Showing posts with label deepish. Show all posts
Showing posts with label deepish. Show all posts

Wednesday, July 11, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: الكهف

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الكهف/

تحية إمتنان وشكر لكل الغواصين وعُمّال الإغاثة اللي يومًا ما انتشلونا من الكهف...
كام مرة لقينا حالنا ضايعين جوا كهف... ومنسوب الدموع عم يعلى ويعلى حتى اتحبسنا وما عدنا عارفين نطالع حالنا...
هونيك... جوا... جوا... بالعتم والرطوبة والسكون المشبوه، لما أبسط صوت بيتحول لضجيج مرعب...
هونيك... جوا... جوا... فقدت الاتصال مع الناس وبعِدت لدرجة بطّل فيني أبعت حتى كلمة أو إشارة أو نداء استغاثة ...
هونيك صليت وقلت: يارب... يارب حدا يحس بغيابي ويجي ورايي يدور عليي ويلاقي حذائي ودراجتي ع باب الكهف...

أكيد في ناس كتير مرّوا من جنب باب الكهف... طب ليش ما سألوا عليي؟

يمكن لأنهم فكروني مو محتاجة مساعدة، لأني دخلت بإرادتي، بمزاجي، وكامل قوايي العقلية... والنفسية...

يمكن فكروني أنا مقررة كون لحالي، عم يحترموا خصوصيتي، والوقت الإنفرادي تبعي... وبكل حسن نية، حاشاهم يكونوا متل الكاهن أو اللاوي ولا حتى السامري الصالح، قرروا يكونوا موضوعيين وواقعيين وما بدهم يزعجوني بحشريتهم أو تدخلهم، لهيك تاركينني على رواق...

يمكن فكروا الموضوع مو مستاهل، هي مغارة صغيرة مو كهف، وأنا لسا طفلة، لسا مراهقة، لسا طالبة جامعة، لسا متخرجة جديد... لسّا ولسّا ولسّا... ما شفت شي من الدنيا حتى كون عالقة بكهف ومحتاجة مساعدة... بكّير على هيك هموم... هدول الناس أنضج مني وأكبر مني وشايفين وضعي طبيعي وبسيط، بالعكس، شايفينه ضروري مشان أتعلم دروس رح تفيدني بالمستقبل لما ساعتها بقا يجد الجد... مو هلأ... قايسين كهفي على مقاييسهم وطلع في الموازين إلى فوق... قاسيين عليي بموقفهم وبإنسحابهم ومستخفّين باللي أنا فيه...

يمكن ما فكّروا من أساسه... هني مرّوا مطاطيين راسهم وشافوا حذائي مو لأنهم عم يدوروا على شي ع الأرض، هني كتافهم محنية من كتر الهموم... مرّوا مشغولين بحياتهم ومشاكلهم ودنيتهم... مو ناقصين هَمّ زيادة...

بس في ناس وقفوا... بكل "فصل" من فصول حياتي كان في ناس بتوقف... وبتسأل: هاد حذاء مين؟ أو بتعرف ان هاد حذاء رهام، هل هي بخير يا ترى؟
في ناس خلعت حذاءها احترامًا لقدسية الأرض جوا كهفي... وفاتت ورايي تدور عليي وتنادي إسمي...
في ناس حسوا إني طوّلت بغيابي هالمرة وبعتوا ورايي حدا بيعرف المنطقة، حدا مختص، حدا متمرّن، حدا متواضح رح يوطي راسه عند باب الكهف ويدخل من الطريق الأضيَق والأكرَب...

هدول الناس... في منهم اللي كمّل بحياته وما عدنا كتير على اتصال بس لساتني حاملة البصمة اللي تركها بمرحلة كتير حساسة وحرجة من حياتي أنا، حساسية المرحلة ضاعفت من الاحتياج بهداك الوقت وبالتالي ضاعفت من المفعول الإيجابي ومن عمق بصمته وجمالها... وفي منهم اللي لسا محتاجته بهاد الـ"فصل" الحالي بحياتي، وقد ما كابَرت ورفضت وادّعيت اني مو محتاجته، باسمع صوت صدى أفكاري عم يتردد على حيطان الكهف ويطلب المعونة...

يا ترى شو كهفِك اللي انت علقانه فيه حاليًا؟ هاد هو السؤال. صارلِك كام يوم عم تتفرجي على الأطفال ومدرّبهم بتايلاند وعم تتابعي أخبارهم انت وعم تقولي لحالك: أنا كمان محتاجة حدا يساعدني، يمكن مو لدرجة انه يضحّي بحياته ويموت متل واحد من الغواصين اللي زميله سحبه غايب عن الوعي بآخر رحلة الـ 6 ساعات وهني عم يوصّلوا أوكسيجين للأطفال، وللأسف ما استعاد وعيه وما صحي... بس على الأقل أنا محتاجة غواص يحاول، محتاجه يبعتلي تطمين: أنا شايفِك، أنا مهتم لأمرِك، أنا رح حاول ساعدِك، انتِ مانِك لحالِك، انتِ مهمة وبتستاهلي وقتي واهتمامي وتواجدي معِك... يمكن تكوني محتاجة فريق ويمكن محتاجة صديق، انتِ اللي فيكي تحددي موقعك بالكهف وتستنجدي بفريق إغاثة كامل ومُجهّز أو تتصلي بصديقة تفضفضيلها وتطبطب عليكي...

يمكن يكون السؤال بالنسبة إلك مختلف شوي، ما عم تسألي حالك: "شو كهفي؟"، عم تسألي حالك: "شو دوري؟" يمكن شفتي حذاء، يمكن سمعتي نداء، يمكن إحساسِك من جوا عم يأشّرلِك على حدا معين ويقولِك: فلانة مو على بعضها، يمكن محتاجة مساعدة، يمكن محتاجتِك انتِ تحديدا. حتى لو مانِك حاسة حالِك عندِك هالشي العظيم اللي ممكن تقدميلها اياه، بس اللي أكيد عندِك هو قلب يحب وأدن تسمع وإيد تلمس، هدول كنز لو انحطوا مع بعض بيعملوا مثلث برمودا فيها رفيقتك ترمي جواته همومها فتختفي وتتلاشى... ولو لقيتي ان رفيقتك همومها أكبر من هاد المثلث اللي عندك، فانت عندك شي رابع هي محتاجته، عندك كتف قوي تقدري تحطيه جنب كتفها، ومشاكلها اللي أتقل من انها هي تشيلها لوحدها صرتوا متشاركين بشيلتها... ونياله كل مين عنده كتف جنب كتفه يشيل معه مسافة، طالت أو قصرت، على طول هالدرب...



بدون تعليق: أول مرة باكتب مقال بسلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة" مو بالفصحى، ما فيني قول اني اخترت العامية (السوري) بقرار واعي، الحقيقة ان هي اللي اختارتني وهيك كان المقال مكتوب براسي وهيك طلع، طبعا كان فيني "ترجمه" بس خليته متل ما هو.

وأول مرة بحط صورة مو أنا اللي مصورتها، لهيك مافي عليها توقيعي لأنها لا تصويري ولا رسمي أنا. هي فنانة (مو أكيد، يمكن تطلع صبي) رسمت عمليات الإغاثة في لوحة رائعة فيها مجموعة حيوانات كل واحد منهم رمز لشخص أو مجموعة أشخاص، والرجل الحديدي هو الملياردير إيلون مَسك.
فرق الإغاثة بحسب جنسياتهم كانوا كالآتي: الأسد فريق الإغاثة البريطاني، الكنجر هو الأسترالي، الباندا هو الصيني، النسر هو الأميركي... الخ / الضفادع رمز كل الغواصين / التنين رمز للمهندسين وعمال الحفريات ومضخات تفريغ المياه / الطيور رمز الميديا...

Thursday, March 8, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: البطلة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/البطلة/

المشهد الأخير... تنقله إليكم الشاشات بنقاء عالٍ HD  لتعيشوا الحدث لحظة بلحظة...
عندما تسقط البطلة... رحلة الأسيرة الأخيرة... ساعات ما قبل الإعدام...


دعوني في البدء أقترح عنوانا بديلا للمقال قد يجده البعض مناسباً أكثر:
مذكرات زوجة قسيس كافرة
/اليسوعة/

اختيار هذا التاريخ على وجه التحديد لتنفيذ حكم الإعدام في اليوم العالمي للمرأة، له دلالات عدة، أهمها أن تكون هذه "البطلة" عبرة لمن اعتبر، فيشهد الثامن من آذار/مارس 2018 نجاح حملة "كم الأفواه" لبثّ الرعب في نفوس كل الإناث اللواتي تسوّغ لهن أنفسهن – وألسنتهن وحساباتهن الإلكترونية – على التفوه بالحقيقة، وبالتالي يمتنعن عن ذلك...

تُثار التساؤلات كغيمة غبار تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي:
هل حقاً وقعَت البطلة في الأسر؟
أم أنها هي التي سلّمت نفسها طواعية للسلطات... الغير معنية؟
هل يحق للأبطال الإستسلام؟

يمشي شريط الأسئلة أسفل الشاشة ليقرأه المشاهدون وهم يتابعون البث المباشر.
لا تخلو الجماهير من زمرة قليلة جُلّ ما يعنيها هو كون الأسيرة امرأة هذه المرة ولا بد للثياب الممزقة من أن تكشف عن أنوثة تلعقها عيونهم الجرباء، لكن نسبة كبيرة من المتفرجين يرون الأكبال وكأنها أساور وخلاخيل تجمّل الأسيرة وتزين معصميها ورسغيها، والبقية الباقية هم الأغلبية الواقعية التي تتأمل لون الحديد الصدىء تنساب من فوقه دماء طازجة بأحمرها اللامع في عز شمس الظهيرة...
صوت قرقعة السلاسل بإيقاع سير الأسيرة البطيء يتردد صداه عبر فضاءات السوشال ميديا مرفقاً بهاشتاج #أيقونة_الحقيقة بهدف السخرية من البطلة إسوة بهاشتاج عمره آلاف السنين #ملك_اليهود، فقد عجز الجنود الرومان آنذاك، وسجّاني الفكر في يومنا هذا عن إدراك نفور البطل (أي بطل) من الألقاب، بما فيها لقب البطل/البطلة. لكنها الخدعة التسويقية التي تساعد في تكاثر أعداد المتابعين وتزيد سرعة انتشار الخبر كالنار في الهشيم وتدفع بالعيون المذعورة والأصابع المرتجفة إلى الضغط على المثلث المائل فيبدأ تشغيل الفيديو لنقرأ في مُستهلّه جملة تحذيرية: "هذا الفيديو يحتوي على مشاهد عنف لا تناسب أصحاب القلوب الحساسة"... جملة لن تُثني أحداً عن المشاهدة، فالإنسان بطبعه مخلوق فضولي، سيضاعف فضولَه استخدام كلمة "بطلة" ويا حبذا لو صاحبتها كلمة صادمة لتكوين عنوان رنان: "سقوط البطلة"...

كتعطش مصاصي الدماء لغرز أنيابهم في جسم الضحية، يغرز الفضوليون أنوفهم ليشتمّوا الرائحة اللاذعة لما أسموه "فضيحة"... بينما في مكان آخر... في عُلّيات مُغلّقة، تجتمع الركب والأسنان المصطكّة رعباً، حيث أحكمَت التلميذات المختبئات إقفال الأبواب والشبابيك خوفاً من تعرضهن للإعتقال وتلقّي ذات المصير...

التهمة: سؤال
نَصّه: ماذا لو تجسد الله في جسم إنسان أنثى؟

كانت الصياغة الاولية لهذا السؤال نابعة من عفوية وبراءة تفكير ابنتي بُعَيد عيد ميلادها السادس: "هو ليه يا ماما في يسوع ومفيش يسوعة؟" عجزتُ يومها عن الرد، إلا أن الفكرة سكنتني كالمرض العضال الذي تظهر أعراضه بصورة تساؤلات وتهيؤات تعاودني كلما وجدَت لنفسها شرارة جديدة كأن أنظر إلى السماء فأرى الغيوم وقد اصطفت ليكتب بياضها: #Me_Too  إلهي حي، ويقول لي أنه يشعر بي...

هل هذه حقيقة؟ أم أنها وهمٌ تمنّيته بالشدة الكافية إلى أن تحول إلى حقيقة؟
إذا كان يسوع الإنسان قد عاش ذكراً في الجسد، فكيف يمكنه أن يفهمني أنا الإنسان الأنثى في الجسد؟
هل حقاً أنه يشعر بي، وأنا بداخل جسم امرأة؟
هل يتّحد معي في إنسانيتي، في جسدي، ليس كخالقه بل كمرتديه وساكنه؟
هل يلبس جلدي في نعليه ويمشي به ميلاً، طواعية، دون أن يسخّره أحد؟
هل سار فعلا على الأرض مثلي؟ أنثى في شارع ذكوري...
هل حمل عاري؟ عار أنثى، معيوبة لمجرد كونها أنثى، وكأن الأمر بيدها، صوتها عورة، وكينونتها عيب العيب...
هل ذاق طعم مخاوفي؟ مخاوف أنثى تنتفض عندما تنقضّ عليها المخاوف كالضباع...

هل كان جسده الذكوري كجسدي؟ يمكنه أن يحتوي نار الحب دون أن يكتوي بها... يمكنه أن يتلوّى من الألم بداخله دون أن يعتلي وجهَه أي تعبير... يمكنه أن يحبل ويلد ويُرضع أفكاراً كنسل إبراهيم بعدد رمل البحر ونجوم السماء... يمكنه أن يسقي سنيّ عمره دمعاً وقطرات عرق نازلة كالدماء مع آخر كل نهار ومع مطلع كل فجر يختم ليلة طار نومها... يمكنه أن يحيك مشاعره شبكة تسافرعبرها الأحاسيس بسرعة الضوء فتزيد زينتها جمالاً وتقعيداً وتحولها إلى فخ يصطادني ويوقعني فريسة في شرك المشاعر المتشابكة المعقدة...

ماذا لو كان الله قد اختار في ملء الزمان أن يتجسد في صورة ذكر لكنه عبر العصور والأزمنة يختار مراراً وتكراراً إناثاً ليشرّفهن بأن تتجسد أفكاره وحبه وحقه وحريته وحضوره من خلالهن؟ يدعوهن ليعرفن الحق والحق سيحررهن... يعرفن الحق ويعشن الحقيقة...

دفعَت بي سذاجتي في بادئ الأمر إلى أن أتفوه بالحقيقة علانية وأفضح أكاذيب طالما سكتنا وتعامينا عنها وتناقلناها عبر الأجيال... رفعتُ صوتي إسوة بإناث أخريات فعلن هذا في مجتمع ولغة مختلفين، بينما كنت أتخيل مشهداً سعيداً للحرية تهبط كأسراب الحمام تحطّ كل حمامة منها على كتف إحدى الإناث "البطلات"، وعند وصول حرّيتي أنا سمعتُ الصوت المنتظَر: "هذه ابنتي الحبيبة التي بها سررت."

لكن تخيلاتي اصطدمت بالواقع الزمني والمجتمعي الذي أعيشه وإذا به يعيدني إلى مشهد الإعدام حيث سُلّطَت مكبرات الصوت على أفكاري وفاجأني سماعها:

"أنا لستُ بطلة... لم أُرِد يوما أن أكون بطلة، لم يُغرِني الوشاح الخارق والشعار الخاص والإسم الحركي وأضواء الشهرة... فالأبطال دائماً يدفعون الثمن، فقط في أفلام الرسوم المتحركة نرى النهاية السعيدة للبطولات مع خاتمة الفيلم حيث تنكشف الأكاذيب ويعلو صوت الحقيقة ويعيش الجميع في سعادة وهناء...

ماذا لو أمكنني تقاسم العذاب مع أخريات، هل سيقل نصيبي من الجرعة؟
ماذا لو تم الإعدام بسرعة، رمياً برصاصة رحمة؟
ماذا لو ولِدتُ في عصر مستقبليّ، كان جلّادوه أكثر رفقاً؟"

عندما أدركتُ أن الملايين قادرون على سماع أفكاري، نظرتُ إلى الشاشة العملاقة وقد كتب أسفلها: "الكلمات الأخيرة للأسيرة" فسمعت صوتاً ما في داخلي أقرب إلى الأنين منه إلى الكلام العادي، وقبل أن أتمكن من تمييز الجملة، قرأتها مكتوبة على الشاشة:
"يا أبتاه، إن أمكن، أن تعبر عني هذه الكأس..."


بدون تعليق: هذه القصة من نسج الخيال، وأي تشابه بينها وبين الواقع هو محض صدفة لا أكثر... أما بالنسبة للصغيرات اللواتي يراقبننا ويريننا "بطلات" في عيونهن... فليس في جعبتي نصائح حكمة أسديها إليهن في الوقت الحالي... فأنا لازلت أدفع أثماناً باهظة... على أمل أن أتمّ المهمة قبل أن تكبر الصغيرات كيلا أورّثهن ديونا لا قدرة لهن على سدادها...

Saturday, February 20, 2016

الخبطة الخمسية

لست أذكر ان كانت في أواخر المرحلة الابتدائية أم في المرحلة الاعدادية، لكنها كانت موجودة. "الخطة الخمسية" مفهوم جديد بالنسبة لنا عندما كنا صغاراً يتم تدريسه في مدارسنا في سوريا لتعريفنا بما تقوم به الدولة. كل ما فهمته من هذا العنوان في ذلك الوقت هو أن مدة خمس سنوات ليست طويلة كما يظن البعض فهي بالكاد تكفي لتحقيق خطة ما في مجال ما والسير وفقا لهذه الخطة طيلة السنوات الخمس. لكنني كبرت واكتشفت أن نفس السنوات الخمس إن اقتصرت على المصائب والكوارث الكبيرة منها ذات الأمد الطويل والصغيرة التراكمية اليومية فلن تكون بالمدة القصيرة وستمر السنوات الخمس "بالعافية" أو "بالزور" مخلفة وراءها جروحاً وقروحاً يتوجب مداواتها سنوات خمس أُخَر أو أكثر.

فكرة تقسيم السنوات الطوال إلى قطع يقتصر كل منها على سنوات خمس تخلق في ذهني صورة لوح من الشوكولاته، كل مربع فيه هو خمس سنوات يلتصق به مربع ثان بطريقة أنيقة تحدد إطاراً لكل مربع لكنها تحفظ اتصال واتحاد المربعات كلها معاً. ولو أردتَ فصل الواحد عن نظائره كل ما عليك هو قلب اللوح على ظهره و توجيه بعض الضغط على أحد الخطوط الانتصافية لتقتطع منه صفاً من المربعات فيتعين عليك تكرار نفس الحركة لفصل المربع المنشود.

لوح شوكولاتة وسنوات تعدادها بالخمسات، تلك كانت حياتي ولا تزال. لكنني أعجز عن التحديد المسبق لمعالم كل مربع فأنا لا أضع خططا خمسية ولكنني بعد مضي حقبة من الزمن أنظر إليها وقد ترسبت على هيئة خمس سنوات في تاريخ لوح الشوكولاته. لقد كان مستقبلي يفتقر دائما إلى أي خطة خمسية لكنه كان دائما يتحول إلى تاريخ يتردد في أرجائه بين الحين والآخر صدى خبطة خمسية.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيتها في بيروت. انتقلت إلى العيش في العاصمة اللبنانية بهدف الدراسة الجامعية بعد أن باءت محاولاتي في دمشق بالفشل الذريع على مدى أربع سنوات لجأتُ بعدها إلى تغيير مجال اختصاصي وبلد سكناي. خمس سنوات كانت من أصعب سني عمري لكن من أروعها في نفس الوقت قضيتها في الغربة والدراسة والعمل والعيش المستقل فنلت في نهايتها ليس شهادتين جامعيتين فحسب ولكن شهادات عدة في مجالات لا تحصى في الحياة مع تراكم خبرات منها الجميل ومنها المؤلم شكلَت في شخصيتي وكان لها البصمة الأكبر في تكوين الإنسانة التي أنا هي الآن.

خمس سنوات هي مدة زمنية في تاريخ الأشخاص كما الأشياء فقد اقتصرَت ميزانية بيت الزوجية السعيد لي ولزوجي على شراء أريكة يتيمة تتسع لشخصين فقط لا غير كان عليها أن تنتظر ذكرى زواجنا الخامس كي نستبدلها بأريكة ركنية من الجلد استحالت معها غرفة الضيوف في شقتنا إلى غرفة مضيافة ستختصر في السنوات التي تلت عدد ضيوفنا الجاليسين على السجادة وكراسي مائدة الطعام فهناك متسع من المساحة على أريكتنا ومتسع من الحب في قلوبنا أيضا لأننا في عيد زواجنا الخامس كنا قد أصبحنا أسرة من أربعة أشخاص مع استمرارنا في الترحيب بضيوفنا والتقاط صورة كوميدية على "أريكة المشاهير" كما لقبناها. لم نكن عروسين بالمعنى التقليدي للكلمة، يتقدم الشاب لخطبة الفتاة وفي جيبه مفتاح شقة اشتراها بماله أو بمساعدة والديه فنحن لا زلنا لانمتلك سقفاً فوق رؤوسنا سوى سيارة مستعملة، كما لم أكن أنا عروساً يخفي خجلُها مخزون سنين حرصت أمها خلاله على تحويش أصناف وضروب  مستلزمات المنزل والمستلزمات الشخصية، فقد استبدلتُ ذلك النوع من الاستثمار في انتظار عريس السعد بنوع آخر من الاستثمار أبعد ما يكون عن الممتلكات والنواحي المادية لذا خرجت ُمن بيت أبي متأبطة ذراع صديقي ألمح في عينيه بريق الافتخار ليس فيما تملك شريكة حياته من أشياء لكن فيمن هي تلك المعينة نظيره كشخص تركز غناها في شخصيتها وتوزع في نواح عدة ليملأ سراديبها.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيناها أنا وزوجي في الاسكندرية، مدينة ساحلية لا تشبه بيروت إطلاقاً. حتى شمس الغروب وهي تغطس لتختبئ في الجيب الأزرق للبحر المتوسط تتوسطه في بيروت بينما تميل ميلاناً حاداً ناحية اليسار في الاسكندرية. خمس سنوات لم نلمس خلالها ماء البحر على عكس توقع الناس وخاصة أصدقاؤنا وأقاربنا القاطنين في قيظ وتلوث القاهرة أننا نذهب للبحر بانتظام في صورة زوجين سعيدين يحملان بيد شمسية كبيرة ملونة وباليد الأخرى قفة قش بها ما لذ وطاب، تشتبك يديهما الحرتان ببعضهما البعض قاصدَين الشاطئ. خمس سنوات كنت أرى فيها البحر من بعيد تطبيقاً لمبدأ "شم ولا تدوق" ألمحه بطرف عيني وأنا أقود السيارة على طول طريق الكورنيش وأنا حامل، ثم أقطع نفس المسافة برفقة ابني الرضيع، وبعدها يتكرر المشهد مع طفل يمشي وجنين يسبح في بحره الخاص داخل جسمي وآخرها برفقة صغيرين كل منهما يحتل كرسيه الصغير في السيارة ويملأ حيز الهواء بضجيجه الكبير وطلباته التي تُحوّل عملية القيادة البسيطة إلى تحدّ أشك أن كثيرين من الرجال (وخاصة الذين يفتخرون بمهاراتهم في قيادة السيارات) يقدرون على احتماله، لكنه كان من نصيبي لسنوات طوال إلى أن كبر الأبناء نسبياً وتحول العويل والصراخ والبكاء إلى مشادات كلامية كلما اختلفا في الرأي. لكنني خلال تلك السنوات الخمس الأولى كانت سيارتنا تحتوي حفاظات هذا وببرونة حليب تلك يتناغم فيها توقيت الوقفات والاستراحات والبحث عن أماكن للتوقف الطارئ أو التوقف الطويل ومن ثم مشقة النزول من السيارة مع شنطة على ظهري ورضيع على يدي ممسكة بطفل في اليد الأخرى، أستخدم يدا ثالثة لأقفل الباب ورابعة لوضع نظارة الشمس وخامسة لدفع مبلغ نقدي وسادسة وعاشرة لأن الله ينبت للأمهات أياد تفوق عدد أرجل الأخطبوط.
بعد انقضاء خمس سنوات ذهبنا أخيرا إلى مصيف للمرة الأولى وقضينا ليلتين مرضَت فيهما ابنتنا التي كانت قد شارفت على إتمام عامها الأول لكننا حاولنا استثمار الليلتين بأقصى طاقتنا وتم الإنجاز ولمسنا ماء البحر للمرة الأولى وقررنا أن نحاول تكرار تلك الخبرة سنويا.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيناها في مسكن ضيق وظروف إقامة كانت تزداد صعوبتها كل شهر مع ازدياد عددنا وانتظارنا فرصة الانتقال إلى مكان أوسع. عندما غادرنا القاهرة وسكنا تلك الشقة الاسكندرانية كانت السكنى مؤقتة محدودة ببضعة أشهر قد تصل إلى سنة ولكنها امتدت رويداً رويداً حتى تجاوزت سنوات خمس كان أصعب تحدٍ فيها هو مطبخ خالٍ من الرخامة المعتادة كمساحة لإعداد الطعام كما خلى من أي خزائن أو "دواليب" لتخزين الأدوات أو الطعام على حد سواء. كان المطبخ يقتصر على حوض (أو مجلى) وبوتاجاز أضفنا بجواره رفين معدنيين كنت أضع عليهما ستة أطباق وبضعة أكواب مرصوصة في الهواء الطلق بلا باب يقيها من الغبار والأتربة ومن أيادي العابثين الصغار. 
كنت أعرف منذ طفولتي أنني "خلاقة" فقد كنت أقضي ساعات طوال في الرسم والكتابة والعزف والخياطة والأشغال اليدوية. وبعد زواجي اكتشفت أنني أحتاج هذه الخصلة كي تمر الشهور التسعة في حملي الأول بسلام وأنا أطبخ في هذا المطبخ بطريقة "خلاقة" ومن ثم أعقم ببرونات الرضاعة لطفلي وأعد طعامه تحت نفس الشروط والظروف لأدخل مرحلة شهور تسعة أخرى في الحمل الثاني وأطبخ لثلاثة أشخاص رابعهم غير مرئي: زوجي وزوجته الحامل وابنهما. ولدت ابنتنا في نفس المكان وشاركتنا السرير وغرفة النوم التي لم يكن هواؤها يكفي لأربعة أشخاص بينهم مخلوقان صغيران يوقظانني كل ساعة ليشتد التحدي الثاني وهو حرماني من النوم فيزيد بدوره صعوبة أكبر من صعوبة الطبخ في مطبخ "خلاق". فكان الصداع المزمن وتوتر الأعصاب المستمر وانعدام التركيز أصدقائي الجدد على مدى سنوات خمس طوال لم أذق فيها طعم النوم ليلة واحدة فكنت أحلم (أحلام يقظة!) بفرصة نادرة لنوم متواصل لثلاث ساعات لكن حتى تلك كانت ضرباً من ضروب الرفاهيات في ظروف سكنية وحمل وولادة ورعاية أطفال بمفردي مع انشغل زوجي وسفره المتكرر. أنا التي اختصت أيام الجامعة بعلم نفس الطفل وبمبادئ تربوية تفتقت عنها عبقرية أشهر اختصاصيي علم النفس والتربية وعلم الاجتماع في العالم كنت عاجزة عن تحقيق حلمي المثالي في أمومة مثالية أمنح بها أبنائي طفولة مثالية . "بس ربنا ستر" وانقضت السنوات الخمس بأقل نسبة من الخسائر على صعيد تربيتي لأطفالي حتى وإن تركَت نُدباً عصية على الشفاء لدى أمّهما.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي مرت (ولايزال العداد يركض) لم أر فيها بيتي، بيت أهلي، بيت الجد والجدة لأطفالي... هو بيت واحد لكنه بيوت كثيرة داخل بعضها البعض كالدمية الروسية. خمس سنوات لم أذق فيها طعم أن أمسك بابني في يد وابنتي في اليد الأخرى وأصطحبهما لزيارة "تيتا وجدو". اشتقت لرائحة ذلك البيت، اشتقت لصوت المفتاح وهو يقرقع في قفل الباب مرتين ثم ينفتح الباب ورقبتي مائلة باتجاه اليمين أتجنب الجدار الذي يقابلني وأدير بوجهي ناحية الصالة. اشتقت إلى المطبخ الواسع المنير والمجهز بكل ما كانت تحتاجه أمي لطهي أشهى المأكولات والحلويات لأسرة من ستة أشخاص بعد يومها الشاق في العمل كمدرسة لمادة الرياضيات. اشتقت لشرفة المطبخ كما اشتقت لطاولة صغيرة في مطبخنا هناك كنا نتناول عليها طعام الإفطار ونلتف حولها مساء لعشاء سريع نتبادل أثناءه الحديث بينما يجلس أحدنا ويفتح الآخر الثلاجة ويقف ثالث عند حوض الجلي. اشتقت إلى كل غرفة في منزل يتسرب الدفء من جدرانه يلف عظام جسمك بطبقة حماية تقيك من كسور الحياة. أتراني الآن مهشمة لطول بعدي عن تلك الشرنقة؟ هو البيت والملاذ والشاهد لمراحل طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا نحن الأربعة حيث كبرنا أنا وإخوتي ورضعنا مفاهيم ومبادئ خلا منها المجتمع والشارع آنذاك لكنها كانت الغذاء الأمثل لأرواحنا وشخصياتنا. اشتقت إلى علبة مراسلاتي التي كنت أحتفظ بها تحت سريري في الغرفة التي تشاركناها أنا وأختي، فيها رسائل كتبتها لأشخاص مختلفين على اختلاف أهميتهم ودورهم في حياتي مع اختلاف المراحل العمرية ومحطات الحياة. اشتقت إلى ألعابي التي احتفظت بها كي أورثها إلى أولادي إذا تزوجت يوما ما أو رزقت بأطفال. اشتقت إلى صوت حسيس النار في المدفأة أيام الشتاء وإلى الشرفة الواسة التي تطل عليها غرفة الجلوس، شرفة بها ممر خارجي خاص يصلها بغرفة نوم أهلي وبابها السري الذي لا يعلم به إلا أصدقاؤنا المقربون.

أحكي لإبني عن المرة التي اصطحبته فيها لقضاء أسبوعي العيد هناك مع ختام عام 2010. كان قد أكمل ستة أشهر بعد عامه الأول وكنت أنا حاملأ في شهري الأول فينقطع سيل الذاكرة وسلاسة الحديث بسبب مشاجرة مع أخته التي تبلغ من العمر أربع سنوات ونصف وتبدأ هي المشاجرة قائلة: "اشمعنى؟" فهي لم يتزين جواز سفرها بختم مطار دمشق، بعد. خمس سنوات تحولت خلالها معرفتي العقلية والتفاعل النظري مع أصدقائي الفلسطينيين والعراقيين إلى "خبز وملح" تذوقتهما بنفسي وعرفت مرارة الحرمان من الوطن ... ولوعة الغربة القسرية... وجمر الشوق الذي يستحيل جمرأ أبديا، لا هو نار يدفعك لهيبها إلى إخمادها ولا هو رماد يمكنك كنسه أو حتى تجميله بالرسم عليه بإصبعك. يبقى جمراً يكويك بصمت، يحرق لسانك كيلا تجيب بإجابة خارجة عن إطار الكياسة عندما تسمع أحدهم يقول لك: "يا بختِك أهلك معاكي هنا". أأحكي لهم عن شهور الذل والعذاب أم عن طعم الفقدان؟ لكنك لا تملك سوى أن تومئ بتهذيب وتتمتم في نفسك: "لقد كنتُ أنا نفسي يوماً ساذجة مثلهم تماماً... ومن يدري، فقد أكون تفهوهت بمثل تلك العبارات البلهاء لصديقة فلسطينية أو أخرى عراقية!". وألتزم الصمت، فهو أبلغ تعبير وأوقع تعليق يمكن أن يرافق صوراً وأخباراً تصلنا من سوريا لترتفع معها الصلوات والتضرعات الخرساء طلباً لسلامة خالتي وولديها، خالي وأسرته، عمي وأسرته، عمتي وعمتي وأبناء أعمامي و و و ... وتسرح الذاكرة في بحر من الوجوه والأسماء لأصدقاء وأفرادٍ من أسرتي لا زالوا يعيشون جهنم الحرب بتذاكر من الدرجة الأولى، لا تقتصر حياتهم على مقاعد المشاهدة ولكنهم في قلب مسرح الأحداث في مدن كدمشق وحمص وحلب... في قرى كقرية أجدادي... في شوارع وأزقة عاشرتُها كما يترافق صديقان... ولا زال العداد يركض...

خمس سنوات مضاعفة، أي سنوات عشر انقضت منذ زواجنا حين قررنا في صيف عام 2006 أن نؤجل شهر العسل فلا نسافر إلى تركيا أو قبرص أو شرم الشيخ أو تايلاند، فتلك كانت بلدان "آخر موضة" في شهر العسل. قمنا بتأجيل شهر العسل ليس فقط لأننا لانملك النقود الكافية لمشروع كهذا أياً كانت وجهتنا ولكن لأننا قررنا أن نسافر بعد انقضاء سنة على زواجنا نكون خلالها قد تعارفنا وتآلفنا وتصادقنا فنستمتع بهذه الرحلة أكثر من عريسين مرهقين منهكين مادياً ونفسياً ومعنوياً وعلى كل الأصعدة. لم نحظ حتى بحفلة ما بعد العرس فقد اقتصر فرحنا على الخدمة الكنيسة وتلقي التهاني في حديقة الكنيسة الإنجيلية بدمشق غادر بعدها الحضور كل إلى منزله. لقد كانت خطة تأجيل شهر العسل مقصودة لسنة واحدة قفط أو اثنتين على الأكثر سنستقر بعدها في مشروع الإنجاب لكن الإنجاب تأجل سنوات ثلاث وشهر العسل تأجل سبع سنوات بعدها وانتهى بنا المطاف أننا أكملنا خمستين فأبدأ أنا جدياً في التخطيط لإحياء ذكرى زواجنا العاشر في رحلة ما إلى بلد ما. أخطط لسفر أشبه بالسراب قد لا يتحقق لكنه على الأقل سيشغل ذلك الحيز الصغير في رف أحلامي كنت قد خصصته لحلم بعنوان: "سفرية شهر العسل" لكنه ملف كتب عليه الآن بخطٍ مختلف عبارة إضافية "بعد التعديل" لأننا لن نكون عريسين ولا زوجين تقطر الرومانيسية من جوازات سفرهما وتذاكر الطائرة متعددة الوقفات وحساباتهما البنكية الدسمة، فسنكون برفقة صبي في السابعة وأخته التي ستكمل الخامسة وأستبدل صورة شهر العسل بصورة عائلة سعيدة معها الخبز الكفاف، صورة تضيؤها إشراقة ابتسامة طفلين يتطاير الحماس من عيونهما. وسأستبدل اللون الأبيض لفستان العروس بخطوط بيضاء علت شعرها وتعذر إخفاؤها كالسابق. كل خصلة بيضاء منها، سواء اقتصرت على بضعة شعرات أو جمعت فريقا كاملا منها، هي ضربة ريشة لفنان. تشهد كل ضربة منها عن ألم صغير وآخر كبير، بعضها تمكنت من تجاوزه وبعضها الآخر ترك آثارا لم تقتصر على الشيب، لكن في كلتا الحالتين لا متسع هنا لفرد قوائم تؤرخ وتفصّل وتشرح باقتضاب أو باستفاضة عن تلك التجارب المؤلمة فالمؤامرة الآن ليست لفضح المستور وتعداد الدموع المختبئة وراء الابتسامات وليست للعق الجراح واجترار آلام الماضي ولكنها مؤامرة للتحايل على الزمن وخداع الواقع وللمناورة يميناً وشمالا لإيصال الكرة إلى الهدف، عائلتي إلى السفر. العروس التي كنتُها قبل عشر سنوات مضت، إيصالها إلى شهر العسل. أطفالي الذين لا يكفون عن السؤال عن هذا وذاك إلى مكان لن يسألونني فيه ولو لبضعة أيام عن بقعة الصرف الصحي التي يفيض بها شارع منزلنا وعن معنى السباب القذر الذي خصني به سائق التكسي وأنا أوصلهما بسيارتنا إلى مدرستيهما وعن سبب إصراري على ارتدائهما ثيابا صيفية خفيفة وسراويل قصيرة لأن حرارة الجو قاتلة بينما أختنق أنا متخفية داخل ملابس طويلة الأكمام والذيول. ربما، وأقول ربما لو سافرنا فسأسمع أسئلة من نوع مختلف عن رائدة فضاء أو عالم ذرّة فأغذي نهمَهُما للمعرفة بأن أشير بإصبعي إلى تماثيل لأناس عظماء غيروا وجه التاريخ ولازالت صورهم وإنجازاتهم تزين شوارع مدينة أجنبية نظيفة، فأولادي في النهاية قد ختموا ما يمكن تعلمه في شوارعنا وقد حفظوا كل أنواع السيارات المتاحة في الاسكندرية عن ظهر قلب ومراحل نمو القمر في سمائها واختلاف درجات الأزرق في بحرها.

ماذا عن Plan B؟ تحسبا لأية إحباطات متوقعة، أو عواقب حتمية فسأضع خطة بديلة، ستكون تماماً كجوائز الترضية في المسابقات الكبرى، لأنني وإن كنت أميل بطبيعتي إلى تبني عناد الأطفال وضرب الأرض بالأقدام "بدي سافر بدي سافر" فإنني سأحَكِم عقلي البالغ من العمر أكثر من ستة وثلاثين عاماً وسأسترجع أحلاماً صغيرة وكبيرة رأيتها تقتل أمام عيني وأتحلى بنظرة واقعية أو حتى ساخرة: "لأنو مين يعني محتاج شي إسمو بريك؟ وشو يعني لو كنت مرهقة فوق العقل والتصور؟ سنة اتنين عشرة ولا مليون ... شو يعني إزا قعدت 6 سنين ونص مو نايمة ليلة لحالي بعيد عن الأولاد؟ وشو يعني إزا عندي تعب نفسي وجسدي مزمن وشوية عقد وتعقيدات عم تتراكم سنة ورا سنة؟ هو ضروري الواحد يعني يبعد شوي مشان يرجع فريش؟ ما هي أساساً الأجازة رفاهية سواء أسبوعية أو شهرية أو سنوية وأنا مو طايلة ولا واحدة منها ويمكن حتى ما كون أساساً باستاهلها بعد كل هالشقى والتعب اللي ما يعلم بيه إلا ربنا؟ وعيب عليكي أساساً يا بنت في ناس مو ملاقية أكل وانت قاعدة عم تتوحمي صارلك مليون سنة على أجازة شخصية لحالك حتى لو ليلة يتيمة أومشتهية عطلة عائلية طويلة بمكان بعيد أو سفر وهروب وراحة وحكي فاضي... يعني بكلمة واحدة "اخرسي" بس بطريقة مهذبة طبعا أنا ما كتبت هالكلمة، هو اللي عم يقرأ تخيلها مكتوبة، لأنو الناس المتحضرين ما بيصير يحكوا هيك... ولما كنت أسمع واحدة عم تشكيلي وأنا باعرف ان حياتها مافيها ولا 5% من المرار اليومي تبعي كنت أخرس قبل ما قولها: لك تعي جربي 24 ساعة بدالي كنتي انتحرتي... فكيف لو جربتي أسبوع ولا شهر ولا سنة؟ هي بالنهاية كلها رص حروف وكلمات عادية ما حدا رح يفهم منها شي ولا رح يحس معي شعراية واحدة لأن شكل حياتي من برا قمة في الروعة بينما الدقائق والثواني في خبرة الأمومة كانت عم تخبي آلف آه و آه... طالعة من قلب نهشته الوحدة ... وبطل يشتهي مساعدة... ولا يشتهي كتف رفيقة أشكيلها وتفهمني... لك بطل حتى بدو يشتكي... قاعد يلف ويدور حوالين الموضوع لأنه عيب نحكي وعيب نشرح وعيب نقول لازم دايما نحافظ على الصورة المثالية من برا... صرت بس مشتهية فنجان قهوة ودردشة مع شي حدا... حتى هاد كتير... طب فنجان قهوة مع كتاب....طب شو رأيك تخرسي؟"
 لكنني لا زلت واقفة ولازلت أتقن تمثيلية الحياة بمهارة الزوجة والأم المثالية لذا سأتوقف عن الكلام خشية الانزلاق إلى التفاصيل وسأعود إلى صياغة خطة بديلة للمشروع العملاق أنه في حال فشله فسنذهب إلى المنتزه (حدائق قصر الملك فاروق في الاسكندرية) حيث سأطلق العنان لأشجاني وسأطلق أبنائي يطاردون كل هدهد تلمحه عيونهما الصغيرة، لأن عيونهما الرقيقة تلك ربما تكون في نهاية الأمر قادرة على الرؤية بشكل أوضح وأعمق من العمى الذي حل بي فاستبدلت تعداد بركاتي بدمدمة وتذمر يقودني إليهما جشعي وطمعي في السفر هذا الصيف، صيف 2016 بينما كل ما يطمح إليه هذان الصغيران هو "مشوار ع المنتزه بالأجازة نشوف الهدهد ونركض ونلعب ونعمل picnic ع السجادة بعدين نتغدى بالمطعم".



Tuesday, August 25, 2015

Rare Bird: Asfour Nader

In my 8 years of blogging, first privately as I shared family news with a selected private audience, then publicly sharing thoughts I wrote in English and in Arabic, this is the first blog post I did NOT want to write. But here I am writing it because I felt I had to.

Why am I doing this to myself? I guess it’s because I fell in love with a boy who was 12 years old, and forever will be. I fell in love with a boy I’ve never met, and I never will. I fell in love with a boy called Jack. I heard about Jack during the first few months of mothering my daughter. Those long days and nights that looked all the same as I tried to navigate this new life with a toddler boy and a new born girl were extremely lonely and I needed something, anything to help me survive.

My sister’s friend shared an article from Momastery on her facebook page and that’s how I got to know Glennon, so I started reading her posts which one day lead me to Anna’s blog “An Inch of Grey” and the story of Jack’s accident. It was easy to do the math, Jack died two weeks after my daughter was born. Later I’ll start hating math because it revealed so much of what I had in common with Anna, only a decade ahead of me. In the fall of 2011 Anna was 42 years old and I was 32. Her jack was 12 and my son was 2, her Margret was 10 and my daughter was a few months old. We’re both Christian, believers, church goers, and English teachers, veterans to be more specific, neither one of us is teaching now (or was teaching 4 years ago) and I’ve recently developed a love for painting furniture to decorate my gift shop/art gallery Kharbashat-Doodle. Then gradually over the past 4 years my son seemed to have so much in common with Jack. He too loves words, Legos, acting, jigsaw puzzles, and making up new games. He is kind to his sister (also 2 years younger than him) and he loves his Sunday School class as his love for God is starting to show and grow. Did I mention how cute and funny he is too?

I mourned with Anna, I grieved with her overseas. I wrote her a few e-mails and comments telling her that a Syrian mother married to an Egyptian pastor is praying for her and sending her love all the way from Alexandria, Egypt. Then when Anna posted a question on her blog for readers to choose the best title for her upcoming book about Jack, I clicked on the one choice that seemed to make most sense “Rare Bird”, apparently many readers and friends picked the same title and the book was out. When I started planning to ask my sister to order it for me and send it with someone coming from the US to Egypt, I received a message from one of my American friends, Jessica, who is also a pastor’s wife asking if there’s a certain book I’d like her to buy me because a guy from their church is coming to spend a few months in Alexandria!



Jessica’s sweet gift sat on my night stand for months. It wasn’t until last week that I decided to read “Rare Bird”, From the first few pages I knew two things, I need an extra dose of courage to continue and I’ll end up writing something about this book. I hated it and loved it at the same time. Anna's writing style, the way she crafted words and sentences with both language skills and honesty was captivating. She took me with her back in time to the last few months of 2011 and to a brand new state not included among the five I’ve visited when I went to the US in 1996, 2000, and 2001. I felt I was physically right there on September 10th 2011. I rarely cry when I read sad novels, but this is not a novel, it didn’t even feel like a book at all, it felt more like a movie, one of these 7D theaters in which you experience the story with more senses than you thought you had. I was stupid enough to take the book with me once as I waited for my son to finish his piano lesson, and I started crying! I wonder what the other parents in that waiting room thought, she looks like a crazy mother, she doesn’t look Egyptian, she’s holding a book in English, we pity her son…. I don’t know and I didn’t care.  

I received the book months ago, and the timing I chose to read it was a bad one , we’ve just celebrated my daughter’s 4th birthday which meant that in a few days Anna, along with everyone who knew and loved Jack will commemorate 4 years of his departure. I couldn’t help but think that this year Anna turns 46, the same age her mom was when she died. Why am I doing all these calculations and making all these connections in my head? Maybe because I was looking for more and more things to mark my family as DIFFERENT from Anna’s, different enough to feel safe!

As a Presbyterian Christian by birth, I didn’t grow up to believe in signs, but I come from a Middle Eastern culture that believes in luck and optimism. It’s also a culture that believes in the evil eye and envy. In my family and at church we were raised to believe that our future, luck, or destiny is guaranteed in God’s plan for our lives, so we need to worry not. It’s easy to believe this and relax when you’re not a parent yet, a mother to be specific, but when you grow up and discover the harsh fact of life that bad things do happen to good people then you start to doubt your faith. I’ve never doubted that God is good, but I’ve never had to face a tragedy that shook me to the core and turned my world upside down. The war in Syria is the most recent tragedy I've experienced, with its ugly daily bloodshed and destruction, with horror stories of ISIS taking over beautiful parts of my beloved country, treating humans in the most savage of ways, left me bewildered and depressed. I mourn my country, a country I used to visit twice a year but haven’t seen in almost 5 years now. Still I count my blessings in spite of all the pain and tears. My uncles, aunts, and first cousins are all safe and healthy, at least physically. My friends are all still alive, my parents’ apartment, the only place I knew and called “home” is still there in a relatively safe area in Damascus, so I can still dream of one day going there and getting my photo albums, stacks of letters, journals and diaries. I dream about taking my kids there to visit their grandparents who will give them my childhood toys. When I get depressed upon hearing more bad news from inside Syria or news about refugees abroad, I try to re-count my blessings, which is easy sometimes because I don’t have a firsthand experience of what my friends and family members have been through and are still enduring.   

So when it comes to signs, I kind of wish I believed in them. They would’ve saved me so much trouble making big decisions in my life, like choosing my husband and moving to Egypt. And later it could’ve saved my husband and I the hard weeks of making difficult choices regarding our kids, life, work, and ministry. My husband believes that God gave us our brains, life experiences, and the Holy Spirit to guide our decision making process. We talked about it a lot as I shared with him my secret wish for a story like Giddeon’s in the Old Testament with his wool fleece (Judges 6 : 37), but we don’t do signs in our family, we don’t ask for them, we don’t look or wait for them. Instead, we think, we pray, we consult experts, we give ourselves a time frame, and we decide.

But yesterday, something happened, it made me re-visit this area of not believing in signs. I was reading the Rara Avis chapter of Rare Bird, specifically page 154 that has the poem Anna’s friend wrote about Jack. I read the poem (for the second time because I had read it previously on the blog) then Anna wrote about the time she posted this poem on her blog and started receiving stories from all over the globe. “They are amazing stories of birds catching people’s attention at precisely the moment they think of Jack.”. My son sat next to me as I read early in the morning, he woke up with the same severe headache he had the night before due to his high fever. I gave him his medicine and he decided not to go back to bed so we went to the living room and he started building something with his Legoes as I grabbed my book and read.

Finishing the poem and the page next to it I choked, I didn’t want to cry, besides, it’s too early in the morning to start crying, my son is right next to me, a little sick but alive. So I thought I’ll smile instead, thinking of the so many people who thought of Jack and saw birds. Then, all of a sudden, in the silence of the 6am Alexandrian morning I hear it, so clear and close, coming from our bedroom. Our rented apartment is on the 11th floor and even though it overlooks the golf field of the famous Sporting Club in Alexandria, it’s difficult for birds to make it this high above the tall trees. I’ve seen birds by our bedroom window often but not that often, and definitely not in the blazing heat of August. The window is covered with a fine metal net that doesn’t allow mosquitoes and other insects through.



When I heard the bird sing, I grabbed my camera and walked slowly to the bedroom to try and take a photo without scaring the bird away or waking up my husband. I knew if I took a good picture then this will prove to me that this sign is not a figment of my imgagination. The picture was bad and hardly showed any bird, then the bird flew and stood on the rusty laundry bar I never use, I took another picture, still with disbelief. Then I said to myself, if I can capture the bird’s face looking right at the lence in my hand then I’ll believe. Much like Thomas’ request upon hearing the story of Jesus’ resurrection. And here it is.



Dear Anna,

Your book took me on a roller coaster experience of reading such an amazing story about pain and hope. At times I wanted the book to end so the story would end with it and I can walk away and pretend none of it happened to you and it never found its way into my life. At other times I read and read and never wanted the book to end because I wanted to know more about Jack and to love him more, I wanted to know how you’re doing years after the accident.

I found the book to be scary, because it got me thinking that something might happen to my family, something so sudden and tragic that it will leave me broken beyond repair. I keep convincing myself that the real reason I’m reading your book is to help grieving people and as a pastor's wife to understand their struggles more. The psychology courses I took in collage fifteen years ago are very helpful, but a book such as yours written through the "perspecticles" (Glennon’s word) of a Christian mother is definitely a priceless reference. But you’re not a case study, and I’m not writing a term paper. It’s Jack we’re talking about, it’s Jack we’re missing, and it’s Jack’s life we’re celebrating. So my Egyptian bird came to remind me of that. Asfour Nader. “Asfour” (starts with the letter “ع” Ayn articulated from deep down in the throat) means “Bird” in Arabic. And “Nader” means “Rare”, noting that nouns in Arabic always come before adjectives.

The Rara Avis chapter was a beautiful one, so beautiful I didn’t cry till the very end, instead I had misty eyes, goosebumps, and a smile on my face. It made me love the bird metaphor even more. A bird not a fish, for instant, because fish swim but birds soar. This chapter was a milestone in the journey of reading the book, it gave me peace and comfort. One thing caught my attention is the fact that there’s no English word for a parent who lost a child, while in Arabic there is. It’s not a very pleasant word to hear, it sounds bitter, more like a curse or an insult. It’s mostly used in the feminine form for mothers and you can very rarely hear the masculine one for fathers, the root can be used for losing an offspring or a loved one.

This year Margret is two years OLDER than Jack. At the beginning of your new school year in the USA and ours starting next month, I wish and pray for Margret to have a safe, fun, and fruitful year, regardless of the painful math!

I worked as a part-time then free-lance translator for over 7 years during which I kept contemplating the idea of translating a book. But I kept shoving it to the back of my mind convinced that book translation is for people above the age of sixty, so I still have 24 years before I start. I don’t know how serious I was when I felt that Rare Bird might just be the first book I’ll translate, but what I do know is that it HAS to be translated into Arabic Anna, please make sure you have Arabic on the list of languages you’d like to see your book published in.

From the southern coast of the Mediterranean Sea, I'm sending you a huge THANK YOU. Thank you Anna for every minute, hour, and day you spent, thank you for every tear you shed writing this book till it saw the light. I think all Christian mothers should read it. It took one brave bereaved believer mom to write it and it took me all my courage to read it. Thank you for this journey you honored me to be part of, I’ve learned so much as your words addressed specific fears and doubts I have in my own faith in Jesus. Not only your book has nothing dishonoring to God (one among the many fears you confessed), but it also brings glory to God. The God we all tend to put in a box like you said you did, our little own boxes are as different as we are. But God surely is bigger, greater, and more active than we can ever conceive.  The most beautiful part of your book  is what comes next, your story is a real and an ongoing one, I don’t have to wonder what will happen to the characters beyond the book cover because you’ll keep us updated as we keep praying for you, Tim, and Margret.

Shukran Anna. 
Love,
Riham 

Wednesday, July 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة : الجزرة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الجزرة/

سأل مواطن أجنبي نظيره العربي قائلا: "ما هي أحلامك؟" أجاب الأخير: "أن أحصل على شهادة جامعية تضمن لي عملاً جيداً وأشتري منزلاً وأتزوج ويرزقني الله بأطفال أتمكن من تربيتهم وتأمين رعاية صحيه لهم وإرسالهم إلى مدارس جيدة." رد الأجنبي باستغراب:"من الواضح أنك أخطأت الفهم، أنا سألتك ما هي أحلامك ولم أسألك ما هي حقوقك!"


تقرأ لنا هذه القصة يافطة من المحيط إلى الخليج كتب عليها  Welcome to the MENA region (Middle East and North Africa) حيث تصبح أبسط الحقوق الإنسانية أحلاماً صعبة التحقيق، هذا ولم يجرؤ مواطننا العزيز على ذكر الأمان من ضمن "أحلامه" فقد باتت هذه العملة النادرة تنتمي إلى مصاف أحلام اليقظة أو المستحيلات السبعة ولا حاجة لنا لذكرها.

الغريب في الأمر أننا لو نظرنا إلى المجتمعات الغربية ومواطني بلدان العالم المتحضر سنرى أن حقوقهم المكفولة بسيادة القانون ليست حافزا كافياً لهم ليحلموا فنسمع جملهم التحفيزية تقول: “Dare to dream”ونتساءل: هل يحتاج الحلم في بلادهم إلى جرأة  وشجاعة؟ قد يظن البعض أن الحلم رفاهية هي فقط في متناول يد من يتمتعون بالبحبوحة (سواء كانت بحبوحة مادية أم معنوية) فنكذب على أنفسنا ونقول: عندما أرتاح سأبدأ أحلم بالمستقبل، لكنني الآن مطحون تحت رحى الاحتياجات اليومية الأساسية في حياتي وحياة أسرتي ومستقبلنا جميعاً. إنها فعلا أكبر أكذوبة مغلفة بطبقة من السكر كي نقبلها على أنها حقيقة.

قد لا أكون أنا الشخص الأنسب للحديث عن الأحلام على وجه التحديد. وقد لا تكون هذه المرحلة من حياتي هي الأمثل كي أتناول موضوعاً كهذا وأكتب عنه. السبب في ذلك بكل بساطة هو أنني منهكة من ملاحقة ما بدا لي أنه حلمي لكنه حالياً أشبه بالكابوس المتمثل في شكل "جزرة"، وكلنا نعرف ما هي الجزرة التي تتدلى من آخر حبل مربوط إلى عصى تجعل الجزرة عصية المنال، وهنا استوجب مني تقديم الاعتذار إلى الحمار أنني للمرة الأولى في حياتي "حسيت بيك حقيقي". ما بين مطرقة الجزرة وسندان الحلقات المفرغة التي علقتُ في مداراتها إلى أن أصابني الدوار حرفيا وبدأت أعاني من أمراض قد تكون سايكوسوماتية مع كل كشف طبي يظهر أنني سليمة 100% فما السبب إذا لصداع لا يطاق وثقل في رأسي يليه حالات دوار وإغماء؟ والخطر الحقيقي هنا لا يكمن في الإغماء نفسه بل في احتماليات حدوثه وأنا في الشارع برفقة طفلين أو وراء مقود السيارة! هل هناك تشخيص طبي أو نفسي يتهمني بتناول جرعة زائدة من الأحلام؟

على الرغم من الوعكة الصحية قررت أن أحضر مؤتمر زوجات القسوس، تلك العلامة الفارقة في حياتي التي دفعتني الصيف الماضي إلى بداية سلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة"  وكتابة مقال شهري تحت هذا العنوان. قررت أن "أطنش وأخاطر" وذهبت برفقة ابني ذو الأعوم الستة وابنتي في ربيعها الرابع وعلى كتف كلٍّ منا جرة (أو بالأحرى جِرار) خاوية طمعاً منا أن نروي ظمأً طالت معاناتنا منه.

في المؤتمر فكرت أن أطبق مبدأ "اللي يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته" واستأذنت قائدة المؤتمر أن أوزع على المشاركات استبياناً عن أحلامهن كنت قد أعددته مسبقاً. الأوراق الخمس والعشرون التي جمعناها ليست نسبة كافية لتعبر عن أحلام خمس وسبعين سيدة مشاركة ولكنها كانت كافية لتقول لي أننا مازلنا نحلم. كمواطنات مصريات (بيننا سورية وعراقية وفلسطينية) لازلنا نحلم، كنساء في مجتمع عربي لازلنا نحلم، كزوجات قسوس لازلنا نحلم. اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أقرأ أحلام زوجات قسوس who dared to dream  على الرغم من أنف كل شيء لا زلن يحلمن، يحلمن لكنائسهن، يحلمن لأسرهن، يحلمن لأنفسهن، فهذه هي الأمنيات الثلاث التي ذكرتها في الاستبيان على افتراض أن كل واحدة فينا وجدت فانوسا ً (سواء كان فانوساً سحرياً أو فانوساً رمضانياً مع تصادف توقيت مؤتمرنا خلال شهر رمضان هذا العام) وظهر منه مارد طيب منحنا أمنيات ثلاث. ولأنني على علم بالتركيبة الشرقية لزوجات القسوس في بلادنا لم أجد مفرّاً من تحديد ثلاثة أنواع للأمنيات لأنني لو لم أفعل لخرجَتْ الأمنيات الثلاث من نصيب الكنيسة والخدمة. لو وضعنا أي سيدة أمام هذا التحدي وأجبرناها أن تحلم فسنرى أن حلمها لن يتعدى الإطار الأسري وإذا كانت تلك السيدة زوجة قسيس فإن حلمها لن يتعدى الإطار الكنسي لذا استدعى مني الأمر أن "أزنق الستات" في ركن ثالث وهو تحديد حلم يطال الإطار الشخصي والذاتي لكل منهن، حلم يخص هويتها هي وكيانها المستقل كإنسان بعيدا عن شتى الأدوار التي من المفترض أن تلعبها في حياتها وخدمتها.

لو كان للتقاليد أيادٍ أخطبوطية لسرقَتْ أوراق الاستبيان القابعة على طاولتي وصرخَتْ بملء الفم how dare you to dream ولكن السؤال بالنسبة لي لا ينطلق من أنني تجرأت وحلمت أو كيف يمكنني أن أحلم لأن الأحلام ليست رفاهية بالنسبة لي بل هي النبض الذي يبقيني على قيد الحياة فأنا بكل بساطة لا يمكنني إلا أن أحلم حتى وإن قادتني أحلامي إلى نهايات مسدودة أو إحباطات جمّة فأحلامي هي الأوكسيجين لخلايا جسمي وروحي على حد سواء وهي الوقود الذي تحرقه محركاتي المختلفة التي تشغل كل الآلات لإنتاج المطلوب مني على كل الأصعدة حتى وإن لم يكن لها ارتباط مباشر بأحلامي. لا يكاد ينطفئ حلم إلا ووجدتُني أُشعل حلماً آخر في عملية أشبه بإدمان المدخنين الذين يُشعِلون سيجارة جديدة من سابقتها التي لم تحترق بعد إلى التمام.

مع نهاية مؤتمرنا ملأ أولادي جرارهما بما لذ وطاب من خبرات وذكريات، أما أنا فلزمني بعض الوقت كي أستجمع شجاعتي وأسترق النظر إلى جوف جرتي المظلم وأمد يدي مرتعشة خشية أن يعضها عقرب الإحباط أو تلسعها برودة أمل مفقود أو تخدشها خشونة واقع صعب لكنها اصطدمت بجسم طويل طري بعض الشيء، أخرجته وكلي حيرة وتردد، نظرت إليه ملياً، تأملت ذلك الشكل المألوف واللون البرتقالي ثم أنحنيت وأنزلت جرتي من على كتفي، وضعتها على الأرض ألتقط أنفاسي من اللهاث، نظرت مرة أخيرة إلى الجزرة وأعدتها إلى جوف الجرة، تركت الجرة مكانها وبداخلها الجزرة، ومضيت مبتسمة.


بدون تعليق: حتى عندما تتحول حياتنا إلى رقعة شطرنج كبيرة تدق فيها طبول الحرب بداية من أبسط التفاصيل اليومية انتهاء بحال بلادنا، يبقى هناك مساحة للأحلام وإن فشلنا في تحقيقها فعندئذ سنفتخر بأنه يكفينا شرف المحاولة

Saturday, July 26, 2014

سرّ الأح أوو

منذ أكثر من عشرين عاما، من ذكريات سنوات المراهقة، انتشر ذلك النوع من النكات الطويلة التي تشعر في منتصف سردها بالملل الشديد لدرجة أنك تضطر إلى الضحك ليس لأنها مضحكة بل لأنك وصلت إلى النهاية أخيرا. كانت إحداها تسمى "سر الأح أوو" وباختصار شديد يصل الباحث عن هذا السر إلى مصدر الصوت خارجا من حمام يلعب فيه شخص ما بصنبور المياه وهو يستحم فيفتح الماء البارد تارة ويقول "أح" ثم يفتح الماء الساخن ويقول "أوو".

لم يكن يعلم من ألف تلك النكتة أنه بعد سنين طويلة سيظهر اختراع اسمه "فيسبوك" ويلعب معي نفس اللعبة كلما فتحت صفحته الرئيسية وهي صفحة  تعرض لي لائحة مختارة من أخبار الأهل والأصدقاء حول العالم الذين تربطني بهم "صداقة فيسبوكية" وينشطون في "البوستات" فيما يخص صيف 2014 في حياتهم.

منذ أيام الصيف الأولى، وفي كل مرة أفتح فيها هذه الصفحة كنت أشعر بأنني ألعب تلك اللعبة ذاتها مع اختلاف نوع الصنبور. فمن صنبور أخبار الفيسبوك تدفقت صور المصايف الفاخرة التي ارتادها أصدقائي حيث تتعدد وتتنوع ما بين مناطق رائعة داخل مصر أو في العالم العربي أو حول العالم أجمع. بعضهم كان على موعد مع أكثر من رحلة والبعض الآخر اكتفى بمقتطفات صور تلخص مجمل وقته مع العائلة بعيدا عن هموم الحياة وروتين شتاء طويل. منهم من اكتفى بصور الهواتف المحمولة ومنهم من برع في التقاط صور عالية الجودة والروعة في آن معا.

كنت أجلس خلف شاشة الكمبيوتر في قيظ الاسكندرية ورطوبتها وساعات انقطاع التيار الكهربائي وأيام وأسابيع الحبس الإجباري في المنزل أتأمل قطرات الماء البارد تنزل رشاً حيناً ودراكاً أحياناً تماماً كالمدى المجدي والمدى الأقصى الذي درسناه عن البارودة التشيكية أيام التدريب العسكري في المدرسة وحصة "الفتوة" الشهيرة في حياة كل طالب سوري من مواليد السبعينات والثمانينات وما قبلها فتلك كانت فقرة الـ"أح" من لعبتي. أنهض بعدها مبتلة، أهو عرق بارد أم ماء حقيقي؟ لا أعلم، ففكري مشغول بذاتي ومنحصر حول حسرتي على ما آل إليه حال الصيف هذا العام، صيفي أنا، بعد أن علقت عليه آمالا وأحلاما منها الوردية واللازوردية بأطيافها فتخيلت الراحة والاسترخاء ومددت يدي لأتلقف البهجة والاستمتاع وشنفت أذني لأسمع ضحكات أطفالي وجهزت أقدامي لأركض في حقول الفرح أطارد طريق النحل الذي غنت له فيروز فلا اكتفاء ولا ملل من الدوران في حلقات مفرغة طالما يلفني هواء خفيف وتغادرني سموم أعوام انصرمت راكمتُ خلالها  الكثير الكثير مما هو غير صحي لروحي وجسدي ونفسي. فقرة الـ "أح" كانت أكثر صقوعة مما تخيلت فشتان ما بين صيف أولئك الاصدقاء وصيفي أنا.

"أووو" لا بل "أوووووووووو" حار جدا جدا... من فتح صنبور الماء الساخن فجأة؟ أه انه نفسه من فتح البارد ولكن أبطال المشهد هذه المرة مختلفون فالصور التي شاركونا بها ليست لهم شخصيا ولكن لآخرين يحملون نفس الهوية، نفس الانتماء، يربطهم بهم وحدة حال، حتى وإن اختلفت الوجوه فالصنبور ذو العلامة الحمراء قد تدفق منه ماء ساخن بلون أحمر وليس من يوقف شلال الدم في سوريا وغزة والعراق ومصر حيث توالت الأخبار الرسمية منها والحياتية التي ينقلها مراسلون مثلي أنا يرصدونها من دفتر يومياتهم وصيفهم الحار جدا جدا لدرجة استخدام تلك الصفة حرفيا في الوصف الانجليزي "هوت" لا بل "فيري هوت إيشوز" ويطلقون عليها في نشراتهم الإخبارية لقب "بريكنج نيوز" وهي فعلا أخبار "كاسرة" تكسر الظهر والقلب والضمير.

تختلف مدة جلسة الـ "أوو" مع اختلاف البلد والفترة التي يستغرقها الحدث إلى حين "فتور" القضية فبعد أن تصدرت أخبار سوريا المشهد حلت محلها أخبار غزة لتستوقفها أخبار الموصل ثم عودة إلى أخبار غزة ثانية وفاصل سوري آخر وتعود الكرة إلى غزة تمررها إلى الموصل ثانية وااااااااااااا هدفففففف... هدف... فلنشاهد الإعادة معا... لا انها ليست إعادة فالفِرق الأربعة تسدد وتسجل أهدافا عدة ولا وقت للإعادة ولا حاجة للإعادة أصلا فتكرار الصورة يغني عن ذلك، وها هي الفِرق تستضيف هولندا في ملعب الدم ببعضة أهداف شرفية... إنها فرنسا تنضم إلى القائمة الآن حتى وإن كانت طائرتها سقطت إثر كارثة طبيعية وليس بفعل فاعل أو بفعل حرب إلا أنها تستحق عدد أهداف بعدد أهداف مصر ربما فتلك الأخيرة غادرت الملعب مبكرا أيضا.

وطال التأوه وامتد أنين الـ "أوو" وتحول إلى عويل فنهضت ثانية بتثاقل وغادرت شاشة الكمبيوتر مستبدلة شعور الحسرة بجراد الذنب الذي بدأ يأكل الأخضر واليابس في حياتي. "ليش مانك رضيانة؟"... "شوفي مشاكل غيرك"... "ع الأقل عندك سقف فوق راسك وولادك بخير"... "في شي مرة ولادك ناموا جوعانين؟"..."حاجة تنقي بقا"... "امبسطي"..."اشكري الله ع النعمة اللي انت فيها"... "لا تفتحي تمك ولا بحرف"

التذمر ممنوع باوامر من وزارة الداخلية (الضمير) والفرح ممنوع باوامر من وزارة الخارجية (الظروف) فلجأت إلى وزارة التضامن الرهامي (الوعي) بحثا عن مستقر... بحثا عن صيف... هربا من شفير جنون... صور الصنبور الأزرق بمياه البحار والأنهار وزرقة سماء النزهات والمصايف اختلطت بصور الصنبور الأحمر وتشابه الأخبار رغم تعدد الهويات، للدم لون واحد وطعم واحد. امتزجت صور الصنابير جميعا بصور في رأسي كانت ولا تزال تصوّر لي ما كنت أحلم أن تكون عليه حياتي وأيام أسرتي الصغيرة في صيف 2014. لو صحّت نظرية المؤامرة فلابد أن تكون تلك الظروف على اتصال لاسلكي مع بعضها أو عبر الانترنت لتتفق على توقيت موحد في الوصول إلي حتى وإن لم تنطلق سوية لكنها وصلت معا بفارق بعضة أيام أو أشهر أو بضعة سنوات حتى، إلا أن مفعولها طفى إلى السطح في نفس الوقت، بعضها جاء إلى حياتي بسرعة قذيفة الهاون والآخر دبّ ببطء الحلزون وصبره.

وهاأنذا الآن في المطبخ أتأمل آنية مرتصة على الرخامة بانتظار إشارة مني، لست ذلك "الشيف" الماهر المتحكم بمجرى الأحداث ولكنني وإن لم أملك كامل الزمام إلا أنني لازلت أتمتع ببعض "الكونترول" كي أصنع شيئا ما. سأجرب وأخلط وأزيد وأنقص من مقادير ما عندي كي أتوصل إلى وصفة مثالية، ليست مثالية بالمطلق لكنها مثالية لي أنا تحديدا في هذا الوقت من حياتي تحديدا، وصفة تسعفني لأني بحاجة إلى البقاء على قيد الحياة ووصفة تغذيني لأني أريد أن أحيا ملء الحياة. سأطرد الحسرة لأنها قد تتحول إلى غيرة أو مرارة كلما قارنت نفسي بالآخرين وسأطارد الذنب لأنه يلون كل المشاعر بلون واحد لا رائحة له ولا إسم.

في أي لحظة من حياتي أنا أغنى من الكثير من الناس وأفقر من الكثير من الناس فالقرار في يدي أن أختار أية نظارة تزين أنفي. دموعي ملكي أنا وحقي أنا وليست حكرا على منطق "اللي يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته" لكنني لن أقبع في مستنقع الألم فابتساماتي هي أيضا من حقي وليست عبدة لإعاقات مجتمعنا التي تحذرنا "الله يجيرنا من شر هالضحك".
عندما أبكي سأكفكف دموعي بكفي أنا وليس بسدادة دمع اسمها "احمدي الله غيرك متمني اللي انت فيه" وعندما أضحك سأقهقه وأققز وأرقص دون الاستعراض الذهني لصور المأساة السورية التي سمّرت قدماي بالأرض مع تحيات شركة "كيف فيكي تمبسطي وغيرك ما نشفت دموعو وبلدك ما نشفت دماتو".

أنا إنسان من إصدارات عام 1979 أخضعت نفسي لعملية تحديث "أبجريد" للتماشي مع "تكنلوجيا" عام 2014 فغدوت أمتلك خاصية الإبادة لعقدة طالما توارثناها هي عقدة الذنب. ذلك الذنب الذي دعوناه ضيفاً دائماً في أفراحنا وأتراحنا يفسد علينا لحظات السعادة مهما كانت صغيرة متناثرة، ويحرمنا من الحق في الحزن بحجّة أن هناك من هو أتعس حالا منا.
بدل أن نحارب الذنب اخترنا أن نهرب منه فاختلقنا سعادات تافهة وحصرنا أنفسنا بها متناسين من حولنا مجترّين مباهج الحياة بأنوف مترفعة عن رؤية البؤس من حولنا ومد يد العون فقبضتنا محكمة الإغلاق بأنانية حفاظاً على كل ما نملك بدلا من أن نمدها لنشارك المحتاج بكيس من السكر، بعضنا هرب إلى السعادة والبعض الأخر هرب إلى التعاسمة فاختلقنا شرانق حزن أبدي نحيكها من حولنا كي نجلس داخلها بأمان نلعق جراحنا دون أي نية للخروج ثانية والعودة إلى العالم فالحزن عذر مريح يعفينا من أي إنجاز أو مسؤولية تجاه أنفسنا والآخرين وبات ومن الخسارة تمزيق شرنقة قد استثمرنا وقتا طويلا في تلوينها وتزيينها وتعليق الصور التذكارية على جدرانها.

وتستمر حملة اقتلاع الذنب من جذوره واكتشاف وصفة حياة بمقادير واقعية، أما أسرار صنابير الـ"أح أوو" فهي تعمل بكفاءة حتى وإن كانت " المي مقطوعة... يا أفندي "


بدون تعليق: اخترت هذه المرة صورة من غرفة غير تقليدية في منازلنا قلما نشارك صورا منها... الحمام... وعلى المرآة علقت أربع قطع تجلب لي ابتسامة عذبة كلما لاحظتها وتأملتها فهي تعكس الكثير بغض النظر عن خناقات الليل "مين لسا ما فرشا سنانو؟"