Showing posts with label culture window. Show all posts
Showing posts with label culture window. Show all posts

Sunday, November 25, 2018

الكرسي الخالي


في قلبها كرسيٌّ خالٍ، متناهٍ في الصِغَر، كلّما أغمضَت عينيها وأنصَتَت جيّدًا سمِعَت صوت أنفاس الرضيع النائم في هذا الكرسي.
طالَ انتظارُها له، وعلا بحرُ الدّمعِ الذي يملأ مهدًا صغيرًا لم تشترِه بعد، وكثُرَت المحاولات ومعها كثُرَت مُناجاتُها لطفلٍها: «آه لو تعلم يا حبيبي كم أحتمل وأصبر كلما لمحتُ أُمّا وكلما حملتُ طفلا وكلما دخلت عيادة الطبيب وكلما استلقيت على ظهري لأسابيع طِوال منتظرة نتيجة آخر محاولة طِبية وطريقة زرع مجهرية.
«قل لي يا صغيري، هل أنت قادم؟ إعفِني من عذاب الانتظار، قد يكون اليأس أكثرَ رأفة بي من أملٍ كاذب.»
***
في بيته كرسيٌّ خالٍ، يجلس عليه كلما ضاقت به الدنيا واحتاج أن يشتمّ رائحة الحكمة التي لا تزال تنبعث من خشبٍ عتيقٍ باقٍ حتى بعد رحيل صاحبه. «هل أنا أنانيٌّ يا أبي؟ هل اشتقتُ إليك بصدقٍ أم أنني فقط أفتقد ما كنتُ أحصل عليه من وجودك؟
«يدّعي البعض أن الموتى يسمعوننا إذا خاطبناهم، لكنني أحتاج أن أسمعك أنت، أن أسألك وأستشيرك، أن أعرف رأيك وأختلف معك. لماذا رحلت وتركتني بلا سند؟ الآن عرفتُ ثِقل الحمل الذي كان على أكتافك. اصبحتُ أنا الآن ’كبير الأسرة’ وهم لا يعلمون أني في أعماقي مكسور الظهر، جريح الجناح.»
***
على سُفرتها كرسيٌّ خالٍ، تعتصر مَعِدَتها ألمًا لرؤيته. لا يجد الطعام مكانًا في أحشائها لأنها جائعة طوال الوقت، جائعة لأن تقبّل وجنتيه للمرة الأخيرة، وتهمس في أذنه: «أنا أحبك، وسأظل أحبك حتى آخر نفَسٍ في عمري... عمري الذي لو كان بيدي لأعطيتك إياه ورحلتُ أنا عوضًا عنك.
«أنا آسفة يا ولدي، سامحني لأني ككل الأمهات الثكالى، نادمة على كل مرة حرمتك فيها من أمر أو أجّلته لأن قراري كان لصالحك، يا ليتني كنتُ أعلم...
«سريرك خالٍ في بيتنا، لكنك تنام في قلبي كل ليلة، ومثلما اتحد نبضي بنبضك تسعة شهوروأنت في أحشائي، عاد نبضينا ليتّحدا تسعة دهور وأنت تسكن قلبي وعقلي وفكري وتعشش في كل خلية في كياني... لأني أمك... وسأبقى أمك إلى مدى الأزمان...»
***
في أحلامِها كرسيٌّ خالٍ، تَحِيكُ له كلّ عامٍ غطاءً جديدًا من حرير صفاتٍها، وترصّعه بلآلئ شخصيّتها. تفرش الغطاء على الكرسيّ يوم عيد ميلادها وتتأمله بعدساتٍ من الدموع المنهمرة مع كل "عقبالِك" و "شدّي حيلك" و "نفرح بيكي" سمِعَتها طوال عامٍ آخر مرّ من دونه. وتسأل نفسها: «كم عامًا قادمًا سيشهد عدم وصوله؟ هل يفكر هو فيّ ويستعد للقائي كما أفعل أنا؟ هل أتاني متخفيًا فلم أعرف أنه هو، بل ظننته مجرد "عريس" آخر أو شابٍ "طالِب القرب" وأنا التي رفضتُه وأغلقتً أبواب قلبي وشغّلتُ عقلي أكثر من اللازم؟
«هل حصلتُ أخيرا على ذلك الوشم الذي يراه الجميع على جبين كل من تتأخر في الزواج مع أنها "كاملة الأوصاف" فيغدو عيبها الوحيد أنها "مغرورة" وتتحول الكلمة إلى لافتة تحذير في شارع حياتها كُتب عليها "إحذر الإقتراب". حتى وإن نجَحتُ في نزعِها من على الرصيف، إلا أنني سأفشل حتمًا في نزعها من عقول كل من أقابله في العمل ودور العبادة وأثناء السفَر والتجمعات العائلية واللقاءات الودية.»
***
وسط لياليها كرسيٌّ خالٍ، لا تراه بوضوح إلا في الظلام، بعد انسدال الهدوء، فضجيج منزلِها نهارًا يصُمّ الآذان، وعجيج أفكارها يزيد من علوّ الموج الذي يلطم وجهها فتتعذر الرؤية. لكن الكرسيّ قابعٌ هناك كالسراب، كلما ظنّت أنها اقتربت منه تجده قد استدار وابتعد... تمامًا كما استدار الخاتم وأحاط بإصبعها يوم زفافها، وكما استدار بطنها وتكوّر يوم أصبحت أمًّا، وكما استدارت أيامها كالدوامات مبتلعة أحلامها لنفسها ولمستقبلها. تغتال كلََ كلمة محذوفة من قاموس الأمومة، وتشتكي على أية فكرة كي تعتقلها شرطة مكافحة الأحلام، وتنبذ أي هدف لا ينصبّ في صلب بئر التضحيات الأنثوية لأسرتها.
الـ"أنا" تحوّلَت إلى "نحن"، لا بل تحوّلَت إلى "هم" وفقط هم: «ما هو هدف حياتي غير زوجي وأبنائي وأهلي؟ إنها أسمى الأهداف وأرقى التطلّعات وتتمناها ملايين النساء حول العالم وها أنا متذمّرة.. شاكية.. باكية.. منعدمة الضمير.. قليلة الإمتنان.. ناكرة للجميل...»
***
داخل مرآتها كرسيٌّ خالٍ، لا بل كرسيان، يتمركز كل واحد في سواد بؤبؤ عينيها. لذا كَرِهَت المرايا وتجنّبتْ النظر لانعكاس صورتها أينما كانت. «ما الفائدة يا أمي إن كنتُ أُشبِهُك في ملامحي لكنني أعجز عن أن أشبهَكِ في حياتي؟ لماذا لم تتركي لي دليلا شاملا يشرح بالتفصيل كيف يمكنني أن أكون ولو رُبعَ ما كنتِ أنتِ عليه في حياتك وما يقوله الناس عنك حتى بعد رحيلك؟ أتعلمين يا "ماما"... أسمع هذه الكلمة كل يوم عشرات المرات، نعم لقد أصبحتُ أنا أُمًّا. ومنذ أن حدث هذا وأنا تائهة... أهيم على وجهي في غابة الأمومة، أتخبط في قراراتي وفي تقصيري وعجزي.
«أحتاجك أكثر من أي وقت مضى. فقدتُكِ ... وبفُقدانِكِ فقدتُ بوصِلَتي وملاذي... فقدتُ ذلك الشخصَ الوحيدَ الذي كان سيفتخرُ بي، وسيخاف عليّ، وسينصحني بحنان، ويعاتبني بحب... فقدتُ كل ما هو "غير مشروط" وغدتُ "يتيمة" بكل مافي الكلمة من معنى وألم.»
***
في العيد... كرسي خالٍ... يتمركز حولَه عيدُنا... فإما أن نجتر أحزاننا ونبقى عالقين في حلقة مفرغة لا أمل بالخروج منها طالما أبقينا ذلك الكرسي في المركز... أو أن نتجرأ ونفرح بعد رحيل الغوالي فيباغتنا الذنب كالإرهابي مرتديًا حزامًا ناسفًا لأي فرحة وماسحًا لأي ابتسامة...يعتلي الكرسي الذي في المركز ويشد الزناد ويفجّرنا...

ما أكثرها...
تلك الكراسي الخالية في بلادنا، وفي بيوتنا، وفي حياتنا...
وما أصعبها...
رحلة التعافي والشفاء والتدرب والتعلم والتعثر، كي نصل إلى عيدٍ ما، في سنةٍ ما، يومًا ما ونقرر أن ننزع الكرسي الخالي من المركز وندمجه في خط الدائرة ليأخد مكانه ومكانته في حياتنا لكن دون أن تتمحور بمجملها من حولِه...

يومئذٍ سنسمح لأنفسنا أن نعيّد من جديد، أن نذوق طعم الفرح الذي نسيناه ونسِيَنا، أن تحفر الإبتسامة طريقا جديدا تشقّه بجهد على وجوهنا... رغم الكرسي الخالي...

Thursday, March 8, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: البطلة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/البطلة/

المشهد الأخير... تنقله إليكم الشاشات بنقاء عالٍ HD  لتعيشوا الحدث لحظة بلحظة...
عندما تسقط البطلة... رحلة الأسيرة الأخيرة... ساعات ما قبل الإعدام...


دعوني في البدء أقترح عنوانا بديلا للمقال قد يجده البعض مناسباً أكثر:
مذكرات زوجة قسيس كافرة
/اليسوعة/

اختيار هذا التاريخ على وجه التحديد لتنفيذ حكم الإعدام في اليوم العالمي للمرأة، له دلالات عدة، أهمها أن تكون هذه "البطلة" عبرة لمن اعتبر، فيشهد الثامن من آذار/مارس 2018 نجاح حملة "كم الأفواه" لبثّ الرعب في نفوس كل الإناث اللواتي تسوّغ لهن أنفسهن – وألسنتهن وحساباتهن الإلكترونية – على التفوه بالحقيقة، وبالتالي يمتنعن عن ذلك...

تُثار التساؤلات كغيمة غبار تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي:
هل حقاً وقعَت البطلة في الأسر؟
أم أنها هي التي سلّمت نفسها طواعية للسلطات... الغير معنية؟
هل يحق للأبطال الإستسلام؟

يمشي شريط الأسئلة أسفل الشاشة ليقرأه المشاهدون وهم يتابعون البث المباشر.
لا تخلو الجماهير من زمرة قليلة جُلّ ما يعنيها هو كون الأسيرة امرأة هذه المرة ولا بد للثياب الممزقة من أن تكشف عن أنوثة تلعقها عيونهم الجرباء، لكن نسبة كبيرة من المتفرجين يرون الأكبال وكأنها أساور وخلاخيل تجمّل الأسيرة وتزين معصميها ورسغيها، والبقية الباقية هم الأغلبية الواقعية التي تتأمل لون الحديد الصدىء تنساب من فوقه دماء طازجة بأحمرها اللامع في عز شمس الظهيرة...
صوت قرقعة السلاسل بإيقاع سير الأسيرة البطيء يتردد صداه عبر فضاءات السوشال ميديا مرفقاً بهاشتاج #أيقونة_الحقيقة بهدف السخرية من البطلة إسوة بهاشتاج عمره آلاف السنين #ملك_اليهود، فقد عجز الجنود الرومان آنذاك، وسجّاني الفكر في يومنا هذا عن إدراك نفور البطل (أي بطل) من الألقاب، بما فيها لقب البطل/البطلة. لكنها الخدعة التسويقية التي تساعد في تكاثر أعداد المتابعين وتزيد سرعة انتشار الخبر كالنار في الهشيم وتدفع بالعيون المذعورة والأصابع المرتجفة إلى الضغط على المثلث المائل فيبدأ تشغيل الفيديو لنقرأ في مُستهلّه جملة تحذيرية: "هذا الفيديو يحتوي على مشاهد عنف لا تناسب أصحاب القلوب الحساسة"... جملة لن تُثني أحداً عن المشاهدة، فالإنسان بطبعه مخلوق فضولي، سيضاعف فضولَه استخدام كلمة "بطلة" ويا حبذا لو صاحبتها كلمة صادمة لتكوين عنوان رنان: "سقوط البطلة"...

كتعطش مصاصي الدماء لغرز أنيابهم في جسم الضحية، يغرز الفضوليون أنوفهم ليشتمّوا الرائحة اللاذعة لما أسموه "فضيحة"... بينما في مكان آخر... في عُلّيات مُغلّقة، تجتمع الركب والأسنان المصطكّة رعباً، حيث أحكمَت التلميذات المختبئات إقفال الأبواب والشبابيك خوفاً من تعرضهن للإعتقال وتلقّي ذات المصير...

التهمة: سؤال
نَصّه: ماذا لو تجسد الله في جسم إنسان أنثى؟

كانت الصياغة الاولية لهذا السؤال نابعة من عفوية وبراءة تفكير ابنتي بُعَيد عيد ميلادها السادس: "هو ليه يا ماما في يسوع ومفيش يسوعة؟" عجزتُ يومها عن الرد، إلا أن الفكرة سكنتني كالمرض العضال الذي تظهر أعراضه بصورة تساؤلات وتهيؤات تعاودني كلما وجدَت لنفسها شرارة جديدة كأن أنظر إلى السماء فأرى الغيوم وقد اصطفت ليكتب بياضها: #Me_Too  إلهي حي، ويقول لي أنه يشعر بي...

هل هذه حقيقة؟ أم أنها وهمٌ تمنّيته بالشدة الكافية إلى أن تحول إلى حقيقة؟
إذا كان يسوع الإنسان قد عاش ذكراً في الجسد، فكيف يمكنه أن يفهمني أنا الإنسان الأنثى في الجسد؟
هل حقاً أنه يشعر بي، وأنا بداخل جسم امرأة؟
هل يتّحد معي في إنسانيتي، في جسدي، ليس كخالقه بل كمرتديه وساكنه؟
هل يلبس جلدي في نعليه ويمشي به ميلاً، طواعية، دون أن يسخّره أحد؟
هل سار فعلا على الأرض مثلي؟ أنثى في شارع ذكوري...
هل حمل عاري؟ عار أنثى، معيوبة لمجرد كونها أنثى، وكأن الأمر بيدها، صوتها عورة، وكينونتها عيب العيب...
هل ذاق طعم مخاوفي؟ مخاوف أنثى تنتفض عندما تنقضّ عليها المخاوف كالضباع...

هل كان جسده الذكوري كجسدي؟ يمكنه أن يحتوي نار الحب دون أن يكتوي بها... يمكنه أن يتلوّى من الألم بداخله دون أن يعتلي وجهَه أي تعبير... يمكنه أن يحبل ويلد ويُرضع أفكاراً كنسل إبراهيم بعدد رمل البحر ونجوم السماء... يمكنه أن يسقي سنيّ عمره دمعاً وقطرات عرق نازلة كالدماء مع آخر كل نهار ومع مطلع كل فجر يختم ليلة طار نومها... يمكنه أن يحيك مشاعره شبكة تسافرعبرها الأحاسيس بسرعة الضوء فتزيد زينتها جمالاً وتقعيداً وتحولها إلى فخ يصطادني ويوقعني فريسة في شرك المشاعر المتشابكة المعقدة...

ماذا لو كان الله قد اختار في ملء الزمان أن يتجسد في صورة ذكر لكنه عبر العصور والأزمنة يختار مراراً وتكراراً إناثاً ليشرّفهن بأن تتجسد أفكاره وحبه وحقه وحريته وحضوره من خلالهن؟ يدعوهن ليعرفن الحق والحق سيحررهن... يعرفن الحق ويعشن الحقيقة...

دفعَت بي سذاجتي في بادئ الأمر إلى أن أتفوه بالحقيقة علانية وأفضح أكاذيب طالما سكتنا وتعامينا عنها وتناقلناها عبر الأجيال... رفعتُ صوتي إسوة بإناث أخريات فعلن هذا في مجتمع ولغة مختلفين، بينما كنت أتخيل مشهداً سعيداً للحرية تهبط كأسراب الحمام تحطّ كل حمامة منها على كتف إحدى الإناث "البطلات"، وعند وصول حرّيتي أنا سمعتُ الصوت المنتظَر: "هذه ابنتي الحبيبة التي بها سررت."

لكن تخيلاتي اصطدمت بالواقع الزمني والمجتمعي الذي أعيشه وإذا به يعيدني إلى مشهد الإعدام حيث سُلّطَت مكبرات الصوت على أفكاري وفاجأني سماعها:

"أنا لستُ بطلة... لم أُرِد يوما أن أكون بطلة، لم يُغرِني الوشاح الخارق والشعار الخاص والإسم الحركي وأضواء الشهرة... فالأبطال دائماً يدفعون الثمن، فقط في أفلام الرسوم المتحركة نرى النهاية السعيدة للبطولات مع خاتمة الفيلم حيث تنكشف الأكاذيب ويعلو صوت الحقيقة ويعيش الجميع في سعادة وهناء...

ماذا لو أمكنني تقاسم العذاب مع أخريات، هل سيقل نصيبي من الجرعة؟
ماذا لو تم الإعدام بسرعة، رمياً برصاصة رحمة؟
ماذا لو ولِدتُ في عصر مستقبليّ، كان جلّادوه أكثر رفقاً؟"

عندما أدركتُ أن الملايين قادرون على سماع أفكاري، نظرتُ إلى الشاشة العملاقة وقد كتب أسفلها: "الكلمات الأخيرة للأسيرة" فسمعت صوتاً ما في داخلي أقرب إلى الأنين منه إلى الكلام العادي، وقبل أن أتمكن من تمييز الجملة، قرأتها مكتوبة على الشاشة:
"يا أبتاه، إن أمكن، أن تعبر عني هذه الكأس..."


بدون تعليق: هذه القصة من نسج الخيال، وأي تشابه بينها وبين الواقع هو محض صدفة لا أكثر... أما بالنسبة للصغيرات اللواتي يراقبننا ويريننا "بطلات" في عيونهن... فليس في جعبتي نصائح حكمة أسديها إليهن في الوقت الحالي... فأنا لازلت أدفع أثماناً باهظة... على أمل أن أتمّ المهمة قبل أن تكبر الصغيرات كيلا أورّثهن ديونا لا قدرة لهن على سدادها...

Monday, October 19, 2015

الانتخابات البرلمانية والآيس كريم الرهامية

أنا إسمي رهام بدون ياء، عمري 36 سنة، مزدوجة الجنسية في زمن مش أحسن حاجة فيه انك تكون سوري- مصري لأن جنسيتك الأولى هاتبهدل توازنك التفسي وتخليك عايش على مسافة شعرة بينك وبين الجنان الرسمي الغير مصرح به، وجنسيتك التانية هاتضمنلك وصفة اكتئاب مضادة لأي تفاؤل حتى لو كان صنع في الصين.

النهاردة أول مرة في حياتي أعمل حاجة بيقولوا اسمها "حقوق المواطن في المشاركة بالحياة السياسية". حاجة بقالي مستنياها 36 سنة عشان أدوق طعمها "عايزة أصوت ياناس" وحصل فعلا اني عرفت شو يعني انتخاب حتى ولو جربته في البلد اللي عشت فيها ربع عمري بس (9 سنين هي نسبة 25% بالظبط من أصل 36).
كنت فاكرة اني هازقطط أول ما أخرج من اللجنة واني هاحتفل وأشتري آيس كريم (اللي بيعرفني عارف إدماني لهذا الاختراع بمناسبة وبدون مناسبة) واني هاصور صوباعي الملون وهاحط الصورة على الفيسبوك تتوه في بحر حبر فوشيا على صوابع جنبها ابتسامات عريضة بس اكتشفت ان ده أول حلم طار: حلم السيلفي ولجنة الانتخابات خلفي وصوباعي في أنفي قصدي صوباعي الفوشيا يتصدر الصورة، عشان ببساطة ما شفتش ولا صورة واحدة حد حاططها لنفسه أو واحدة مشيراها لصوابعهم هي وصاحبتها أو حد مغمس العشر شموع بتوع ابنه في الحبر... نو، مفيش.

الحلم التاني اللي طار هو الآيس كريم ، لأن كان في طعم تاني في بؤي مش لايق عليه توب الفرحة، كان فيه مرار الاحباط من ساعة ما بدأت أقول للناس بحماس اني أخيرا هايكون لي صوت انتخابي والكل كان يرد "إيه ده بجد؟ مبروك" بس بعديها ترن التريقة على طول "هاتنزلي لوحدك المرة دي" وهي تريقة مش موجهة لي أنا لكنهم بيقولوها في وش واقع بنعيشه بعد ما الناس حلمت وثارت وانتخبت وصوتت (بالمعنى الموسيقي!) وانتخبت تاني... بس شاءت الأقدار اني أكون بين صفوف المتفرجين في كل المرات الحماسية دي وأجي على آخر مرة أشارك بعد ما الكل مشي من عيد الميلاد وحتى البلالين نفست واتجمعت في ركن من الأوضة تحت ترابيزة مع ورق الهدايا المتقطع.

وانا خارجة ومستنية مشاعر الهيصة تهب فيّ لقيتني بابص على صباعي الفوشيا وصعبان علي من ناس كتير. الناس دي بيسموا نفسهم "مقاطعين". حسيتهم هم اللي سلبوا مني فرحتي، مش الحكومة ولا الدولة ولا النظام ولا البرلمان السابق والمستقبلي، المقاطعين والمكسلين هم اللي سلبوا مني فرحتي. ومع احترامي لحنكتهم السياسية وخبرتهم الثورية وآرائهم التنويرية، لكنهم مش بس أذوني أنا لكن أذوا ولادي كمان. حسيت ان سلبيتهم دي ممكن تجيبنا لورا أكتر من الورا اللي مش عاجبهم حالياً. كان صعبان علي منهم لأن كان في إيديهم يعملوا حاجة بس اختاروا الصمت واختاروا العناد السلبي بدل عناد المعافرة الإيجابي واختاروا التعصب لرأيهم بغض النظر عن تبعيات رأيهم على جيل زي جيل ولادي، وده على فكرة جيل ولادهم هم كمان بس أشك ان ولادنا هايكبروا سوا في مصر. أنا وصلت لقناعة جوايا ان الناس دي فاكرة نفسها بتحب مصر وبتعمل ده بكل حسن نية وزي ما الحب ليه أشكال كتيرة ومنه ما يقتل منه كمان ما يؤذي ويضر البلد لو كان حب بطريقة عمياء وعشوائية ومزاجية.

كان عندي إحساس قوي ان الناس دي ماشيين من البلد أو ناويين يمشوا حتى لو هم مش عارفين كده دلوقتي لكن خبر هجرتهم جاييلنا قريبا لأن حبهم لمصر كان مش كفاية يخليهم يبلعوا كرامتهم الثورية وينزلوا الانتخابات عسى ولعل حاجة تتغير. وانت بتقاطع عامل زي المراهق اللي بيهدد مامته كل شوية انه يسيبلها البيت ويمشي بس بيفضل محتمي بيها ومش بيمشي، لكن طول ما هو قاعد في حضنها مش بيكلمها ولا بيبصلها، بيعاملها بخرس مستفز كأنه بيعاقبها عشان مقموص ومش عاجبه اللي عملته مامته في الفسحة اللي كان نفسه فيها ومستني شكلها على مقاسه وغير كده مش لاعب.


المهم في الآخر، فركش الاحتفال، أنا مش هاحتفل، أنا هاركب الترام وأروّح بيتنا، زمانه جوزي مستنيني ومحتاج ينزل شغله وأقعد أنا مع الأولاد اللي مدارسهم أجازة النهاردة. أنا هاركب الترام ولأول مرة بمئات المرات هايعرفوا اللي حوالي في عربة السيدات اني مصرية (أو اني وانا جاية من إيطاليا اتعورت تعويرة فوشيا في صوباعي الصغير!!)، أنا هاركب الترام وهابص على صور الشهداء المدهونة على حيطة نادي الاتحاد، هانزل في محطة الابراهيمية، هاشتري كرت شحن لموبايلي، هاجيب أي فاكهة من العربيات في شارع اللاجيتيه، وفي البيت هاصور صوباعي بكاميرا عادية وهاحط الصورة على مدونتي وهاكتب الكلام ده عشان ولادي في يوم يكبروا ويعرفوا ان مامتهم بعد 36 سنة من ولادتها جربت طعم الانتخابات، وبدل ما يكون زي الآيس كريم بنكهة الفانيليا والمكسرات، كان عامل زي السبانخ المسلوقة من غير ملح، كل برلمان وانتم طيبين.

Tuesday, August 25, 2015

Rare Bird: Asfour Nader

In my 8 years of blogging, first privately as I shared family news with a selected private audience, then publicly sharing thoughts I wrote in English and in Arabic, this is the first blog post I did NOT want to write. But here I am writing it because I felt I had to.

Why am I doing this to myself? I guess it’s because I fell in love with a boy who was 12 years old, and forever will be. I fell in love with a boy I’ve never met, and I never will. I fell in love with a boy called Jack. I heard about Jack during the first few months of mothering my daughter. Those long days and nights that looked all the same as I tried to navigate this new life with a toddler boy and a new born girl were extremely lonely and I needed something, anything to help me survive.

My sister’s friend shared an article from Momastery on her facebook page and that’s how I got to know Glennon, so I started reading her posts which one day lead me to Anna’s blog “An Inch of Grey” and the story of Jack’s accident. It was easy to do the math, Jack died two weeks after my daughter was born. Later I’ll start hating math because it revealed so much of what I had in common with Anna, only a decade ahead of me. In the fall of 2011 Anna was 42 years old and I was 32. Her jack was 12 and my son was 2, her Margret was 10 and my daughter was a few months old. We’re both Christian, believers, church goers, and English teachers, veterans to be more specific, neither one of us is teaching now (or was teaching 4 years ago) and I’ve recently developed a love for painting furniture to decorate my gift shop/art gallery Kharbashat-Doodle. Then gradually over the past 4 years my son seemed to have so much in common with Jack. He too loves words, Legos, acting, jigsaw puzzles, and making up new games. He is kind to his sister (also 2 years younger than him) and he loves his Sunday School class as his love for God is starting to show and grow. Did I mention how cute and funny he is too?

I mourned with Anna, I grieved with her overseas. I wrote her a few e-mails and comments telling her that a Syrian mother married to an Egyptian pastor is praying for her and sending her love all the way from Alexandria, Egypt. Then when Anna posted a question on her blog for readers to choose the best title for her upcoming book about Jack, I clicked on the one choice that seemed to make most sense “Rare Bird”, apparently many readers and friends picked the same title and the book was out. When I started planning to ask my sister to order it for me and send it with someone coming from the US to Egypt, I received a message from one of my American friends, Jessica, who is also a pastor’s wife asking if there’s a certain book I’d like her to buy me because a guy from their church is coming to spend a few months in Alexandria!



Jessica’s sweet gift sat on my night stand for months. It wasn’t until last week that I decided to read “Rare Bird”, From the first few pages I knew two things, I need an extra dose of courage to continue and I’ll end up writing something about this book. I hated it and loved it at the same time. Anna's writing style, the way she crafted words and sentences with both language skills and honesty was captivating. She took me with her back in time to the last few months of 2011 and to a brand new state not included among the five I’ve visited when I went to the US in 1996, 2000, and 2001. I felt I was physically right there on September 10th 2011. I rarely cry when I read sad novels, but this is not a novel, it didn’t even feel like a book at all, it felt more like a movie, one of these 7D theaters in which you experience the story with more senses than you thought you had. I was stupid enough to take the book with me once as I waited for my son to finish his piano lesson, and I started crying! I wonder what the other parents in that waiting room thought, she looks like a crazy mother, she doesn’t look Egyptian, she’s holding a book in English, we pity her son…. I don’t know and I didn’t care.  

I received the book months ago, and the timing I chose to read it was a bad one , we’ve just celebrated my daughter’s 4th birthday which meant that in a few days Anna, along with everyone who knew and loved Jack will commemorate 4 years of his departure. I couldn’t help but think that this year Anna turns 46, the same age her mom was when she died. Why am I doing all these calculations and making all these connections in my head? Maybe because I was looking for more and more things to mark my family as DIFFERENT from Anna’s, different enough to feel safe!

As a Presbyterian Christian by birth, I didn’t grow up to believe in signs, but I come from a Middle Eastern culture that believes in luck and optimism. It’s also a culture that believes in the evil eye and envy. In my family and at church we were raised to believe that our future, luck, or destiny is guaranteed in God’s plan for our lives, so we need to worry not. It’s easy to believe this and relax when you’re not a parent yet, a mother to be specific, but when you grow up and discover the harsh fact of life that bad things do happen to good people then you start to doubt your faith. I’ve never doubted that God is good, but I’ve never had to face a tragedy that shook me to the core and turned my world upside down. The war in Syria is the most recent tragedy I've experienced, with its ugly daily bloodshed and destruction, with horror stories of ISIS taking over beautiful parts of my beloved country, treating humans in the most savage of ways, left me bewildered and depressed. I mourn my country, a country I used to visit twice a year but haven’t seen in almost 5 years now. Still I count my blessings in spite of all the pain and tears. My uncles, aunts, and first cousins are all safe and healthy, at least physically. My friends are all still alive, my parents’ apartment, the only place I knew and called “home” is still there in a relatively safe area in Damascus, so I can still dream of one day going there and getting my photo albums, stacks of letters, journals and diaries. I dream about taking my kids there to visit their grandparents who will give them my childhood toys. When I get depressed upon hearing more bad news from inside Syria or news about refugees abroad, I try to re-count my blessings, which is easy sometimes because I don’t have a firsthand experience of what my friends and family members have been through and are still enduring.   

So when it comes to signs, I kind of wish I believed in them. They would’ve saved me so much trouble making big decisions in my life, like choosing my husband and moving to Egypt. And later it could’ve saved my husband and I the hard weeks of making difficult choices regarding our kids, life, work, and ministry. My husband believes that God gave us our brains, life experiences, and the Holy Spirit to guide our decision making process. We talked about it a lot as I shared with him my secret wish for a story like Giddeon’s in the Old Testament with his wool fleece (Judges 6 : 37), but we don’t do signs in our family, we don’t ask for them, we don’t look or wait for them. Instead, we think, we pray, we consult experts, we give ourselves a time frame, and we decide.

But yesterday, something happened, it made me re-visit this area of not believing in signs. I was reading the Rara Avis chapter of Rare Bird, specifically page 154 that has the poem Anna’s friend wrote about Jack. I read the poem (for the second time because I had read it previously on the blog) then Anna wrote about the time she posted this poem on her blog and started receiving stories from all over the globe. “They are amazing stories of birds catching people’s attention at precisely the moment they think of Jack.”. My son sat next to me as I read early in the morning, he woke up with the same severe headache he had the night before due to his high fever. I gave him his medicine and he decided not to go back to bed so we went to the living room and he started building something with his Legoes as I grabbed my book and read.

Finishing the poem and the page next to it I choked, I didn’t want to cry, besides, it’s too early in the morning to start crying, my son is right next to me, a little sick but alive. So I thought I’ll smile instead, thinking of the so many people who thought of Jack and saw birds. Then, all of a sudden, in the silence of the 6am Alexandrian morning I hear it, so clear and close, coming from our bedroom. Our rented apartment is on the 11th floor and even though it overlooks the golf field of the famous Sporting Club in Alexandria, it’s difficult for birds to make it this high above the tall trees. I’ve seen birds by our bedroom window often but not that often, and definitely not in the blazing heat of August. The window is covered with a fine metal net that doesn’t allow mosquitoes and other insects through.



When I heard the bird sing, I grabbed my camera and walked slowly to the bedroom to try and take a photo without scaring the bird away or waking up my husband. I knew if I took a good picture then this will prove to me that this sign is not a figment of my imgagination. The picture was bad and hardly showed any bird, then the bird flew and stood on the rusty laundry bar I never use, I took another picture, still with disbelief. Then I said to myself, if I can capture the bird’s face looking right at the lence in my hand then I’ll believe. Much like Thomas’ request upon hearing the story of Jesus’ resurrection. And here it is.



Dear Anna,

Your book took me on a roller coaster experience of reading such an amazing story about pain and hope. At times I wanted the book to end so the story would end with it and I can walk away and pretend none of it happened to you and it never found its way into my life. At other times I read and read and never wanted the book to end because I wanted to know more about Jack and to love him more, I wanted to know how you’re doing years after the accident.

I found the book to be scary, because it got me thinking that something might happen to my family, something so sudden and tragic that it will leave me broken beyond repair. I keep convincing myself that the real reason I’m reading your book is to help grieving people and as a pastor's wife to understand their struggles more. The psychology courses I took in collage fifteen years ago are very helpful, but a book such as yours written through the "perspecticles" (Glennon’s word) of a Christian mother is definitely a priceless reference. But you’re not a case study, and I’m not writing a term paper. It’s Jack we’re talking about, it’s Jack we’re missing, and it’s Jack’s life we’re celebrating. So my Egyptian bird came to remind me of that. Asfour Nader. “Asfour” (starts with the letter “ع” Ayn articulated from deep down in the throat) means “Bird” in Arabic. And “Nader” means “Rare”, noting that nouns in Arabic always come before adjectives.

The Rara Avis chapter was a beautiful one, so beautiful I didn’t cry till the very end, instead I had misty eyes, goosebumps, and a smile on my face. It made me love the bird metaphor even more. A bird not a fish, for instant, because fish swim but birds soar. This chapter was a milestone in the journey of reading the book, it gave me peace and comfort. One thing caught my attention is the fact that there’s no English word for a parent who lost a child, while in Arabic there is. It’s not a very pleasant word to hear, it sounds bitter, more like a curse or an insult. It’s mostly used in the feminine form for mothers and you can very rarely hear the masculine one for fathers, the root can be used for losing an offspring or a loved one.

This year Margret is two years OLDER than Jack. At the beginning of your new school year in the USA and ours starting next month, I wish and pray for Margret to have a safe, fun, and fruitful year, regardless of the painful math!

I worked as a part-time then free-lance translator for over 7 years during which I kept contemplating the idea of translating a book. But I kept shoving it to the back of my mind convinced that book translation is for people above the age of sixty, so I still have 24 years before I start. I don’t know how serious I was when I felt that Rare Bird might just be the first book I’ll translate, but what I do know is that it HAS to be translated into Arabic Anna, please make sure you have Arabic on the list of languages you’d like to see your book published in.

From the southern coast of the Mediterranean Sea, I'm sending you a huge THANK YOU. Thank you Anna for every minute, hour, and day you spent, thank you for every tear you shed writing this book till it saw the light. I think all Christian mothers should read it. It took one brave bereaved believer mom to write it and it took me all my courage to read it. Thank you for this journey you honored me to be part of, I’ve learned so much as your words addressed specific fears and doubts I have in my own faith in Jesus. Not only your book has nothing dishonoring to God (one among the many fears you confessed), but it also brings glory to God. The God we all tend to put in a box like you said you did, our little own boxes are as different as we are. But God surely is bigger, greater, and more active than we can ever conceive.  The most beautiful part of your book  is what comes next, your story is a real and an ongoing one, I don’t have to wonder what will happen to the characters beyond the book cover because you’ll keep us updated as we keep praying for you, Tim, and Margret.

Shukran Anna. 
Love,
Riham 

Wednesday, July 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة : الجزرة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الجزرة/

سأل مواطن أجنبي نظيره العربي قائلا: "ما هي أحلامك؟" أجاب الأخير: "أن أحصل على شهادة جامعية تضمن لي عملاً جيداً وأشتري منزلاً وأتزوج ويرزقني الله بأطفال أتمكن من تربيتهم وتأمين رعاية صحيه لهم وإرسالهم إلى مدارس جيدة." رد الأجنبي باستغراب:"من الواضح أنك أخطأت الفهم، أنا سألتك ما هي أحلامك ولم أسألك ما هي حقوقك!"


تقرأ لنا هذه القصة يافطة من المحيط إلى الخليج كتب عليها  Welcome to the MENA region (Middle East and North Africa) حيث تصبح أبسط الحقوق الإنسانية أحلاماً صعبة التحقيق، هذا ولم يجرؤ مواطننا العزيز على ذكر الأمان من ضمن "أحلامه" فقد باتت هذه العملة النادرة تنتمي إلى مصاف أحلام اليقظة أو المستحيلات السبعة ولا حاجة لنا لذكرها.

الغريب في الأمر أننا لو نظرنا إلى المجتمعات الغربية ومواطني بلدان العالم المتحضر سنرى أن حقوقهم المكفولة بسيادة القانون ليست حافزا كافياً لهم ليحلموا فنسمع جملهم التحفيزية تقول: “Dare to dream”ونتساءل: هل يحتاج الحلم في بلادهم إلى جرأة  وشجاعة؟ قد يظن البعض أن الحلم رفاهية هي فقط في متناول يد من يتمتعون بالبحبوحة (سواء كانت بحبوحة مادية أم معنوية) فنكذب على أنفسنا ونقول: عندما أرتاح سأبدأ أحلم بالمستقبل، لكنني الآن مطحون تحت رحى الاحتياجات اليومية الأساسية في حياتي وحياة أسرتي ومستقبلنا جميعاً. إنها فعلا أكبر أكذوبة مغلفة بطبقة من السكر كي نقبلها على أنها حقيقة.

قد لا أكون أنا الشخص الأنسب للحديث عن الأحلام على وجه التحديد. وقد لا تكون هذه المرحلة من حياتي هي الأمثل كي أتناول موضوعاً كهذا وأكتب عنه. السبب في ذلك بكل بساطة هو أنني منهكة من ملاحقة ما بدا لي أنه حلمي لكنه حالياً أشبه بالكابوس المتمثل في شكل "جزرة"، وكلنا نعرف ما هي الجزرة التي تتدلى من آخر حبل مربوط إلى عصى تجعل الجزرة عصية المنال، وهنا استوجب مني تقديم الاعتذار إلى الحمار أنني للمرة الأولى في حياتي "حسيت بيك حقيقي". ما بين مطرقة الجزرة وسندان الحلقات المفرغة التي علقتُ في مداراتها إلى أن أصابني الدوار حرفيا وبدأت أعاني من أمراض قد تكون سايكوسوماتية مع كل كشف طبي يظهر أنني سليمة 100% فما السبب إذا لصداع لا يطاق وثقل في رأسي يليه حالات دوار وإغماء؟ والخطر الحقيقي هنا لا يكمن في الإغماء نفسه بل في احتماليات حدوثه وأنا في الشارع برفقة طفلين أو وراء مقود السيارة! هل هناك تشخيص طبي أو نفسي يتهمني بتناول جرعة زائدة من الأحلام؟

على الرغم من الوعكة الصحية قررت أن أحضر مؤتمر زوجات القسوس، تلك العلامة الفارقة في حياتي التي دفعتني الصيف الماضي إلى بداية سلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة"  وكتابة مقال شهري تحت هذا العنوان. قررت أن "أطنش وأخاطر" وذهبت برفقة ابني ذو الأعوم الستة وابنتي في ربيعها الرابع وعلى كتف كلٍّ منا جرة (أو بالأحرى جِرار) خاوية طمعاً منا أن نروي ظمأً طالت معاناتنا منه.

في المؤتمر فكرت أن أطبق مبدأ "اللي يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته" واستأذنت قائدة المؤتمر أن أوزع على المشاركات استبياناً عن أحلامهن كنت قد أعددته مسبقاً. الأوراق الخمس والعشرون التي جمعناها ليست نسبة كافية لتعبر عن أحلام خمس وسبعين سيدة مشاركة ولكنها كانت كافية لتقول لي أننا مازلنا نحلم. كمواطنات مصريات (بيننا سورية وعراقية وفلسطينية) لازلنا نحلم، كنساء في مجتمع عربي لازلنا نحلم، كزوجات قسوس لازلنا نحلم. اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أقرأ أحلام زوجات قسوس who dared to dream  على الرغم من أنف كل شيء لا زلن يحلمن، يحلمن لكنائسهن، يحلمن لأسرهن، يحلمن لأنفسهن، فهذه هي الأمنيات الثلاث التي ذكرتها في الاستبيان على افتراض أن كل واحدة فينا وجدت فانوسا ً (سواء كان فانوساً سحرياً أو فانوساً رمضانياً مع تصادف توقيت مؤتمرنا خلال شهر رمضان هذا العام) وظهر منه مارد طيب منحنا أمنيات ثلاث. ولأنني على علم بالتركيبة الشرقية لزوجات القسوس في بلادنا لم أجد مفرّاً من تحديد ثلاثة أنواع للأمنيات لأنني لو لم أفعل لخرجَتْ الأمنيات الثلاث من نصيب الكنيسة والخدمة. لو وضعنا أي سيدة أمام هذا التحدي وأجبرناها أن تحلم فسنرى أن حلمها لن يتعدى الإطار الأسري وإذا كانت تلك السيدة زوجة قسيس فإن حلمها لن يتعدى الإطار الكنسي لذا استدعى مني الأمر أن "أزنق الستات" في ركن ثالث وهو تحديد حلم يطال الإطار الشخصي والذاتي لكل منهن، حلم يخص هويتها هي وكيانها المستقل كإنسان بعيدا عن شتى الأدوار التي من المفترض أن تلعبها في حياتها وخدمتها.

لو كان للتقاليد أيادٍ أخطبوطية لسرقَتْ أوراق الاستبيان القابعة على طاولتي وصرخَتْ بملء الفم how dare you to dream ولكن السؤال بالنسبة لي لا ينطلق من أنني تجرأت وحلمت أو كيف يمكنني أن أحلم لأن الأحلام ليست رفاهية بالنسبة لي بل هي النبض الذي يبقيني على قيد الحياة فأنا بكل بساطة لا يمكنني إلا أن أحلم حتى وإن قادتني أحلامي إلى نهايات مسدودة أو إحباطات جمّة فأحلامي هي الأوكسيجين لخلايا جسمي وروحي على حد سواء وهي الوقود الذي تحرقه محركاتي المختلفة التي تشغل كل الآلات لإنتاج المطلوب مني على كل الأصعدة حتى وإن لم يكن لها ارتباط مباشر بأحلامي. لا يكاد ينطفئ حلم إلا ووجدتُني أُشعل حلماً آخر في عملية أشبه بإدمان المدخنين الذين يُشعِلون سيجارة جديدة من سابقتها التي لم تحترق بعد إلى التمام.

مع نهاية مؤتمرنا ملأ أولادي جرارهما بما لذ وطاب من خبرات وذكريات، أما أنا فلزمني بعض الوقت كي أستجمع شجاعتي وأسترق النظر إلى جوف جرتي المظلم وأمد يدي مرتعشة خشية أن يعضها عقرب الإحباط أو تلسعها برودة أمل مفقود أو تخدشها خشونة واقع صعب لكنها اصطدمت بجسم طويل طري بعض الشيء، أخرجته وكلي حيرة وتردد، نظرت إليه ملياً، تأملت ذلك الشكل المألوف واللون البرتقالي ثم أنحنيت وأنزلت جرتي من على كتفي، وضعتها على الأرض ألتقط أنفاسي من اللهاث، نظرت مرة أخيرة إلى الجزرة وأعدتها إلى جوف الجرة، تركت الجرة مكانها وبداخلها الجزرة، ومضيت مبتسمة.


بدون تعليق: حتى عندما تتحول حياتنا إلى رقعة شطرنج كبيرة تدق فيها طبول الحرب بداية من أبسط التفاصيل اليومية انتهاء بحال بلادنا، يبقى هناك مساحة للأحلام وإن فشلنا في تحقيقها فعندئذ سنفتخر بأنه يكفينا شرف المحاولة

Friday, May 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: الانتظار

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الانتظار/

تسعة أشهر مدة طويلة جدا كي تكون فترة الحمل لأنثى الإنسان. هذا ما كنت أعتقده لسنوات طويلة قبل أن أتزوج وكلي أمل أني لو تزوجت يوما ما ورزقني الله بأطفال سيتغير رأيي. وهذا ما حصل فعلا إذ بمجرد أني علمت بأني حامل بابننا الأول وبدأت أيام وأسابيع الانتظار تغير رايي ولكن ليس بالاتجاه الذي كنت آمل فالتسعة شهور بالنسبة لي كانت في الحقيقة تسعة دهور.

نظم الجنين خلال الجزء الأكبر من سكناه رحمي بطولات لا نهائية في كرة القدم والجمباز وتولت لوحة الهرمونات في جسمي مهمة الإعلان عن فعاليات أخرى كالغثيان ونزيف الأنف وخدر الذراعين وانتفاخ القدمين والكثير الكثير من التسالي لتضيف نكهة "اللانهائية" إلى انتظاري. كنت أنتظر بصبر وصول آخر أسبوع في شهر أيار/مايو 2009 لينتهي انتظاري ذاك، إلا أنه عندما انتهى فعلا وتتوج بوصول ابني فوجئت بولادة انتظار جديد، أو بالأحرى سلسلة انتظارات خاصة بهذا المخلوق الصغير الذي وصل إلى عالمنا للتو. أول رضعة، أول تغيير حفاض، أول ابتسامة، أول وجبة، أول سن، أول خطوة، أول كلمة... سلسلة طويلة من حبات اللؤلؤ تتدحرج واحدة تلو الآخرى بفوارق زمنية قد تقصر أو تطول.



لقد كنت يوما ما فتاة تكره الانتظار بكافة أشكاله. أكره انتظار أن أنهي واجباتي المدرسية كي أبدأ اللعب ومع ذلك كنت أحرم نفسي من اللعب فور عودتي من المدرسة لأن الواجبات أهم ويجب إنهاؤها أولا. كنت أكره انتظار موعد درس الموسيقى في ممرات المعهد العربي للموسيقى بدمشق حيث تندمج أصوات الآلات المختلفة الخارجة من خلف أبواب غرف التدريس والتدريب وأنا أنتظر، ومع ذلك كنت أحرص على أن أصل قبل موعد الدرس لأني أكره التأخر وعدم الالتزام.

كنت أكره انتظار انتهاء المدرسين والمدرسات من تصحيح أوراق الامتحانات حتى وإن كنت واثقة من النتيجة الجيدة التي ستحجز لي مكانا على لوحة الشرف بين باقي المتفوقات في المرحلة الاعدادية والثانوية في مدرسة راهبات المعونة الخاصة بدمشق.

دقائق وساعات وأيام تتمطى أمام عيني بكل استفزاز لتعلمني فن الانتظار في سن مبكرة لأنني سأحتاج تلك المهارة حتى آخر لحظة في عمري لذا وجب التدريب المبكر بداية من أتفه الأسباب ومرورا بأحداث كبرى فتحت لي باب الحياة على مصراعيه في خبرات تنوعت ما بين الغربة والعمل والزواج والإنجاب والأمومة حيث أخفت لي كل مرحلة منها تشكيلة خاصة من الانتظارات الصغيرة والكبيرة.

 أنتظر أوراق القبول في الجامعة، أنتظر غرفة شاغرة في مكان سكني في الغربة، أنتظر عملا مناسبا يتفق مع أوقات محاضرات الكلية، أنتظر يوم التخرج وصورتي برداء وقبعة طالما حلمت بارتدائهما، أنتظر عقد عمل يضعني على عجلة الإنتاج بعد عودتي لبلدي، أنتظر دقات لم يألفها قلبي من قبل، أنتظر رؤية خطيبي الذي تفصلني عنه تذكرة طائرة، أنتظر انتهاء أمي من إضافة آخر خرزة في فستان زفافي الذي حاكته لي بنفسها، أنتظر المجهول في بلد جديد وعاصمة ثالثة تلونت غربتها بلون لم آلفه من قبل، أنتظر مغامرات السنوات الأولى من الزواج لأرى اختلافها الشاسع عما قرأت في كتب المشورة وعلم النفس، أنتظر انتهاء مهلة السنتين التي قررناها قبل التفكير في الإنجاب، أنتظر ذلك الخط الأحمر على عصى اختبار الحمل، أنتظر سماع صرخة الحياة إيذانا ببدء سيمفونية بكاء طفل اختار له الله بيتنا كمنزل ومستقر له، أنتظر صورة صبي في عامه الثاني يجلس ناظرا إلى أخته الصغرى نائمة على ركبتيه، أنتظر أياد صغيرة تلوح لي بالزي الرسمي على باب المدرسة صباحا وتعانقني ظهرا، أنتظر أنامل ممسكة بقلم رصاص ترتجف مع كل شخبطة وتصفيق... click here to read about my son's 1st day at school

أنواع الانتظارات لا حصر لها يختبرها صغيرنا وكبيرنا بغض النظر عن الجنس والجنسية لكنني اكتشفت مجموعة انتظارات خاصة بزوجة القسيس لها نكهات مختلفة عن تلك التي تختبرها باقي الزوجات والأمهات:

أنتظر أن يصلنا رد من الكنائس التي طلبت من زوجي رعابتها كي نحسم نتيجة الصلاة والتفكير الطويل لنتخذ قرارا في السفر أو الانضمام لكنيسة معينة.

أنتظر أن يتعرف إليّ أعضاء الكنيسة ويحبونني لشخصي ولذاتي لا لمجرد أنني زوجة فلان أو أم فلان أو الخادمة في الاجتماع الفلاني.

أنتظر أن يتعرف أولادي على أسرتهم الجديدة، أسرة لا يربطهم بها رابط دم أو قرابة لكنها أسرة أراد لهم الله أن يولدوا في أحضانها في سنة معينة ومكان معين وقد يتربون أيضا في كنفها أو كنف أسرة أخرى ننتقل إلى خدمتها.

أنتظر أن يكبر الأولاد قليلاً فأتمكن من العودة إلى صفوف جنود الخدام في الاجتماعات المختلفة وإلى صفوف المرنمين في الكورال وصفوف العازفين يوم الأحد وشتى أشكال الخدمة التي فطمت عليها لكن في بلدين وزمانين مختلفين وكأنهما حياتان أخريان يفصلني عن كل منها سنوات ضوئية من الأحداث والمتغيرات.

أنتظر عودة زوجي من زيارات رعوية وجلسات إدارية ومؤتمرات روحية لأجد نفسي في كل مرة وقد استسلمت تحت وطأة الإرهاق ومسؤوليات الأطفال والبيت أقوم بتفاصيلها منفردة فأخلد للنوم قبل أن أسمع صوت مفاتيحه تداعب قفل باب منزلنا.

أنتظر أجازة أسرية سعيدة نبتعد بها جسديا وذهنيا ونفسيا عن روتين وهموم سنة كنسية ودراسية طويلة وشتاء بدا وكأنه لن ينتهي فنطفئ قابس التشغيل لماكينات أجسامنا وعقولنا ونوقف الزمن ولو للحظة نقضيها نحن الأربعة معا بعيدا عن كل تلك الأثقال التي نجرها على مدار العام.

أنتظر نورا إلهيا يشق السماء وينزل إلي حيث أنا قابعة في ظلام وحدتي الحالك فيصلني بصورة ابتسامة أو ربتة كتف أو كلمة تشجيع تؤكد لي أن الله راض عن تقدماتي وذبائحي وتكريسي وتحملي حساب النفقة.

الانتظار علينا حق، وكل تلك الانتظارات ما هي إلا صور ميكروسكوبية عن انتظارنا الأزلي في شوق إلى ذلك اليوم الذي نستوطن فيه مستقرنا الأبدي مع باري الورى. فالسؤال لم ولن يكون: هل نحن ننتظر؟ وإنما السؤال الحقيقي هو: كيف نستثمر حياتنا أثناء الانتظار؟ 

جميع الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات

Wednesday, December 31, 2014

مذكرات زوجة قسيس شابة : العيد

مع غروب الشمس في مصر وسوريا ينتهي يومنا وتبقى أمامنا  ساعات نختم بها عاما انصرم بكل ما حمله لنا وصار في عداد الماضي ونستقبل عاما ذو صفحات بيضاء تخفي في جعبتها الكثير من "المكتوب" بالحبر السري ... الكثير لا يزال غير مرئي لنا... ولكن إلى حين
في هذه الساعات تغزوني مشاعر وأفكار لا أجد لها رفاهية المساحة التي تستحقها فآثرت الرجوع إلى هذا المقال

إنه المقال الثالث من سلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة" تم نشره في مجلة "أعمدة الزوايا" التابعة لسينودس النيل الإنجيلي في عدد ديسمبر 2014 أتمنى من خلاله للجميع عاماً جديداً بكل ما تحمله الكلمة من مفاجآت

قصاصات وقصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.


مذكرات زوجة قسيس شابة
/العيد/

" السنة دي دور أهلك ولا أهلي نعيد عندهم؟" تلك الجملة المتكررة في كثير من الزيجات لا تجد لها مكاناً في بيت القسيس إذ أن الغالبية العظمى من القسوس يخدمون في قرى أو مدن أو بلاد غير تلك التي نشأوا وترعرعوا فيها هم وزوجاتهم, وبالتالي تعاني أسرهم من الانسلاخ عن العائلة والأصدقاء والمكان المألوف، وفي العيد تتفاقم هذه الحالة من الشوق والحنين خاصة بالنسبة لزوجة قسيس مثلي نشأَت في كنف عائلة كبيرة كان العيد فيها أقرب إلى المهرجان بطقوسه وذكرياته التي كنا نكررها بالحرف الواحد وكأنها "شريعة مادي وفارس".

بعد زواجي صرت أتمنى لو يحصل أولادي على ذكريات مشابهة لذكرياتي وبدأت أشعر بالحسرة لاستحالة الأمر. لكنني سرعان ما حولت تلك الحسرة إلى "مشروع نهضة" وقررت أن أخترع نشاطات خاصة بأسرتي الصغيرة نكررها فتتحول إلى تقاليد سنوية ومن ثم إلى ذكريات سعيدة.

أول تقليد سنوي بدأت به هو الصورة العائلية كل عيد ميلاد، نرتدي خلالها ثياب العيد قديمة كانت أم جديدة لا يهم، المهم أننا في خضم الزحمة والضجيج الذين انتشرا حول العالم واقترنا بميلاد طفل المذود نتلقّف لحظة سعادة فنحولها إلى صورة هادئة صامتة تحكي بعلو الصوت عن سلام الميلاد وفرحه الذي نعيشه في أسرتنا.
ثاني تقليد هو مسرحية الميلاد التي انتظرت إلى أن يكبر أولادي قليلا ويزداد وعيهم وفهمهم لقصة الميلاد ليتمكنوا العام الماضي من تمثيلها أمام جمهور لا يتجاوز عدده أصابع اليد الواحدة. مسرحية "مهضومة" بطلها يوسف بأعوامه الأربعة والنصف ومريم التي تصغره بعامين يرتديان أزياء حاكتها لهم تيتا ليديا التي لم تنس أن تجهز زياً للطفل يسوع أيضا.

ثالث تقليد هو شجرة الميلاد، فبعد سنوات من الاكتفاء بشجرة "ميكروسكوبية" كانت رفيقتي في سنوات غربة الدراسة الجامعية قررنا العام الماضي شراء شجرة أكبر وجدت فيها إحياءً لتقليد أسري حافظ عليه أبي وأمي لسنوات طوال إلى أن غيّبَتها عنا طبول الحرب في سوريا. كنا كل عام نذهب إلى المشتل لاختيار شجرة طبيعية ننقلها إلى البيت فيفوح منها عطر الصنوبر ويملأ أرجاء المنزل برائحة ميلادية لاتزال تدغدغ أنفي. كانت تلك الشجرة بعد تزيينها شاهدا لاحتفالاتنا وللأمسيات التي تجمعنا حول البيانو بينما أخي يعزف ونحن نرنم ترانيم الميلاد التي حفظناها عن ظهر قلب فيرن الصوت في أعالي بيتنا بأناشيد السرور عن رحمة الله الغفور. مع انتهاء العيد كل عام كنا نزرع أشجارنا تلك في الـ "ضيعة" ونسعد اذ نراها تكبر كلما زرنا قرية أجدادنا. لم أتبع الوصفة بحذافيرها في الاسكندرية فشجرتنا بلاستيكية نزينها مع منتصف شهر ديسمبر، والسبب في الموعد المبكر هو التقليد الرابع.

جاء هذا التقليد من حقيقة أن الانجيليين في سينودس سوريا ولبنان يعيدون وباقي مسيحيي البلدين وفقا للتقويم الغربي يوم 25 كانون الأول / ديسمبر وفي سينودس النيل يأتي الميلاد يوم 7 كانون الثاني / يناير. أما في منزل القس مايكل أنور فهناك عيدان للميلاد يفصل بينهما أسبوعان ويوم رأس السنة والعديد من ترانيم كتاب نظم المزامير وترانيم فريق الحياة الأفضل وأغاني الميلاد لحواديت الخضروات باللغة الإنجليزية نرددها بصحبة فيليب ويانا يوميا مع النشاطات الكنسية التي نحرص كأسرة على المشاركة في الإعداد لها والاستمتاع بها فنصل إلى نهاية الموسم المجيد وقد انتهى العيد بتقاليده وطقوسه ولكن ذكرياته لم ولن تنتهي، نجترّ السعيد منها لنقتات عليه طيلة شتاء اسكندراني بارد وماطر متمنين للجميع عيد ميلاد مجيد مصلين أن تقطر سنة 2015 دسماً وخيراً وسلاماً ومسرة، سنة تكللها البدايات الجديدة فنحيك لعائلاتنا أحلى الذكريات في العيد.







جميع  الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات