التعارف وجود بطيخة مختلفة في شاحنتي لا أذكر أنني ملأتها بنفسي لكنها ليست فارغة فوزنها ثقيل. كان علي الانتظار سنة أخرى بعد الزواج ليحين موعد امتحان تلك البطيخة فور وصولنا إلى كنيسة الابراهيمية في الاسكندرية لأكتشف أنها بطيخة "زوجة قسيس" وأن الله هو من تكفل بملئها عبر سنوات حياتي في حال اخترت الزواج من قسيس ستكون متاحة في شاحنتي كعلبة المعدات انتقى لي فيها ما يلزمني لمهمة ملؤها المفاجآت والتحديات الجديدة، مهمة لا مكان فيها للحلول الجاهزة والقوالب البالية فأنا بأمس الحاجة لأدوات خلاقة من أزاميل نحت وألوان رسم وموسيقى معزّية وكتب مغذية وأدوية الإسعافات الأولية وكبسولات الفيتامينات وبضعة حبوب من المسكنات! بطيخة كباقي البطيخات لها بُعد الخصوصية لكن في نفس الوقت لا يحلو مذاقها إلا بالمشاركة.

نحتفل في السابع والعشرين من شهر آب/أغسطس هذا العام 2015 بعيد زواجنا التاسع وقد اعتدنا ألا نعتاد على شيء فنحن لا نتبادل الهدايا أو نقوم بأي نشاط مختلف في هذا اليوم لكننا في كل عام نمد أيدينا إلى شاحنة زواجنا نتناول منها بركات جديدة ومفاجآت لم نعِدّها نحن لأنفسنا ولكنها كانت في فكر الله لنا ولأسرتنا الصغيرة منذ قديم الأزل، فالزواج بالنسبة لنا هو عمل شاق واستعداد جاد يبدأ مع نعومة الأظفار لكننا في النهاية رغم كل التحضيرات نواجه أبعاداً جديدة كلياً لم تكن في الحسبان على الإطلاق فنسلّم ونصير نُحمل لأن ما جمعه الله سيصونه بالبركة ويزينه بالنعمة ويضمن سلامة قاربنا على طول الرحلة.


بدون تعليق: سنحاول هذا العام أن نحتفل بعيد زواجنا بأن نقوم بأمر لم نفعله من قبل وهو أن نتناول بعض البطيخ على شط البحر!

Friday, May 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: الانتظار

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الانتظار/

تسعة أشهر مدة طويلة جدا كي تكون فترة الحمل لأنثى الإنسان. هذا ما كنت أعتقده لسنوات طويلة قبل أن أتزوج وكلي أمل أني لو تزوجت يوما ما ورزقني الله بأطفال سيتغير رأيي. وهذا ما حصل فعلا إذ بمجرد أني علمت بأني حامل بابننا الأول وبدأت أيام وأسابيع الانتظار تغير رايي ولكن ليس بالاتجاه الذي كنت آمل فالتسعة شهور بالنسبة لي كانت في الحقيقة تسعة دهور.

نظم الجنين خلال الجزء الأكبر من سكناه رحمي بطولات لا نهائية في كرة القدم والجمباز وتولت لوحة الهرمونات في جسمي مهمة الإعلان عن فعاليات أخرى كالغثيان ونزيف الأنف وخدر الذراعين وانتفاخ القدمين والكثير الكثير من التسالي لتضيف نكهة "اللانهائية" إلى انتظاري. كنت أنتظر بصبر وصول آخر أسبوع في شهر أيار/مايو 2009 لينتهي انتظاري ذاك، إلا أنه عندما انتهى فعلا وتتوج بوصول ابني فوجئت بولادة انتظار جديد، أو بالأحرى سلسلة انتظارات خاصة بهذا المخلوق الصغير الذي وصل إلى عالمنا للتو. أول رضعة، أول تغيير حفاض، أول ابتسامة، أول وجبة، أول سن، أول خطوة، أول كلمة... سلسلة طويلة من حبات اللؤلؤ تتدحرج واحدة تلو الآخرى بفوارق زمنية قد تقصر أو تطول.



لقد كنت يوما ما فتاة تكره الانتظار بكافة أشكاله. أكره انتظار أن أنهي واجباتي المدرسية كي أبدأ اللعب ومع ذلك كنت أحرم نفسي من اللعب فور عودتي من المدرسة لأن الواجبات أهم ويجب إنهاؤها أولا. كنت أكره انتظار موعد درس الموسيقى في ممرات المعهد العربي للموسيقى بدمشق حيث تندمج أصوات الآلات المختلفة الخارجة من خلف أبواب غرف التدريس والتدريب وأنا أنتظر، ومع ذلك كنت أحرص على أن أصل قبل موعد الدرس لأني أكره التأخر وعدم الالتزام.

كنت أكره انتظار انتهاء المدرسين والمدرسات من تصحيح أوراق الامتحانات حتى وإن كنت واثقة من النتيجة الجيدة التي ستحجز لي مكانا على لوحة الشرف بين باقي المتفوقات في المرحلة الاعدادية والثانوية في مدرسة راهبات المعونة الخاصة بدمشق.

دقائق وساعات وأيام تتمطى أمام عيني بكل استفزاز لتعلمني فن الانتظار في سن مبكرة لأنني سأحتاج تلك المهارة حتى آخر لحظة في عمري لذا وجب التدريب المبكر بداية من أتفه الأسباب ومرورا بأحداث كبرى فتحت لي باب الحياة على مصراعيه في خبرات تنوعت ما بين الغربة والعمل والزواج والإنجاب والأمومة حيث أخفت لي كل مرحلة منها تشكيلة خاصة من الانتظارات الصغيرة والكبيرة.

 أنتظر أوراق القبول في الجامعة، أنتظر غرفة شاغرة في مكان سكني في الغربة، أنتظر عملا مناسبا يتفق مع أوقات محاضرات الكلية، أنتظر يوم التخرج وصورتي برداء وقبعة طالما حلمت بارتدائهما، أنتظر عقد عمل يضعني على عجلة الإنتاج بعد عودتي لبلدي، أنتظر دقات لم يألفها قلبي من قبل، أنتظر رؤية خطيبي الذي تفصلني عنه تذكرة طائرة، أنتظر انتهاء أمي من إضافة آخر خرزة في فستان زفافي الذي حاكته لي بنفسها، أنتظر المجهول في بلد جديد وعاصمة ثالثة تلونت غربتها بلون لم آلفه من قبل، أنتظر مغامرات السنوات الأولى من الزواج لأرى اختلافها الشاسع عما قرأت في كتب المشورة وعلم النفس، أنتظر انتهاء مهلة السنتين التي قررناها قبل التفكير في الإنجاب، أنتظر ذلك الخط الأحمر على عصى اختبار الحمل، أنتظر سماع صرخة الحياة إيذانا ببدء سيمفونية بكاء طفل اختار له الله بيتنا كمنزل ومستقر له، أنتظر صورة صبي في عامه الثاني يجلس ناظرا إلى أخته الصغرى نائمة على ركبتيه، أنتظر أياد صغيرة تلوح لي بالزي الرسمي على باب المدرسة صباحا وتعانقني ظهرا، أنتظر أنامل ممسكة بقلم رصاص ترتجف مع كل شخبطة وتصفيق... click here to read about my son's 1st day at school

أنواع الانتظارات لا حصر لها يختبرها صغيرنا وكبيرنا بغض النظر عن الجنس والجنسية لكنني اكتشفت مجموعة انتظارات خاصة بزوجة القسيس لها نكهات مختلفة عن تلك التي تختبرها باقي الزوجات والأمهات:

أنتظر أن يصلنا رد من الكنائس التي طلبت من زوجي رعابتها كي نحسم نتيجة الصلاة والتفكير الطويل لنتخذ قرارا في السفر أو الانضمام لكنيسة معينة.

أنتظر أن يتعرف إليّ أعضاء الكنيسة ويحبونني لشخصي ولذاتي لا لمجرد أنني زوجة فلان أو أم فلان أو الخادمة في الاجتماع الفلاني.

أنتظر أن يتعرف أولادي على أسرتهم الجديدة، أسرة لا يربطهم بها رابط دم أو قرابة لكنها أسرة أراد لهم الله أن يولدوا في أحضانها في سنة معينة ومكان معين وقد يتربون أيضا في كنفها أو كنف أسرة أخرى ننتقل إلى خدمتها.

أنتظر أن يكبر الأولاد قليلاً فأتمكن من العودة إلى صفوف جنود الخدام في الاجتماعات المختلفة وإلى صفوف المرنمين في الكورال وصفوف العازفين يوم الأحد وشتى أشكال الخدمة التي فطمت عليها لكن في بلدين وزمانين مختلفين وكأنهما حياتان أخريان يفصلني عن كل منها سنوات ضوئية من الأحداث والمتغيرات.

أنتظر عودة زوجي من زيارات رعوية وجلسات إدارية ومؤتمرات روحية لأجد نفسي في كل مرة وقد استسلمت تحت وطأة الإرهاق ومسؤوليات الأطفال والبيت أقوم بتفاصيلها منفردة فأخلد للنوم قبل أن أسمع صوت مفاتيحه تداعب قفل باب منزلنا.

أنتظر أجازة أسرية سعيدة نبتعد بها جسديا وذهنيا ونفسيا عن روتين وهموم سنة كنسية ودراسية طويلة وشتاء بدا وكأنه لن ينتهي فنطفئ قابس التشغيل لماكينات أجسامنا وعقولنا ونوقف الزمن ولو للحظة نقضيها نحن الأربعة معا بعيدا عن كل تلك الأثقال التي نجرها على مدار العام.

أنتظر نورا إلهيا يشق السماء وينزل إلي حيث أنا قابعة في ظلام وحدتي الحالك فيصلني بصورة ابتسامة أو ربتة كتف أو كلمة تشجيع تؤكد لي أن الله راض عن تقدماتي وذبائحي وتكريسي وتحملي حساب النفقة.

الانتظار علينا حق، وكل تلك الانتظارات ما هي إلا صور ميكروسكوبية عن انتظارنا الأزلي في شوق إلى ذلك اليوم الذي نستوطن فيه مستقرنا الأبدي مع باري الورى. فالسؤال لم ولن يكون: هل نحن ننتظر؟ وإنما السؤال الحقيقي هو: كيف نستثمر حياتنا أثناء الانتظار؟ 

جميع الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات

Wednesday, April 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: الاعتياد

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/ الاعتياد /

"ما عم أفهم عليكي، مو عاجبك شي، أخدتك على أحلى أماكن بكل نيويورك ومافي أي تعبير أو رد فعل عندك بالمرة" وقفَتْ جملة العتاب تلك معلقة فيما بيننا ونحن نقف معلقين في الطابق رقم 107 من مبنى التجارة العالمي. لم يكن أخي يصرخ في وجهي ولكنه كان محبطاً للغاية فهو وزوجته من قاما بدعوتي لزيارتهما في "التفاحة الكبيرة" عام 2000 وكرّسا لرحلتي كل ما تتطلبه من حب ووقت ومال، وها أنا غير ممتنة أقف كالتمثال على قمة أعلى مبنى في العالم بين الجدران الزجاجية لذلك الدور العلوي أنظر إلى أسفل بوجه خال من التعبير وكأنني أبحث عن جورب في درج خزانتي.

عندما تخيلت شكلي إذا ما نظرت إلى نفسي في المرآة أدركت ما قاله أخي وعرفت السبب: "أنا مو فهمانة شي، عقلي ما عم يستوعب" حالة الذهول تلك تصيبنا عندما تعجز أدمغتنا عن هضم المعلومات المرسلة إليها، فها هي السيارات تحت أقدامي تبدو كعلب الكبريت والناس بالكاد يمكن رؤيتهم كالنمل الذي يتحرك في فيلم بالتصوير البطيء، نقط سوداء تتقارب وتتباعد أشبه إلى الخيال منها إلى الحقيقة، فأنا كنت هناك في الأسفل منذ بضعة دقائق قبل أن نركب مصعدين مختلفين وأشعر بالضغط يحدث طقطقة في أذني فأحاول إقناع نفسي بأن المشهد واقعي وغير "مفبرك".

كنا قد زرنا في اليومين السابقين تمثال الحرية حيث صعدت إلى تاج التمثال ورأيت روعة "ستاتن أيلاند" من شباك في أعلى السلم الحديدي الضيق الذي يتسع لشخص واحد فقط، ضيق المكان والنقص الحاد بالأوكسيجين كاد أن يخنقني حرفيا لكنه جعل حواسي يقظة تتلقى المعلومات على جرعات. ثم زرنا مبنى الـ"إمباير ستيت" الذي كان أعلى مبنى في العالم سنة 1931، الفارق ما بين البارحة واليوم أنني من شرفة الطابق السادس والثمانين في المبنى الأول نظرت إلى أسفل وقلت "وااااااو" فقد كان علوه ورهبة المنظر من الشرفة المتفوحة مع برودة وسرعة هواء شباط/فبراير تندرج ضمن ما يمكن لعقلي أن يستوعبه ودخلَت هذه المشاهد حيز إدراكي فاستمتعتُ بجمال المنظر وامتصّتهُ حواسي كالإسفنجة.

عندما فهم أخي كل هذا عرف أنني ممتنة لهديته هو وزوجته فهي فرصة رائعة قد لا تتكرر في حياتي لأن قضاء أسبوعين كاملين في نيويورك وتحديدا في منهاتن لهو حلم لم يجرؤ خيالي أن يضيفه إلى قائمة أمنياتي، مدينة مجنونة بكل ما فيها من تنوع وازدحام ومترو وألوان وشهرة. عندما انتهت زيارتنا لِما يسمى "قمة العالم" وعند مغادرتنا المكان قدّمَتْ لنا موظفة الاستقبال صورة التقطها لنا المصور أثناء الدخول فهو يفعل هذا مع كل الزوار كي يكون لهم الخيار في شرائها عند المغادرة لكن الصورة لم تعجبنا وأحسسنا أنها لا تستحق المبلغ المطلوب. لم نكن نعلم آنذاك أنه بعد سنة من الزمان سيُمحى هذا المبنى ويُسوى في الأرض وإضافة لآلاف الأرواح التي ستخسرها البشرية، سنخسر نحن فرصة تكرار تلك المغامرة أو حتى الاحتفاظ بصورة تذكارية لها. لكننا احتفظنا بلحظة صدق فهِمنا خلالها كلانا لُبّ المشكلة وهذا ما ساعدنا في الأيام التالية على استقبال المعطيات قطرة قطرة ما لبث بعدها أخي أن يعلن لي أنني غدوت قادرة على التجوال في المدينة بمفردي وأطلقني لأقضي أيامي في التخطيط والتحرك مستخدمة شتى أشكال المواصلات المتاحة تنقلني ما بين المتاحف والمسارح والحدائق وكل ما يخطر ببالي من مغامرات نيويوركية لن تمحى من ذاكرتي.


بعد خمسة عشر عاماً وجدت الموقف ذاته يتكرر ولكن بصورة مختلفة هذه المرة فخالتي التي تعيش في دمشق تطمئننا عنها كل فترة وتحكي لنا أهوال الحرب هناك، فمن بيتها في القصاع يمكنها سماع القذائف وأصوات الاشتباكات الحاصلة في ضواحي دمشق وخاصة منطقة جوبر لقربها من ساحة العباسيين وكم من المرات التي كنت أكلمها بها عبر سكايب وأرى صورتها تحدثني فأسمع صوت قذيفة أو انفجار أظنه اصطدام أوعية في المطبخ لأرى اللون يختفي من وجه خالتي فتشرح لي أنها قذيفة ويبدو أنها قريبة جدا هذه المرة. حاولت مرات عدة أن أفهم طريقة حياة السوريين تحت رحى الحرب لكنني عجزت، فحالة التأقلم تلك والتعايش مع الخوف والموت حالة غريبة عني لم أجربها من قبل فهي تفوق إدراكي ولكنها باتت الطريقة الوحيدة للحياة بالنسبة لخالتي ولملايين السوريين. بعد أن امتد النزاع شهورا تحولت إلى سنوات وصلت إلى الأربع، بات من المحتم على خالتي وخالي وعمي وأصدقائي والجميع أن يعيشوا حياتها بشكل شبه عادي رغم كل ما يحدث من حولهم.

في صباح إحدى العواصف شديدة البرودة في الاسكندرية وبعد أن أعددتُ حقائب أولادي وملأتها بالطعام ومستلزمات المدرسة والحضانة قررُت أن أبقيهم في المنزل فالجو شديد البرودة في الخارج ومن الأفضل ألا نخاطر، ثم فكرتُ بخالتي وكتبت لها رسالة على الفيسبوك لأطمئن على صحتها "ماشي حالكون خالتو ماري بهالبرد والتلج بالشام؟... الله يحميكون" قرأتُ تلك الكلمات مرة أخيرة قبل أن أضغط زر الإرسال وضحِكْت. رسالتي جاءت بعد بضعة أيام لم أطمئن خلالها على خالتي، فوجدتُني أكتب لها عن الطقس لا عن الحرب! الطقس أمر أفهمه وأقول عنه "واااااو" أما الحرب فأرمقها بنظرة بلهاء خالية من التعبير لأنها تفوق إدراكي.

أنا أعرف أن تساقط الثلوج في دمشق أمر محبب لكن الاستمتاع يستمر يوماً واحداً إذ أن الثلج الطري الذي يُحدث صوت قرمشة محببة تحت أقدامنا سرعان ما يذوب خلال النهار ويتجمد ماؤه خلال الليل ليصحو الدمشقيون على شوارع زلقة وأرصفة خطرة كساها الصقيع بطبقة كريستالية غير صالحة لحركة السيارات أو السير على الأقدام فتمتلئ غرف طوارئ المستشفيات بحالات الكسور جراء الانزلاق والسقوط أرضاً إضافة إلى الإصابات الأخطر خاصة إصابات الرأس التي تؤدي إلى نزيف في الدماغ وما إلى هنالك من تداعياتٍ لثلج فرحنا لحظة هطوله فقط والتقطنا صوراً لدمشق البيضاء. سيناريو ألِفتُهُ في مدينتي منذ الصغر، أما تلك المسماة حرباً فأنا لا أعرف أبجديتها بعد، حتى وإن اجتاز آخرون كخالتي دروس محو الأمية فأنا لا أزال على جهلي واندهاشي.

الاعتياد على الحرب أمر أستغربه، فالأمور الكبيرة الصادمة، سواء السلبي منها أو الإيجابي، يجب أن تبقى صادمة لنا تجلب حزناً عميقاً أو تحمل فرحاً غامراً، أما أن نعتادها فهذا أمر محزن. أن نعتاد الحرب أمر محزن لأنه بعيد كل البعد عن المجرى الطبيعي للحياة، كما أن اعتياد مغامرات الحياة أمر محزن فهو يفقدنا لذة الاستمتاع بطعمها.

في هذه الشهر من عام 2015 نحتفل بعيد القيامة وهو ذكرى انتصار المسيح على الموت ليعطينا رجاءً في حياة أبدية ويقيناً بأن موتنا لن يكون نهاية القصة فهناك عزاء وهناك بقاء. البقاء لله في حياتنا على الأرض ولكن عندما نصل محطتنا الأخيرة فهناك لن يكون موت لأوراح أبدع الخالق في تكوينها وقصد لها أن تدوم إلى الأبد فلا تعرف الفناء طالما هي برفقته. هل هناك ما هو أروع من هذه الحقيقة التي نؤمن بها؟ ومع ذلك فقد اعتدناها وباتت أمرا مُسَلّماً به نضعه على رفوف حياتنا إلى أن يموت شخص عزيز فنُنزِلُ ملفّ الأبدية من على الرف ونتصفحُهُ لنجد فيه عزاءً لقلوبنا المتألمة ثم نغلقه ثانية ونعيده إلى مكانه. نشاطٌ تكرره عائلات مسيحية كثيرة بين الحين والآخر لكن عائلة القسيس تكرره أضعافاً مضاعفة، إذ أن وفاة أحد أعضاء الكنيسة قد تعني الكثير لأسرة الراحل ويقل معناها بالنسبة لآخرين عرفوه من بعيد، لكن القسيس ليس عنده تمييز، فالجميع هم أسرته، الكنيسة بأسرها هي عائلته الكبيرة الممتدة إلى كنائس أخرى ومحافظات عدة وبلدان مترامية الأطراف.

إذا كنا مضطرين على اعتياد  الألم كي نتمكن من الاستمرار في الحياة على مضض ونحافظ على صحتنا العقلية والنفسية  فصلاتي ألا نعتاد القيامة لكي تبقى هي الخبر السار لنا صباح العيد، كما في ذلك صباح كل يوم عند شق الفجر باكر نركض كالمريمات، تمرينات رياضية صباحية مفيدة لأجسامنا، حاملات الطيب ولكننا على خلافهن نعرف ماذا ينتظرنا "صباح الخير... ربي وإلهي" إذ لنا فيه حياة ولنا معه يوم جديد.

قد نركض باكيات في بعض الأيام وعندها سنضع إصبعنا في يديه وفي جنبه لأنه صباح مظلم نعاني فيه من حزن أو شك أو اكتئاب لكن ذراعاه ستكونان ممدودتين في انتظارنا مستعدتين لاحتضان شكوكنا. قد نركض ضاحكات في أيام أخرى نجتر سعادة يوم سابق حمل لنا أخبارا سارة عن أحباء لنا فنرتمي عند قدميه نطبع عليها قبلات الامتنان.

صلاتي في أول أيام شهر نيسان/أبريل ألا نكذب على أنفسنا ونقول لها بأن القيامة أمر عابر بل أن نهديها هدية الصدق بوعد قلبي ألا نعتاد القيامة بل أن نردد ترنيمتها مع كل صباح "إلهي حي".

جميع الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات

Wednesday, December 31, 2014

مذكرات زوجة قسيس شابة : العيد

مع غروب الشمس في مصر وسوريا ينتهي يومنا وتبقى أمامنا  ساعات نختم بها عاما انصرم بكل ما حمله لنا وصار في عداد الماضي ونستقبل عاما ذو صفحات بيضاء تخفي في جعبتها الكثير من "المكتوب" بالحبر السري ... الكثير لا يزال غير مرئي لنا... ولكن إلى حين
في هذه الساعات تغزوني مشاعر وأفكار لا أجد لها رفاهية المساحة التي تستحقها فآثرت الرجوع إلى هذا المقال

إنه المقال الثالث من سلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة" تم نشره في مجلة "أعمدة الزوايا" التابعة لسينودس النيل الإنجيلي في عدد ديسمبر 2014 أتمنى من خلاله للجميع عاماً جديداً بكل ما تحمله الكلمة من مفاجآت

قصاصات وقصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.


مذكرات زوجة قسيس شابة
/العيد/

" السنة دي دور أهلك ولا أهلي نعيد عندهم؟" تلك الجملة المتكررة في كثير من الزيجات لا تجد لها مكاناً في بيت القسيس إذ أن الغالبية العظمى من القسوس يخدمون في قرى أو مدن أو بلاد غير تلك التي نشأوا وترعرعوا فيها هم وزوجاتهم, وبالتالي تعاني أسرهم من الانسلاخ عن العائلة والأصدقاء والمكان المألوف، وفي العيد تتفاقم هذه الحالة من الشوق والحنين خاصة بالنسبة لزوجة قسيس مثلي نشأَت في كنف عائلة كبيرة كان العيد فيها أقرب إلى المهرجان بطقوسه وذكرياته التي كنا نكررها بالحرف الواحد وكأنها "شريعة مادي وفارس".

بعد زواجي صرت أتمنى لو يحصل أولادي على ذكريات مشابهة لذكرياتي وبدأت أشعر بالحسرة لاستحالة الأمر. لكنني سرعان ما حولت تلك الحسرة إلى "مشروع نهضة" وقررت أن أخترع نشاطات خاصة بأسرتي الصغيرة نكررها فتتحول إلى تقاليد سنوية ومن ثم إلى ذكريات سعيدة.

أول تقليد سنوي بدأت به هو الصورة العائلية كل عيد ميلاد، نرتدي خلالها ثياب العيد قديمة كانت أم جديدة لا يهم، المهم أننا في خضم الزحمة والضجيج الذين انتشرا حول العالم واقترنا بميلاد طفل المذود نتلقّف لحظة سعادة فنحولها إلى صورة هادئة صامتة تحكي بعلو الصوت عن سلام الميلاد وفرحه الذي نعيشه في أسرتنا.
ثاني تقليد هو مسرحية الميلاد التي انتظرت إلى أن يكبر أولادي قليلا ويزداد وعيهم وفهمهم لقصة الميلاد ليتمكنوا العام الماضي من تمثيلها أمام جمهور لا يتجاوز عدده أصابع اليد الواحدة. مسرحية "مهضومة" بطلها يوسف بأعوامه الأربعة والنصف ومريم التي تصغره بعامين يرتديان أزياء حاكتها لهم تيتا ليديا التي لم تنس أن تجهز زياً للطفل يسوع أيضا.

ثالث تقليد هو شجرة الميلاد، فبعد سنوات من الاكتفاء بشجرة "ميكروسكوبية" كانت رفيقتي في سنوات غربة الدراسة الجامعية قررنا العام الماضي شراء شجرة أكبر وجدت فيها إحياءً لتقليد أسري حافظ عليه أبي وأمي لسنوات طوال إلى أن غيّبَتها عنا طبول الحرب في سوريا. كنا كل عام نذهب إلى المشتل لاختيار شجرة طبيعية ننقلها إلى البيت فيفوح منها عطر الصنوبر ويملأ أرجاء المنزل برائحة ميلادية لاتزال تدغدغ أنفي. كانت تلك الشجرة بعد تزيينها شاهدا لاحتفالاتنا وللأمسيات التي تجمعنا حول البيانو بينما أخي يعزف ونحن نرنم ترانيم الميلاد التي حفظناها عن ظهر قلب فيرن الصوت في أعالي بيتنا بأناشيد السرور عن رحمة الله الغفور. مع انتهاء العيد كل عام كنا نزرع أشجارنا تلك في الـ "ضيعة" ونسعد اذ نراها تكبر كلما زرنا قرية أجدادنا. لم أتبع الوصفة بحذافيرها في الاسكندرية فشجرتنا بلاستيكية نزينها مع منتصف شهر ديسمبر، والسبب في الموعد المبكر هو التقليد الرابع.

جاء هذا التقليد من حقيقة أن الانجيليين في سينودس سوريا ولبنان يعيدون وباقي مسيحيي البلدين وفقا للتقويم الغربي يوم 25 كانون الأول / ديسمبر وفي سينودس النيل يأتي الميلاد يوم 7 كانون الثاني / يناير. أما في منزل القس مايكل أنور فهناك عيدان للميلاد يفصل بينهما أسبوعان ويوم رأس السنة والعديد من ترانيم كتاب نظم المزامير وترانيم فريق الحياة الأفضل وأغاني الميلاد لحواديت الخضروات باللغة الإنجليزية نرددها بصحبة فيليب ويانا يوميا مع النشاطات الكنسية التي نحرص كأسرة على المشاركة في الإعداد لها والاستمتاع بها فنصل إلى نهاية الموسم المجيد وقد انتهى العيد بتقاليده وطقوسه ولكن ذكرياته لم ولن تنتهي، نجترّ السعيد منها لنقتات عليه طيلة شتاء اسكندراني بارد وماطر متمنين للجميع عيد ميلاد مجيد مصلين أن تقطر سنة 2015 دسماً وخيراً وسلاماً ومسرة، سنة تكللها البدايات الجديدة فنحيك لعائلاتنا أحلى الذكريات في العيد.







جميع  الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات