Showing posts with label mi familia. Show all posts
Showing posts with label mi familia. Show all posts

Saturday, February 20, 2016

الخبطة الخمسية

لست أذكر ان كانت في أواخر المرحلة الابتدائية أم في المرحلة الاعدادية، لكنها كانت موجودة. "الخطة الخمسية" مفهوم جديد بالنسبة لنا عندما كنا صغاراً يتم تدريسه في مدارسنا في سوريا لتعريفنا بما تقوم به الدولة. كل ما فهمته من هذا العنوان في ذلك الوقت هو أن مدة خمس سنوات ليست طويلة كما يظن البعض فهي بالكاد تكفي لتحقيق خطة ما في مجال ما والسير وفقا لهذه الخطة طيلة السنوات الخمس. لكنني كبرت واكتشفت أن نفس السنوات الخمس إن اقتصرت على المصائب والكوارث الكبيرة منها ذات الأمد الطويل والصغيرة التراكمية اليومية فلن تكون بالمدة القصيرة وستمر السنوات الخمس "بالعافية" أو "بالزور" مخلفة وراءها جروحاً وقروحاً يتوجب مداواتها سنوات خمس أُخَر أو أكثر.

فكرة تقسيم السنوات الطوال إلى قطع يقتصر كل منها على سنوات خمس تخلق في ذهني صورة لوح من الشوكولاته، كل مربع فيه هو خمس سنوات يلتصق به مربع ثان بطريقة أنيقة تحدد إطاراً لكل مربع لكنها تحفظ اتصال واتحاد المربعات كلها معاً. ولو أردتَ فصل الواحد عن نظائره كل ما عليك هو قلب اللوح على ظهره و توجيه بعض الضغط على أحد الخطوط الانتصافية لتقتطع منه صفاً من المربعات فيتعين عليك تكرار نفس الحركة لفصل المربع المنشود.

لوح شوكولاتة وسنوات تعدادها بالخمسات، تلك كانت حياتي ولا تزال. لكنني أعجز عن التحديد المسبق لمعالم كل مربع فأنا لا أضع خططا خمسية ولكنني بعد مضي حقبة من الزمن أنظر إليها وقد ترسبت على هيئة خمس سنوات في تاريخ لوح الشوكولاته. لقد كان مستقبلي يفتقر دائما إلى أي خطة خمسية لكنه كان دائما يتحول إلى تاريخ يتردد في أرجائه بين الحين والآخر صدى خبطة خمسية.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيتها في بيروت. انتقلت إلى العيش في العاصمة اللبنانية بهدف الدراسة الجامعية بعد أن باءت محاولاتي في دمشق بالفشل الذريع على مدى أربع سنوات لجأتُ بعدها إلى تغيير مجال اختصاصي وبلد سكناي. خمس سنوات كانت من أصعب سني عمري لكن من أروعها في نفس الوقت قضيتها في الغربة والدراسة والعمل والعيش المستقل فنلت في نهايتها ليس شهادتين جامعيتين فحسب ولكن شهادات عدة في مجالات لا تحصى في الحياة مع تراكم خبرات منها الجميل ومنها المؤلم شكلَت في شخصيتي وكان لها البصمة الأكبر في تكوين الإنسانة التي أنا هي الآن.

خمس سنوات هي مدة زمنية في تاريخ الأشخاص كما الأشياء فقد اقتصرَت ميزانية بيت الزوجية السعيد لي ولزوجي على شراء أريكة يتيمة تتسع لشخصين فقط لا غير كان عليها أن تنتظر ذكرى زواجنا الخامس كي نستبدلها بأريكة ركنية من الجلد استحالت معها غرفة الضيوف في شقتنا إلى غرفة مضيافة ستختصر في السنوات التي تلت عدد ضيوفنا الجاليسين على السجادة وكراسي مائدة الطعام فهناك متسع من المساحة على أريكتنا ومتسع من الحب في قلوبنا أيضا لأننا في عيد زواجنا الخامس كنا قد أصبحنا أسرة من أربعة أشخاص مع استمرارنا في الترحيب بضيوفنا والتقاط صورة كوميدية على "أريكة المشاهير" كما لقبناها. لم نكن عروسين بالمعنى التقليدي للكلمة، يتقدم الشاب لخطبة الفتاة وفي جيبه مفتاح شقة اشتراها بماله أو بمساعدة والديه فنحن لا زلنا لانمتلك سقفاً فوق رؤوسنا سوى سيارة مستعملة، كما لم أكن أنا عروساً يخفي خجلُها مخزون سنين حرصت أمها خلاله على تحويش أصناف وضروب  مستلزمات المنزل والمستلزمات الشخصية، فقد استبدلتُ ذلك النوع من الاستثمار في انتظار عريس السعد بنوع آخر من الاستثمار أبعد ما يكون عن الممتلكات والنواحي المادية لذا خرجت ُمن بيت أبي متأبطة ذراع صديقي ألمح في عينيه بريق الافتخار ليس فيما تملك شريكة حياته من أشياء لكن فيمن هي تلك المعينة نظيره كشخص تركز غناها في شخصيتها وتوزع في نواح عدة ليملأ سراديبها.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيناها أنا وزوجي في الاسكندرية، مدينة ساحلية لا تشبه بيروت إطلاقاً. حتى شمس الغروب وهي تغطس لتختبئ في الجيب الأزرق للبحر المتوسط تتوسطه في بيروت بينما تميل ميلاناً حاداً ناحية اليسار في الاسكندرية. خمس سنوات لم نلمس خلالها ماء البحر على عكس توقع الناس وخاصة أصدقاؤنا وأقاربنا القاطنين في قيظ وتلوث القاهرة أننا نذهب للبحر بانتظام في صورة زوجين سعيدين يحملان بيد شمسية كبيرة ملونة وباليد الأخرى قفة قش بها ما لذ وطاب، تشتبك يديهما الحرتان ببعضهما البعض قاصدَين الشاطئ. خمس سنوات كنت أرى فيها البحر من بعيد تطبيقاً لمبدأ "شم ولا تدوق" ألمحه بطرف عيني وأنا أقود السيارة على طول طريق الكورنيش وأنا حامل، ثم أقطع نفس المسافة برفقة ابني الرضيع، وبعدها يتكرر المشهد مع طفل يمشي وجنين يسبح في بحره الخاص داخل جسمي وآخرها برفقة صغيرين كل منهما يحتل كرسيه الصغير في السيارة ويملأ حيز الهواء بضجيجه الكبير وطلباته التي تُحوّل عملية القيادة البسيطة إلى تحدّ أشك أن كثيرين من الرجال (وخاصة الذين يفتخرون بمهاراتهم في قيادة السيارات) يقدرون على احتماله، لكنه كان من نصيبي لسنوات طوال إلى أن كبر الأبناء نسبياً وتحول العويل والصراخ والبكاء إلى مشادات كلامية كلما اختلفا في الرأي. لكنني خلال تلك السنوات الخمس الأولى كانت سيارتنا تحتوي حفاظات هذا وببرونة حليب تلك يتناغم فيها توقيت الوقفات والاستراحات والبحث عن أماكن للتوقف الطارئ أو التوقف الطويل ومن ثم مشقة النزول من السيارة مع شنطة على ظهري ورضيع على يدي ممسكة بطفل في اليد الأخرى، أستخدم يدا ثالثة لأقفل الباب ورابعة لوضع نظارة الشمس وخامسة لدفع مبلغ نقدي وسادسة وعاشرة لأن الله ينبت للأمهات أياد تفوق عدد أرجل الأخطبوط.
بعد انقضاء خمس سنوات ذهبنا أخيرا إلى مصيف للمرة الأولى وقضينا ليلتين مرضَت فيهما ابنتنا التي كانت قد شارفت على إتمام عامها الأول لكننا حاولنا استثمار الليلتين بأقصى طاقتنا وتم الإنجاز ولمسنا ماء البحر للمرة الأولى وقررنا أن نحاول تكرار تلك الخبرة سنويا.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيناها في مسكن ضيق وظروف إقامة كانت تزداد صعوبتها كل شهر مع ازدياد عددنا وانتظارنا فرصة الانتقال إلى مكان أوسع. عندما غادرنا القاهرة وسكنا تلك الشقة الاسكندرانية كانت السكنى مؤقتة محدودة ببضعة أشهر قد تصل إلى سنة ولكنها امتدت رويداً رويداً حتى تجاوزت سنوات خمس كان أصعب تحدٍ فيها هو مطبخ خالٍ من الرخامة المعتادة كمساحة لإعداد الطعام كما خلى من أي خزائن أو "دواليب" لتخزين الأدوات أو الطعام على حد سواء. كان المطبخ يقتصر على حوض (أو مجلى) وبوتاجاز أضفنا بجواره رفين معدنيين كنت أضع عليهما ستة أطباق وبضعة أكواب مرصوصة في الهواء الطلق بلا باب يقيها من الغبار والأتربة ومن أيادي العابثين الصغار. 
كنت أعرف منذ طفولتي أنني "خلاقة" فقد كنت أقضي ساعات طوال في الرسم والكتابة والعزف والخياطة والأشغال اليدوية. وبعد زواجي اكتشفت أنني أحتاج هذه الخصلة كي تمر الشهور التسعة في حملي الأول بسلام وأنا أطبخ في هذا المطبخ بطريقة "خلاقة" ومن ثم أعقم ببرونات الرضاعة لطفلي وأعد طعامه تحت نفس الشروط والظروف لأدخل مرحلة شهور تسعة أخرى في الحمل الثاني وأطبخ لثلاثة أشخاص رابعهم غير مرئي: زوجي وزوجته الحامل وابنهما. ولدت ابنتنا في نفس المكان وشاركتنا السرير وغرفة النوم التي لم يكن هواؤها يكفي لأربعة أشخاص بينهم مخلوقان صغيران يوقظانني كل ساعة ليشتد التحدي الثاني وهو حرماني من النوم فيزيد بدوره صعوبة أكبر من صعوبة الطبخ في مطبخ "خلاق". فكان الصداع المزمن وتوتر الأعصاب المستمر وانعدام التركيز أصدقائي الجدد على مدى سنوات خمس طوال لم أذق فيها طعم النوم ليلة واحدة فكنت أحلم (أحلام يقظة!) بفرصة نادرة لنوم متواصل لثلاث ساعات لكن حتى تلك كانت ضرباً من ضروب الرفاهيات في ظروف سكنية وحمل وولادة ورعاية أطفال بمفردي مع انشغل زوجي وسفره المتكرر. أنا التي اختصت أيام الجامعة بعلم نفس الطفل وبمبادئ تربوية تفتقت عنها عبقرية أشهر اختصاصيي علم النفس والتربية وعلم الاجتماع في العالم كنت عاجزة عن تحقيق حلمي المثالي في أمومة مثالية أمنح بها أبنائي طفولة مثالية . "بس ربنا ستر" وانقضت السنوات الخمس بأقل نسبة من الخسائر على صعيد تربيتي لأطفالي حتى وإن تركَت نُدباً عصية على الشفاء لدى أمّهما.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي مرت (ولايزال العداد يركض) لم أر فيها بيتي، بيت أهلي، بيت الجد والجدة لأطفالي... هو بيت واحد لكنه بيوت كثيرة داخل بعضها البعض كالدمية الروسية. خمس سنوات لم أذق فيها طعم أن أمسك بابني في يد وابنتي في اليد الأخرى وأصطحبهما لزيارة "تيتا وجدو". اشتقت لرائحة ذلك البيت، اشتقت لصوت المفتاح وهو يقرقع في قفل الباب مرتين ثم ينفتح الباب ورقبتي مائلة باتجاه اليمين أتجنب الجدار الذي يقابلني وأدير بوجهي ناحية الصالة. اشتقت إلى المطبخ الواسع المنير والمجهز بكل ما كانت تحتاجه أمي لطهي أشهى المأكولات والحلويات لأسرة من ستة أشخاص بعد يومها الشاق في العمل كمدرسة لمادة الرياضيات. اشتقت لشرفة المطبخ كما اشتقت لطاولة صغيرة في مطبخنا هناك كنا نتناول عليها طعام الإفطار ونلتف حولها مساء لعشاء سريع نتبادل أثناءه الحديث بينما يجلس أحدنا ويفتح الآخر الثلاجة ويقف ثالث عند حوض الجلي. اشتقت إلى كل غرفة في منزل يتسرب الدفء من جدرانه يلف عظام جسمك بطبقة حماية تقيك من كسور الحياة. أتراني الآن مهشمة لطول بعدي عن تلك الشرنقة؟ هو البيت والملاذ والشاهد لمراحل طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا نحن الأربعة حيث كبرنا أنا وإخوتي ورضعنا مفاهيم ومبادئ خلا منها المجتمع والشارع آنذاك لكنها كانت الغذاء الأمثل لأرواحنا وشخصياتنا. اشتقت إلى علبة مراسلاتي التي كنت أحتفظ بها تحت سريري في الغرفة التي تشاركناها أنا وأختي، فيها رسائل كتبتها لأشخاص مختلفين على اختلاف أهميتهم ودورهم في حياتي مع اختلاف المراحل العمرية ومحطات الحياة. اشتقت إلى ألعابي التي احتفظت بها كي أورثها إلى أولادي إذا تزوجت يوما ما أو رزقت بأطفال. اشتقت إلى صوت حسيس النار في المدفأة أيام الشتاء وإلى الشرفة الواسة التي تطل عليها غرفة الجلوس، شرفة بها ممر خارجي خاص يصلها بغرفة نوم أهلي وبابها السري الذي لا يعلم به إلا أصدقاؤنا المقربون.

أحكي لإبني عن المرة التي اصطحبته فيها لقضاء أسبوعي العيد هناك مع ختام عام 2010. كان قد أكمل ستة أشهر بعد عامه الأول وكنت أنا حاملأ في شهري الأول فينقطع سيل الذاكرة وسلاسة الحديث بسبب مشاجرة مع أخته التي تبلغ من العمر أربع سنوات ونصف وتبدأ هي المشاجرة قائلة: "اشمعنى؟" فهي لم يتزين جواز سفرها بختم مطار دمشق، بعد. خمس سنوات تحولت خلالها معرفتي العقلية والتفاعل النظري مع أصدقائي الفلسطينيين والعراقيين إلى "خبز وملح" تذوقتهما بنفسي وعرفت مرارة الحرمان من الوطن ... ولوعة الغربة القسرية... وجمر الشوق الذي يستحيل جمرأ أبديا، لا هو نار يدفعك لهيبها إلى إخمادها ولا هو رماد يمكنك كنسه أو حتى تجميله بالرسم عليه بإصبعك. يبقى جمراً يكويك بصمت، يحرق لسانك كيلا تجيب بإجابة خارجة عن إطار الكياسة عندما تسمع أحدهم يقول لك: "يا بختِك أهلك معاكي هنا". أأحكي لهم عن شهور الذل والعذاب أم عن طعم الفقدان؟ لكنك لا تملك سوى أن تومئ بتهذيب وتتمتم في نفسك: "لقد كنتُ أنا نفسي يوماً ساذجة مثلهم تماماً... ومن يدري، فقد أكون تفهوهت بمثل تلك العبارات البلهاء لصديقة فلسطينية أو أخرى عراقية!". وألتزم الصمت، فهو أبلغ تعبير وأوقع تعليق يمكن أن يرافق صوراً وأخباراً تصلنا من سوريا لترتفع معها الصلوات والتضرعات الخرساء طلباً لسلامة خالتي وولديها، خالي وأسرته، عمي وأسرته، عمتي وعمتي وأبناء أعمامي و و و ... وتسرح الذاكرة في بحر من الوجوه والأسماء لأصدقاء وأفرادٍ من أسرتي لا زالوا يعيشون جهنم الحرب بتذاكر من الدرجة الأولى، لا تقتصر حياتهم على مقاعد المشاهدة ولكنهم في قلب مسرح الأحداث في مدن كدمشق وحمص وحلب... في قرى كقرية أجدادي... في شوارع وأزقة عاشرتُها كما يترافق صديقان... ولا زال العداد يركض...

خمس سنوات مضاعفة، أي سنوات عشر انقضت منذ زواجنا حين قررنا في صيف عام 2006 أن نؤجل شهر العسل فلا نسافر إلى تركيا أو قبرص أو شرم الشيخ أو تايلاند، فتلك كانت بلدان "آخر موضة" في شهر العسل. قمنا بتأجيل شهر العسل ليس فقط لأننا لانملك النقود الكافية لمشروع كهذا أياً كانت وجهتنا ولكن لأننا قررنا أن نسافر بعد انقضاء سنة على زواجنا نكون خلالها قد تعارفنا وتآلفنا وتصادقنا فنستمتع بهذه الرحلة أكثر من عريسين مرهقين منهكين مادياً ونفسياً ومعنوياً وعلى كل الأصعدة. لم نحظ حتى بحفلة ما بعد العرس فقد اقتصر فرحنا على الخدمة الكنيسة وتلقي التهاني في حديقة الكنيسة الإنجيلية بدمشق غادر بعدها الحضور كل إلى منزله. لقد كانت خطة تأجيل شهر العسل مقصودة لسنة واحدة قفط أو اثنتين على الأكثر سنستقر بعدها في مشروع الإنجاب لكن الإنجاب تأجل سنوات ثلاث وشهر العسل تأجل سبع سنوات بعدها وانتهى بنا المطاف أننا أكملنا خمستين فأبدأ أنا جدياً في التخطيط لإحياء ذكرى زواجنا العاشر في رحلة ما إلى بلد ما. أخطط لسفر أشبه بالسراب قد لا يتحقق لكنه على الأقل سيشغل ذلك الحيز الصغير في رف أحلامي كنت قد خصصته لحلم بعنوان: "سفرية شهر العسل" لكنه ملف كتب عليه الآن بخطٍ مختلف عبارة إضافية "بعد التعديل" لأننا لن نكون عريسين ولا زوجين تقطر الرومانيسية من جوازات سفرهما وتذاكر الطائرة متعددة الوقفات وحساباتهما البنكية الدسمة، فسنكون برفقة صبي في السابعة وأخته التي ستكمل الخامسة وأستبدل صورة شهر العسل بصورة عائلة سعيدة معها الخبز الكفاف، صورة تضيؤها إشراقة ابتسامة طفلين يتطاير الحماس من عيونهما. وسأستبدل اللون الأبيض لفستان العروس بخطوط بيضاء علت شعرها وتعذر إخفاؤها كالسابق. كل خصلة بيضاء منها، سواء اقتصرت على بضعة شعرات أو جمعت فريقا كاملا منها، هي ضربة ريشة لفنان. تشهد كل ضربة منها عن ألم صغير وآخر كبير، بعضها تمكنت من تجاوزه وبعضها الآخر ترك آثارا لم تقتصر على الشيب، لكن في كلتا الحالتين لا متسع هنا لفرد قوائم تؤرخ وتفصّل وتشرح باقتضاب أو باستفاضة عن تلك التجارب المؤلمة فالمؤامرة الآن ليست لفضح المستور وتعداد الدموع المختبئة وراء الابتسامات وليست للعق الجراح واجترار آلام الماضي ولكنها مؤامرة للتحايل على الزمن وخداع الواقع وللمناورة يميناً وشمالا لإيصال الكرة إلى الهدف، عائلتي إلى السفر. العروس التي كنتُها قبل عشر سنوات مضت، إيصالها إلى شهر العسل. أطفالي الذين لا يكفون عن السؤال عن هذا وذاك إلى مكان لن يسألونني فيه ولو لبضعة أيام عن بقعة الصرف الصحي التي يفيض بها شارع منزلنا وعن معنى السباب القذر الذي خصني به سائق التكسي وأنا أوصلهما بسيارتنا إلى مدرستيهما وعن سبب إصراري على ارتدائهما ثيابا صيفية خفيفة وسراويل قصيرة لأن حرارة الجو قاتلة بينما أختنق أنا متخفية داخل ملابس طويلة الأكمام والذيول. ربما، وأقول ربما لو سافرنا فسأسمع أسئلة من نوع مختلف عن رائدة فضاء أو عالم ذرّة فأغذي نهمَهُما للمعرفة بأن أشير بإصبعي إلى تماثيل لأناس عظماء غيروا وجه التاريخ ولازالت صورهم وإنجازاتهم تزين شوارع مدينة أجنبية نظيفة، فأولادي في النهاية قد ختموا ما يمكن تعلمه في شوارعنا وقد حفظوا كل أنواع السيارات المتاحة في الاسكندرية عن ظهر قلب ومراحل نمو القمر في سمائها واختلاف درجات الأزرق في بحرها.

ماذا عن Plan B؟ تحسبا لأية إحباطات متوقعة، أو عواقب حتمية فسأضع خطة بديلة، ستكون تماماً كجوائز الترضية في المسابقات الكبرى، لأنني وإن كنت أميل بطبيعتي إلى تبني عناد الأطفال وضرب الأرض بالأقدام "بدي سافر بدي سافر" فإنني سأحَكِم عقلي البالغ من العمر أكثر من ستة وثلاثين عاماً وسأسترجع أحلاماً صغيرة وكبيرة رأيتها تقتل أمام عيني وأتحلى بنظرة واقعية أو حتى ساخرة: "لأنو مين يعني محتاج شي إسمو بريك؟ وشو يعني لو كنت مرهقة فوق العقل والتصور؟ سنة اتنين عشرة ولا مليون ... شو يعني إزا قعدت 6 سنين ونص مو نايمة ليلة لحالي بعيد عن الأولاد؟ وشو يعني إزا عندي تعب نفسي وجسدي مزمن وشوية عقد وتعقيدات عم تتراكم سنة ورا سنة؟ هو ضروري الواحد يعني يبعد شوي مشان يرجع فريش؟ ما هي أساساً الأجازة رفاهية سواء أسبوعية أو شهرية أو سنوية وأنا مو طايلة ولا واحدة منها ويمكن حتى ما كون أساساً باستاهلها بعد كل هالشقى والتعب اللي ما يعلم بيه إلا ربنا؟ وعيب عليكي أساساً يا بنت في ناس مو ملاقية أكل وانت قاعدة عم تتوحمي صارلك مليون سنة على أجازة شخصية لحالك حتى لو ليلة يتيمة أومشتهية عطلة عائلية طويلة بمكان بعيد أو سفر وهروب وراحة وحكي فاضي... يعني بكلمة واحدة "اخرسي" بس بطريقة مهذبة طبعا أنا ما كتبت هالكلمة، هو اللي عم يقرأ تخيلها مكتوبة، لأنو الناس المتحضرين ما بيصير يحكوا هيك... ولما كنت أسمع واحدة عم تشكيلي وأنا باعرف ان حياتها مافيها ولا 5% من المرار اليومي تبعي كنت أخرس قبل ما قولها: لك تعي جربي 24 ساعة بدالي كنتي انتحرتي... فكيف لو جربتي أسبوع ولا شهر ولا سنة؟ هي بالنهاية كلها رص حروف وكلمات عادية ما حدا رح يفهم منها شي ولا رح يحس معي شعراية واحدة لأن شكل حياتي من برا قمة في الروعة بينما الدقائق والثواني في خبرة الأمومة كانت عم تخبي آلف آه و آه... طالعة من قلب نهشته الوحدة ... وبطل يشتهي مساعدة... ولا يشتهي كتف رفيقة أشكيلها وتفهمني... لك بطل حتى بدو يشتكي... قاعد يلف ويدور حوالين الموضوع لأنه عيب نحكي وعيب نشرح وعيب نقول لازم دايما نحافظ على الصورة المثالية من برا... صرت بس مشتهية فنجان قهوة ودردشة مع شي حدا... حتى هاد كتير... طب فنجان قهوة مع كتاب....طب شو رأيك تخرسي؟"
 لكنني لا زلت واقفة ولازلت أتقن تمثيلية الحياة بمهارة الزوجة والأم المثالية لذا سأتوقف عن الكلام خشية الانزلاق إلى التفاصيل وسأعود إلى صياغة خطة بديلة للمشروع العملاق أنه في حال فشله فسنذهب إلى المنتزه (حدائق قصر الملك فاروق في الاسكندرية) حيث سأطلق العنان لأشجاني وسأطلق أبنائي يطاردون كل هدهد تلمحه عيونهما الصغيرة، لأن عيونهما الرقيقة تلك ربما تكون في نهاية الأمر قادرة على الرؤية بشكل أوضح وأعمق من العمى الذي حل بي فاستبدلت تعداد بركاتي بدمدمة وتذمر يقودني إليهما جشعي وطمعي في السفر هذا الصيف، صيف 2016 بينما كل ما يطمح إليه هذان الصغيران هو "مشوار ع المنتزه بالأجازة نشوف الهدهد ونركض ونلعب ونعمل picnic ع السجادة بعدين نتغدى بالمطعم".



Tuesday, August 25, 2015

Rare Bird: Asfour Nader

In my 8 years of blogging, first privately as I shared family news with a selected private audience, then publicly sharing thoughts I wrote in English and in Arabic, this is the first blog post I did NOT want to write. But here I am writing it because I felt I had to.

Why am I doing this to myself? I guess it’s because I fell in love with a boy who was 12 years old, and forever will be. I fell in love with a boy I’ve never met, and I never will. I fell in love with a boy called Jack. I heard about Jack during the first few months of mothering my daughter. Those long days and nights that looked all the same as I tried to navigate this new life with a toddler boy and a new born girl were extremely lonely and I needed something, anything to help me survive.

My sister’s friend shared an article from Momastery on her facebook page and that’s how I got to know Glennon, so I started reading her posts which one day lead me to Anna’s blog “An Inch of Grey” and the story of Jack’s accident. It was easy to do the math, Jack died two weeks after my daughter was born. Later I’ll start hating math because it revealed so much of what I had in common with Anna, only a decade ahead of me. In the fall of 2011 Anna was 42 years old and I was 32. Her jack was 12 and my son was 2, her Margret was 10 and my daughter was a few months old. We’re both Christian, believers, church goers, and English teachers, veterans to be more specific, neither one of us is teaching now (or was teaching 4 years ago) and I’ve recently developed a love for painting furniture to decorate my gift shop/art gallery Kharbashat-Doodle. Then gradually over the past 4 years my son seemed to have so much in common with Jack. He too loves words, Legos, acting, jigsaw puzzles, and making up new games. He is kind to his sister (also 2 years younger than him) and he loves his Sunday School class as his love for God is starting to show and grow. Did I mention how cute and funny he is too?

I mourned with Anna, I grieved with her overseas. I wrote her a few e-mails and comments telling her that a Syrian mother married to an Egyptian pastor is praying for her and sending her love all the way from Alexandria, Egypt. Then when Anna posted a question on her blog for readers to choose the best title for her upcoming book about Jack, I clicked on the one choice that seemed to make most sense “Rare Bird”, apparently many readers and friends picked the same title and the book was out. When I started planning to ask my sister to order it for me and send it with someone coming from the US to Egypt, I received a message from one of my American friends, Jessica, who is also a pastor’s wife asking if there’s a certain book I’d like her to buy me because a guy from their church is coming to spend a few months in Alexandria!



Jessica’s sweet gift sat on my night stand for months. It wasn’t until last week that I decided to read “Rare Bird”, From the first few pages I knew two things, I need an extra dose of courage to continue and I’ll end up writing something about this book. I hated it and loved it at the same time. Anna's writing style, the way she crafted words and sentences with both language skills and honesty was captivating. She took me with her back in time to the last few months of 2011 and to a brand new state not included among the five I’ve visited when I went to the US in 1996, 2000, and 2001. I felt I was physically right there on September 10th 2011. I rarely cry when I read sad novels, but this is not a novel, it didn’t even feel like a book at all, it felt more like a movie, one of these 7D theaters in which you experience the story with more senses than you thought you had. I was stupid enough to take the book with me once as I waited for my son to finish his piano lesson, and I started crying! I wonder what the other parents in that waiting room thought, she looks like a crazy mother, she doesn’t look Egyptian, she’s holding a book in English, we pity her son…. I don’t know and I didn’t care.  

I received the book months ago, and the timing I chose to read it was a bad one , we’ve just celebrated my daughter’s 4th birthday which meant that in a few days Anna, along with everyone who knew and loved Jack will commemorate 4 years of his departure. I couldn’t help but think that this year Anna turns 46, the same age her mom was when she died. Why am I doing all these calculations and making all these connections in my head? Maybe because I was looking for more and more things to mark my family as DIFFERENT from Anna’s, different enough to feel safe!

As a Presbyterian Christian by birth, I didn’t grow up to believe in signs, but I come from a Middle Eastern culture that believes in luck and optimism. It’s also a culture that believes in the evil eye and envy. In my family and at church we were raised to believe that our future, luck, or destiny is guaranteed in God’s plan for our lives, so we need to worry not. It’s easy to believe this and relax when you’re not a parent yet, a mother to be specific, but when you grow up and discover the harsh fact of life that bad things do happen to good people then you start to doubt your faith. I’ve never doubted that God is good, but I’ve never had to face a tragedy that shook me to the core and turned my world upside down. The war in Syria is the most recent tragedy I've experienced, with its ugly daily bloodshed and destruction, with horror stories of ISIS taking over beautiful parts of my beloved country, treating humans in the most savage of ways, left me bewildered and depressed. I mourn my country, a country I used to visit twice a year but haven’t seen in almost 5 years now. Still I count my blessings in spite of all the pain and tears. My uncles, aunts, and first cousins are all safe and healthy, at least physically. My friends are all still alive, my parents’ apartment, the only place I knew and called “home” is still there in a relatively safe area in Damascus, so I can still dream of one day going there and getting my photo albums, stacks of letters, journals and diaries. I dream about taking my kids there to visit their grandparents who will give them my childhood toys. When I get depressed upon hearing more bad news from inside Syria or news about refugees abroad, I try to re-count my blessings, which is easy sometimes because I don’t have a firsthand experience of what my friends and family members have been through and are still enduring.   

So when it comes to signs, I kind of wish I believed in them. They would’ve saved me so much trouble making big decisions in my life, like choosing my husband and moving to Egypt. And later it could’ve saved my husband and I the hard weeks of making difficult choices regarding our kids, life, work, and ministry. My husband believes that God gave us our brains, life experiences, and the Holy Spirit to guide our decision making process. We talked about it a lot as I shared with him my secret wish for a story like Giddeon’s in the Old Testament with his wool fleece (Judges 6 : 37), but we don’t do signs in our family, we don’t ask for them, we don’t look or wait for them. Instead, we think, we pray, we consult experts, we give ourselves a time frame, and we decide.

But yesterday, something happened, it made me re-visit this area of not believing in signs. I was reading the Rara Avis chapter of Rare Bird, specifically page 154 that has the poem Anna’s friend wrote about Jack. I read the poem (for the second time because I had read it previously on the blog) then Anna wrote about the time she posted this poem on her blog and started receiving stories from all over the globe. “They are amazing stories of birds catching people’s attention at precisely the moment they think of Jack.”. My son sat next to me as I read early in the morning, he woke up with the same severe headache he had the night before due to his high fever. I gave him his medicine and he decided not to go back to bed so we went to the living room and he started building something with his Legoes as I grabbed my book and read.

Finishing the poem and the page next to it I choked, I didn’t want to cry, besides, it’s too early in the morning to start crying, my son is right next to me, a little sick but alive. So I thought I’ll smile instead, thinking of the so many people who thought of Jack and saw birds. Then, all of a sudden, in the silence of the 6am Alexandrian morning I hear it, so clear and close, coming from our bedroom. Our rented apartment is on the 11th floor and even though it overlooks the golf field of the famous Sporting Club in Alexandria, it’s difficult for birds to make it this high above the tall trees. I’ve seen birds by our bedroom window often but not that often, and definitely not in the blazing heat of August. The window is covered with a fine metal net that doesn’t allow mosquitoes and other insects through.



When I heard the bird sing, I grabbed my camera and walked slowly to the bedroom to try and take a photo without scaring the bird away or waking up my husband. I knew if I took a good picture then this will prove to me that this sign is not a figment of my imgagination. The picture was bad and hardly showed any bird, then the bird flew and stood on the rusty laundry bar I never use, I took another picture, still with disbelief. Then I said to myself, if I can capture the bird’s face looking right at the lence in my hand then I’ll believe. Much like Thomas’ request upon hearing the story of Jesus’ resurrection. And here it is.



Dear Anna,

Your book took me on a roller coaster experience of reading such an amazing story about pain and hope. At times I wanted the book to end so the story would end with it and I can walk away and pretend none of it happened to you and it never found its way into my life. At other times I read and read and never wanted the book to end because I wanted to know more about Jack and to love him more, I wanted to know how you’re doing years after the accident.

I found the book to be scary, because it got me thinking that something might happen to my family, something so sudden and tragic that it will leave me broken beyond repair. I keep convincing myself that the real reason I’m reading your book is to help grieving people and as a pastor's wife to understand their struggles more. The psychology courses I took in collage fifteen years ago are very helpful, but a book such as yours written through the "perspecticles" (Glennon’s word) of a Christian mother is definitely a priceless reference. But you’re not a case study, and I’m not writing a term paper. It’s Jack we’re talking about, it’s Jack we’re missing, and it’s Jack’s life we’re celebrating. So my Egyptian bird came to remind me of that. Asfour Nader. “Asfour” (starts with the letter “ع” Ayn articulated from deep down in the throat) means “Bird” in Arabic. And “Nader” means “Rare”, noting that nouns in Arabic always come before adjectives.

The Rara Avis chapter was a beautiful one, so beautiful I didn’t cry till the very end, instead I had misty eyes, goosebumps, and a smile on my face. It made me love the bird metaphor even more. A bird not a fish, for instant, because fish swim but birds soar. This chapter was a milestone in the journey of reading the book, it gave me peace and comfort. One thing caught my attention is the fact that there’s no English word for a parent who lost a child, while in Arabic there is. It’s not a very pleasant word to hear, it sounds bitter, more like a curse or an insult. It’s mostly used in the feminine form for mothers and you can very rarely hear the masculine one for fathers, the root can be used for losing an offspring or a loved one.

This year Margret is two years OLDER than Jack. At the beginning of your new school year in the USA and ours starting next month, I wish and pray for Margret to have a safe, fun, and fruitful year, regardless of the painful math!

I worked as a part-time then free-lance translator for over 7 years during which I kept contemplating the idea of translating a book. But I kept shoving it to the back of my mind convinced that book translation is for people above the age of sixty, so I still have 24 years before I start. I don’t know how serious I was when I felt that Rare Bird might just be the first book I’ll translate, but what I do know is that it HAS to be translated into Arabic Anna, please make sure you have Arabic on the list of languages you’d like to see your book published in.

From the southern coast of the Mediterranean Sea, I'm sending you a huge THANK YOU. Thank you Anna for every minute, hour, and day you spent, thank you for every tear you shed writing this book till it saw the light. I think all Christian mothers should read it. It took one brave bereaved believer mom to write it and it took me all my courage to read it. Thank you for this journey you honored me to be part of, I’ve learned so much as your words addressed specific fears and doubts I have in my own faith in Jesus. Not only your book has nothing dishonoring to God (one among the many fears you confessed), but it also brings glory to God. The God we all tend to put in a box like you said you did, our little own boxes are as different as we are. But God surely is bigger, greater, and more active than we can ever conceive.  The most beautiful part of your book  is what comes next, your story is a real and an ongoing one, I don’t have to wonder what will happen to the characters beyond the book cover because you’ll keep us updated as we keep praying for you, Tim, and Margret.

Shukran Anna. 
Love,
Riham 

Saturday, August 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: البطيخة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/البطيخة/

يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الزواج ضربة حظ، قد تصيب أو تخيب، ويُشبّهه آخرون بالبطيخة التي تحسن انتقاءها وتضع كل خبرتك في عملية الاختيار ومن ثم عند أول امتحان للسكينة تكتشف أن البطيخة "قرعة" بفتح القاف أو ضمها لا فرق.

تلك التشبيهات وإن بدت لنا ساذجة لكنها مع الأسف صحيحة حتى ولو احتاجت إلى بعض التعديلات. فالزواج بالنسبة لي ليس بطيخة واحدة وإنما شاحنة من البطيخ يتوالى تدحرج بطيخاتها لنتلقفها واحدة تلو الأخرى ونكسرها ونتعامل مع النتيجة أيا كانت. في مجتمعنا تعمل الأسر على ملء شاحنة بطيخ لكلٍ من بناتها وخشية من "البخت الوحش" وتفادياً لأي مجازفة تنحت كل أسرة بطيخات ابنتها واحدة تلو الأخرى لتحولها إلى صندوق العجائب فتتنوع محتويات البطيخات ما بين مقاسات المناشف (الفوط) والشراشف (الملايات/المفارش) والملابس والأحذية وحلل المطبخ والستائر والثريات (النجف) والنثريات إضافة إلى الحُلي والاكسسوارات الشخصية كما المنزلية ومكياج الوجه والجسم (دون الروح غالبا) وإلى ما هنالك من أساسيات "جهاز العروس" ومستلزماته الضرورية وغير الضرورية، وما أكثر تلك الأخيرة التي تتربع على عروش بيوت كثيرة لم تمسها يد طيلة سنوات زواج طوال.

لكن فتاة مثلي لم تكن تفكر في الزواج يوماً وسخّرت جل طاقتها واهتمامها في دراستها وبناء شخصيتها مراعية أدق التفاصيل ابتداء من مرحلة المراهقة وحتى إتمامها ربع قرن من العمرحيث كان تركيزها منصباً ليس على عملية البحث عن الشخص المناسب ولكن في معمل الانضباط والنضج لتكون هي الشخص المناسب. مناسب لماذا؟ للزواج؟ ليس بالضرورة، كيان مناسب لأية مهمة ستلقى على عاتقها فالحياة كانت في نظرها أغنى وأوسع من أن نحدّها في إطار هدف واحدٍ أحد وضعته أمهات صديقاتها نصب أعينهن وبدأن بتجهيز بناتهن للحدث السعيد والهدف السعيد وصاحب الحظ السعيد الذي سيجلب "مهرا" يستلم بموجبه شاحنة البطيخ.

لم تكن كلمة "زواج" تتصدر قاموس أسرتي فميزانيتنا المحدودة سخّرها أهلي لشراء آلات موسيقية لأولادهما الأربعة واستثمراها في مدارسنا المختلفة وفي فرص نادرة لرحلات وأسفار وأحلام بحجم قاماتنا الصغيرة في زمن وبلد لم يتمتع في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي بالكثير من الرفاهية على شتى أصعدة الحياة السورية.

لا أعتقد أن الأمر كان بهذه السهولة بالنسبة لأبي وأمي أن تكون أولوياتهما مختلفة كل الاختلاف عن باقي العائلات في مجتمعهما ولكنني أدرك الآن مقدار الحكمة الذي تمتعا به إضافة إلى الانسجام والاتفاق في الرؤية والهدف غالبية الوقت. كل هذا أوصلني إلى يوم زفافي وأنا مدركة أنني سأسافر بعد أيام يقل عددها عن أصابع كف اليد لذا وجدت من المنطقي أن أملأ شنطة سفري اليتيمة بقائمة "رهامية" تماماً على رأسها كتابي المقدس المهترئ وألبوم صور وحذاء قديم مريح وثياب سبق وأن ارتديتها وامتحنتها وأحببتها بعد "عِشرة عمر" فلن أتخلى عنها في لحظات سعادتي هذه فأنظر لها نظرة "بالية" وأستبدلها بأخرى جديدة لمجرد فكرة حُمّى الشراء التي تصيب الفتاة المخطوبة في مجتمعاتنا. كل ما طلبته من أمي هو أن تخيط لي فستان الزفاف بيديها المبدعتين وأن ترفقه بـ"كيس لبنة"! لن تخيط الكيس مثبتا إلى الفستان بالطبع ولكنني كنت أعلم خلو مصر،بلد مستقري ما بعد الزواج، من ذلك الاختراع العبقري من اللبن (الزبادي) المصفى.

كيس اللبنة تربع على عرش مقتنياتي في "مطبخ حُبنا". مطبخ خلا لمدة ست سنوات من أية تجهيزات كالرخامة والخزائن والأدراج فقد اضطررت خلال تلك السنوات الست بما تخللها من خبرة حمل وولادة متكررة إلى الاكتفاء بوجود حوض (مجلى) وبوتاجاز فقط لا غير وكل ما تبقى كان يعتمد على إبداعي في اختراع الحلول واستخراج الأكلات لأسرة بأفرادها الأربعة.

شاحنة البطيخ التي كنت أعمل على مَلئها احتوت بطيخاتٍ من نوع آخر معظم محتوياتها غير مرئية أو ملموسة كما خلى نصفها من أي بطيخ استعدادا لاستقبال حمولة شاحنة العريس، إن وُجد، فقد كنت أنوي عَدّ البطيخ واقتسامه بالتساوي مع شريك حياتي، وفي عام 2004 على أرض محافظة الاسكندرية التقيت به قادماً من القاهرة عند وصولي أنا من بيروت. شاب منهمك مثلي بحفر بطيخة تلو الأخرى وملئها بخبرات الحياة والدراسة والخدمة. لو كان لقاؤنا مشهدا في فيلم رومانسي كانت البطلة ستلاحظ بطيخة تتدحرج من شاحنتها لتصطدم ببطيخة أخرى فتهم إلى التقاط بطيختها في الوقت الذي يلتقط البطل بطيخته هو وتتشابك نظراتهما فتتباطأ حركة الكاميرا وتظهر موسيقى تصويرية عذبة وتتطاير فقاعات من القلوب في الجو!

لكن المشهد في حقيقته كان واقعياً إلى أقصى درجة في بداية رحلة تعارف على طول طريق وعرة زاد من صعوبتها توقيتٌ كان فيه لسان حال كل منا على حدى "آخر همي الارتباط". لتكون تلك صافرة البداية في تعارف غير تقليدي حمل لنا في جعبته الكثير من الضحكات والصدامات في عملية تلاقح ثقافتين مختلفتين ومتشابهتين إلى حد يدعو للدهشة.

لاحظت خلال سنتَي التعارف وجود بطيخة مختلفة في شاحنتي لا أذكر أنني ملأتها بنفسي لكنها ليست فارغة فوزنها ثقيل. كان علي الانتظار سنة أخرى بعد الزواج ليحين موعد امتحان تلك البطيخة فور وصولنا إلى كنيسة الابراهيمية في الاسكندرية لأكتشف أنها بطيخة "زوجة قسيس" وأن الله هو من تكفل بملئها عبر سنوات حياتي في حال اخترت الزواج من قسيس ستكون متاحة في شاحنتي كعلبة المعدات انتقى لي فيها ما يلزمني لمهمة ملؤها المفاجآت والتحديات الجديدة، مهمة لا مكان فيها للحلول الجاهزة والقوالب البالية فأنا بأمس الحاجة لأدوات خلاقة من أزاميل نحت وألوان رسم وموسيقى معزّية وكتب مغذية وأدوية الإسعافات الأولية وكبسولات الفيتامينات وبضعة حبوب من المسكنات! بطيخة كباقي البطيخات لها بُعد الخصوصية لكن في نفس الوقت لا يحلو مذاقها إلا بالمشاركة.

نحتفل في السابع والعشرين من شهر آب/أغسطس هذا العام 2015 بعيد زواجنا التاسع وقد اعتدنا ألا نعتاد على شيء فنحن لا نتبادل الهدايا أو نقوم بأي نشاط مختلف في هذا اليوم لكننا في كل عام نمد أيدينا إلى شاحنة زواجنا نتناول منها بركات جديدة ومفاجآت لم نعِدّها نحن لأنفسنا ولكنها كانت في فكر الله لنا ولأسرتنا الصغيرة منذ قديم الأزل، فالزواج بالنسبة لنا هو عمل شاق واستعداد جاد يبدأ مع نعومة الأظفار لكننا في النهاية رغم كل التحضيرات نواجه أبعاداً جديدة كلياً لم تكن في الحسبان على الإطلاق فنسلّم ونصير نُحمل لأن ما جمعه الله سيصونه بالبركة ويزينه بالنعمة ويضمن سلامة قاربنا على طول الرحلة.


بدون تعليق: سنحاول هذا العام أن نحتفل بعيد زواجنا بأن نقوم بأمر لم نفعله من قبل وهو أن نتناول بعض البطيخ على شط البحر!

Friday, May 1, 2015

مذكرات زوجة قسيس شابة: الانتظار

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القراء أشارككم بها، قصاصات من دفتر مذكراتي فيها قصص من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطور إلى جسور طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الانتظار/

تسعة أشهر مدة طويلة جدا كي تكون فترة الحمل لأنثى الإنسان. هذا ما كنت أعتقده لسنوات طويلة قبل أن أتزوج وكلي أمل أني لو تزوجت يوما ما ورزقني الله بأطفال سيتغير رأيي. وهذا ما حصل فعلا إذ بمجرد أني علمت بأني حامل بابننا الأول وبدأت أيام وأسابيع الانتظار تغير رايي ولكن ليس بالاتجاه الذي كنت آمل فالتسعة شهور بالنسبة لي كانت في الحقيقة تسعة دهور.

نظم الجنين خلال الجزء الأكبر من سكناه رحمي بطولات لا نهائية في كرة القدم والجمباز وتولت لوحة الهرمونات في جسمي مهمة الإعلان عن فعاليات أخرى كالغثيان ونزيف الأنف وخدر الذراعين وانتفاخ القدمين والكثير الكثير من التسالي لتضيف نكهة "اللانهائية" إلى انتظاري. كنت أنتظر بصبر وصول آخر أسبوع في شهر أيار/مايو 2009 لينتهي انتظاري ذاك، إلا أنه عندما انتهى فعلا وتتوج بوصول ابني فوجئت بولادة انتظار جديد، أو بالأحرى سلسلة انتظارات خاصة بهذا المخلوق الصغير الذي وصل إلى عالمنا للتو. أول رضعة، أول تغيير حفاض، أول ابتسامة، أول وجبة، أول سن، أول خطوة، أول كلمة... سلسلة طويلة من حبات اللؤلؤ تتدحرج واحدة تلو الآخرى بفوارق زمنية قد تقصر أو تطول.



لقد كنت يوما ما فتاة تكره الانتظار بكافة أشكاله. أكره انتظار أن أنهي واجباتي المدرسية كي أبدأ اللعب ومع ذلك كنت أحرم نفسي من اللعب فور عودتي من المدرسة لأن الواجبات أهم ويجب إنهاؤها أولا. كنت أكره انتظار موعد درس الموسيقى في ممرات المعهد العربي للموسيقى بدمشق حيث تندمج أصوات الآلات المختلفة الخارجة من خلف أبواب غرف التدريس والتدريب وأنا أنتظر، ومع ذلك كنت أحرص على أن أصل قبل موعد الدرس لأني أكره التأخر وعدم الالتزام.

كنت أكره انتظار انتهاء المدرسين والمدرسات من تصحيح أوراق الامتحانات حتى وإن كنت واثقة من النتيجة الجيدة التي ستحجز لي مكانا على لوحة الشرف بين باقي المتفوقات في المرحلة الاعدادية والثانوية في مدرسة راهبات المعونة الخاصة بدمشق.

دقائق وساعات وأيام تتمطى أمام عيني بكل استفزاز لتعلمني فن الانتظار في سن مبكرة لأنني سأحتاج تلك المهارة حتى آخر لحظة في عمري لذا وجب التدريب المبكر بداية من أتفه الأسباب ومرورا بأحداث كبرى فتحت لي باب الحياة على مصراعيه في خبرات تنوعت ما بين الغربة والعمل والزواج والإنجاب والأمومة حيث أخفت لي كل مرحلة منها تشكيلة خاصة من الانتظارات الصغيرة والكبيرة.

 أنتظر أوراق القبول في الجامعة، أنتظر غرفة شاغرة في مكان سكني في الغربة، أنتظر عملا مناسبا يتفق مع أوقات محاضرات الكلية، أنتظر يوم التخرج وصورتي برداء وقبعة طالما حلمت بارتدائهما، أنتظر عقد عمل يضعني على عجلة الإنتاج بعد عودتي لبلدي، أنتظر دقات لم يألفها قلبي من قبل، أنتظر رؤية خطيبي الذي تفصلني عنه تذكرة طائرة، أنتظر انتهاء أمي من إضافة آخر خرزة في فستان زفافي الذي حاكته لي بنفسها، أنتظر المجهول في بلد جديد وعاصمة ثالثة تلونت غربتها بلون لم آلفه من قبل، أنتظر مغامرات السنوات الأولى من الزواج لأرى اختلافها الشاسع عما قرأت في كتب المشورة وعلم النفس، أنتظر انتهاء مهلة السنتين التي قررناها قبل التفكير في الإنجاب، أنتظر ذلك الخط الأحمر على عصى اختبار الحمل، أنتظر سماع صرخة الحياة إيذانا ببدء سيمفونية بكاء طفل اختار له الله بيتنا كمنزل ومستقر له، أنتظر صورة صبي في عامه الثاني يجلس ناظرا إلى أخته الصغرى نائمة على ركبتيه، أنتظر أياد صغيرة تلوح لي بالزي الرسمي على باب المدرسة صباحا وتعانقني ظهرا، أنتظر أنامل ممسكة بقلم رصاص ترتجف مع كل شخبطة وتصفيق... click here to read about my son's 1st day at school

أنواع الانتظارات لا حصر لها يختبرها صغيرنا وكبيرنا بغض النظر عن الجنس والجنسية لكنني اكتشفت مجموعة انتظارات خاصة بزوجة القسيس لها نكهات مختلفة عن تلك التي تختبرها باقي الزوجات والأمهات:

أنتظر أن يصلنا رد من الكنائس التي طلبت من زوجي رعابتها كي نحسم نتيجة الصلاة والتفكير الطويل لنتخذ قرارا في السفر أو الانضمام لكنيسة معينة.

أنتظر أن يتعرف إليّ أعضاء الكنيسة ويحبونني لشخصي ولذاتي لا لمجرد أنني زوجة فلان أو أم فلان أو الخادمة في الاجتماع الفلاني.

أنتظر أن يتعرف أولادي على أسرتهم الجديدة، أسرة لا يربطهم بها رابط دم أو قرابة لكنها أسرة أراد لهم الله أن يولدوا في أحضانها في سنة معينة ومكان معين وقد يتربون أيضا في كنفها أو كنف أسرة أخرى ننتقل إلى خدمتها.

أنتظر أن يكبر الأولاد قليلاً فأتمكن من العودة إلى صفوف جنود الخدام في الاجتماعات المختلفة وإلى صفوف المرنمين في الكورال وصفوف العازفين يوم الأحد وشتى أشكال الخدمة التي فطمت عليها لكن في بلدين وزمانين مختلفين وكأنهما حياتان أخريان يفصلني عن كل منها سنوات ضوئية من الأحداث والمتغيرات.

أنتظر عودة زوجي من زيارات رعوية وجلسات إدارية ومؤتمرات روحية لأجد نفسي في كل مرة وقد استسلمت تحت وطأة الإرهاق ومسؤوليات الأطفال والبيت أقوم بتفاصيلها منفردة فأخلد للنوم قبل أن أسمع صوت مفاتيحه تداعب قفل باب منزلنا.

أنتظر أجازة أسرية سعيدة نبتعد بها جسديا وذهنيا ونفسيا عن روتين وهموم سنة كنسية ودراسية طويلة وشتاء بدا وكأنه لن ينتهي فنطفئ قابس التشغيل لماكينات أجسامنا وعقولنا ونوقف الزمن ولو للحظة نقضيها نحن الأربعة معا بعيدا عن كل تلك الأثقال التي نجرها على مدار العام.

أنتظر نورا إلهيا يشق السماء وينزل إلي حيث أنا قابعة في ظلام وحدتي الحالك فيصلني بصورة ابتسامة أو ربتة كتف أو كلمة تشجيع تؤكد لي أن الله راض عن تقدماتي وذبائحي وتكريسي وتحملي حساب النفقة.

الانتظار علينا حق، وكل تلك الانتظارات ما هي إلا صور ميكروسكوبية عن انتظارنا الأزلي في شوق إلى ذلك اليوم الذي نستوطن فيه مستقرنا الأبدي مع باري الورى. فالسؤال لم ولن يكون: هل نحن ننتظر؟ وإنما السؤال الحقيقي هو: كيف نستثمر حياتنا أثناء الانتظار؟ 

جميع الحقوق محفوظة لمدونة رهاميات

Thursday, August 28, 2014

كلنا "أورم" ... 20 حقيقة تهمك

ينتشر باللغة الإنجليزية مصطلح SAHM وهو اختصار لـ: Stay At Home Mom للتعبير عن الأمهات غير العاملات خارج المنزل، نطلق عليهن بالعربية إسم "ربات البيوت". وقد قرأت مؤخرا الكثير من المقالات الفكاهية ولكن الواقعية إلى أبعد حدود عن طرق تكتشفين بها أنك SAHM وهي تلامس عميقا واقع الأم التي تركت عملها عندما أنجبت سواء كان ذلك نابعا عن اختيار حر أو لأن الظروف الجديدة قد أجبرتها على ذلك. لكنني كنت أتمنى أن أقرأ مقالا يمس واقعي كأم عربية ويخاطب حياتي اليومية وإن كنت لم أختبر الأمومة في بلدي الحبيب سوريا إلا بضعة مرات سافرت بها مع ابني كان أخرها في سن السنة والنصف وهو الآن قد دخل عامه الخامس أما ابنتي ذات الأعوام الثلاث فلم تطأ أرض الياسمين بعد. ومع ذلك فالأمومة في مصر يمكننا تعميمها على الأمومة في الوطن العربي كما يفعل الأمريكان عندما يعممون حياتهم على كل البلدان الناطقة باللغة الأنجليزية. لكنني وإن كنت سأكتب من واقع أمومتي في مصر إلا أنني لن أستخدم العامية المصرية فقد يكون في هذا إهانة وتهميش لباقي الأمهات الناطقات بالعربية سواء كن يعشن مغامرة الأمومة داخل أو خارج الوطن العربي فآثرت الكتابة بالفصحى (وليس العامية السورية أيضا) لأنها تخاطبنا جميعا على قدم المساواة. إليك عزيزتي القارئة الحقائق العشين التي بها تجيبين عن السؤال: هل أنا "أورم"؟ وهي وحدها تعطيكي الحق في أن تقولي: أنا أم و ربة منزل. ولك عزيزي القارئ كل الاحترام والتقدير لاهتمامك بأن تتعرف أكثر على هذا الجانب من حياة آنثى قريبة منك سواء كانت أماً أو اختاً أو زوجة أو ابنة.

ستتأكدين من حقك في التصريح والقول أنا "أورم" :

  1. عندما تسألين نفسك عن أقصى أحلامك وأمنياتك فتجدينها تتلخص في ثلاثة أمور: أن تستحمي، أن تنامي ساعة من الزمن، أن تأكلي وجبة ساخنة في طبق خاص بك وحدك يحتوي على شوكة كبيرة فقط لا ترافقها ملعقة صغيرة
  2. عندما تتسائلين كيف أتى يوم الأربعاء بعد يوم الاثنين على خلاف العادة ان يكون هناك ثلاثاء ما بينهما !
  3. عندما تجدين نفسك ترددين أغاني أفلام الكرتون من قناة براعم للأطفال لتسلي نفسك أثناء نشر الغسيل "عمي مصلح، عمي مصلح، اصنع لي بيتا جميلا... عمي مصلح، عمي مصلح، ركب لي برجاً طويلا"
  4. عندما تبحثين عن فرشاة شعرك بلا جدوى فقد مرت أيام لم تحتاجي استخدامها لأنك لا تجدين نفعا من تمشيط شعرك إذا كنت لن تري مخلوقات بشرية أخرى غير أولادك اليوم، وغدا، وبعد غد، وبعد بعد غد
  5. عندما تكتشفين أن أياما مرت تحولت إلى أسابيع وشهور وسنوات بدون أدنى مبالغة لم تنامي فيها ليلة متواصلة... ولا ليلة واحدة لأن النوم المتواصل لمدة تتجاوز الثلاث ساعات يعد ضربا من الرفاهية المشتهاة
  6. عندما تتكاثر أسئلة أطفالك: "إلى أين انت ذاهبة يا أمي؟" لحظة أن يروكي ترتدين بنطالا من الجينز
  7. عندما تجدين صعوبة في المشي في الشارع وحيدة لأنك نسيتي ماذا كنت تفعلين بذراعيك الفارغتين من قبل؟ هل ألوح بهما؟ أم أضع إحداهما في جيبي وأمسك بشنطتي باليد الأخرى؟
  8. عندما تتمنين في سرك لو أن لك أذرعا بعدد أرجل العنكبوت
  9. عندما يتساءل ابنك كيف رأيته يتصرف تصرفا خاطئا دون أن تلتفتي حتى، فيعتقد حقا أن للأمهات زوجا إضافيا من الأعين في مؤخرة رؤوسهن
  10. عندما تركضين للاختباء في الحمام بحجة قضاء حاجة فور وصول زوجك لأن الأطفال سيركضون لملاقاته "بابااااا" وذلك يعطيك بضعة دقائق من الهدوء قبل أن يجدوك وتلك فرصة نادرة لدخول الحمام بمفردك دون وفد المرافقة المعتاد والذي أخذ على عاتقه مهمة حمايتك طوال اليوم حتى في هذه الزاوية من المنزل
  11. عندما تحسين بالذنب لأن كلمة "ماما" أصبحت أخر كلمة تودين سماعها في يومك وأكثر كلمة تخافينها وأسرع كلمة تملين منها، فكيف تجرؤين على التقزز من أطهر وأقدس كلمة في الوجود، كلمة "أم" فكم من إناث ينتظرن سماعها ومنهن من قد حُرمت منها إلى الأبد وها أنت تنفرين منها؟ لابد أن هناك خطبا ما قد حل بك حتى تتذمري على نعمة الأمومة، لابد وأنك لا تستحقين هذا اللقب أصلا، أنت أم فاشلة... لكن كل ما في الأمر هو أن طاقتك على التحمل قد تخطت الخط الأحمر ولو سمعت نداء "مامااااا" مرة أخرى... بعد المليون اليوم ستنفجرين
  12. عندما تستعدين للخروج في نزهة عائلية نادرة وأنت تحتفطين بابتسامة بلاستيكية على وجهك ويستشيط باطنك غضبا وأنت تلبسين الأطفال وتملئين حقيبة كبيرة بكافة تفاصيل احتياجاتهم وتستعدين أنت نفسك للمغادرة بينما يحلق زوحك ذقنه ويرتدي ملابسه بكل بساطة ويسألك باستغراب: لم تجهزوا بعد؟ لقد تأخرنا!!!!!
  13. عندما تطوين الغسيل النظيف لتكتشفي أن ليس لك فيه أية قطعة ثياب لأنك لازلت ترتدين نفس "البيجامة" المنزلية منذ أيام لكنك نسيتي أنها هي نفسها لأن بقع الأكل والحليب تزينها بنقوش مختلفة كل يوم كي لا تملي تكرار التصميم 
  14. عندما تستخدمين رفاهية الاختراع الملقب بالهاتف ويعلوا صراخ وبكاء أبنائك فتجدين المتحدث بكل أدب يقترح أن يتصل في وقت لاحق وتعجزين أنت عن الشرح له/لها أن هذا الوضع هو أحسن الأحوال وتتمنين لو كان بإمكانك قولها بصراحة: أرجوكي لا تغلقي الخط فأنا بحاجة لأن تكلم مع أحد ما... أيا كان الشخص وموضوع الحديث
  15. عندما تقومين بكل أدوارك ومسؤولياتك لوحدك ثم يحدث أن تغيبي فترة ما (والغياب يكون عادة لأسباب قاهرة كالمرض وليس لرفاهية أنك أخذتي "بريك" والعياذ بالله) فإن مهمة تغطية كل تلك الثغرات تتطلب فريق عمل متكامل يتكون على الأقل من5 أشخاص (والدتك، حماتك، أختك، أخت زوجك، وزوحك نفسه) للقيام بما يلزم وضمان سير المركب بينما كنت وحدك قادرة على إنجاز كل ذلك دون مساعدة أحد، وفي كل الأحوال لن يتم العمل كاملا فعندما تتعافين بإذن الله ستجدين كل ما يمكن تأجيله قد تأجل فعلا وتراكم فوق بعضه البعض في انتظارك
  16. عندما يختلف تسلسل الأولويات لدى مغادرتك المنزل (أو أي مكان) فتقومين بمراجعة ما بحوزتك وضمان عدم ضياع أي شيء/أو شخص: الأولاد، ثم الأولاد، ثم محفظة النقود، ثم مفاتيح المنزل والسيارة، ثم الموبايل... أي شيء غير هذا مسموح أن يضيع أو يُنسى، حتى هذه يمكن تعويضها باستثناء أول الأولويات
  17. عندما يسأل الناس زوجك: "هل تعمل زوجتك؟" وتأتي الإجابة التقليدية: "حاليا هي لا تعمل، إنها فقط ربة منزل"، فقط؟!!!!!! أنت لا تعملين بساعات محددة مع أوقات راحة وأيام عطلة ومرتب شهري وحوافز وتشكرات واحترام الزملاء وتحقيق الذات، أنت فقط: خادمة لتنظيف المنزل مجانا، جليسة أطفال مجانا، طبيبة إسعافات أولية مجانا، طباخ ماهر مجانا، معالج نفسي مجانا، خبير حل نزاعات مجانا، حارس ليلي مجانا، ألة نشر وكي وطوي غسيل مجانا، مصممة أزياء مجانا، مغنية وقارئة قصص مجانا، مهرج مجانا، ماكينة صراخ وعقابات مجانا... وكل ذلك بساعات عمل مفتوحة 24 ساعة في اليوم 7 أيام في الأسبوع بلا عطل أو راحة أو فرصة حتى للاستماع إلى صوت أفكارك... عدى عن شح وندرة الكلمة السحرية: "شكرا"
  18. عندما تتذكرين أخر أسبوع مر عليك وتكتشفين أن الشخص البالغ الوحيد الذي تكلمت معه كان بواب المبنى أو موظف الكاشير في السوبر ماركت أما باقي أيامك فكانت مفعمة بالكتب الملونة وأفلام الكرتون والدباديب إضافة إلى أصوات أبعد ما تكون عن حديث البالغين: "دودو، نونو، تاتا، دادي، أوفف، واوا، بو، تش، بح، كخ... الخ" وتخشين أن يكون قد أصابك فعلا نوع من أنواع التخلف العقلي
  19. عندما تتخذين قرارات غريبة كأن تقضي فترة قيلولة طفلك في التقاط الصور له وهو نائم (لأنه "كيوت") ثم يستيقظ وأنت لم تنامي بعد، أو أن تشعري بالإنجاز والفخر وكأنك تسلقت قمة إفريست للتو لمجرد أن ابنتك عملت "بي بي" داخل الـ"بوتي"، أو أن تطوري مهارة جديدة لديك وهي القدرة على تنظيف البيت بأكمله باستخدام علبة مناديل مبللة "وايبس" فقط لا غير
  20. أخيرا وليس أخرا لأنني ببساطة قررت التوقف عند الرقم 20 وليس الـ 2000: عندما تجدين نفسك تقومين بتصرفات غريبة كأن تفقسي البيضة في سلة المهملات وتضعين القشر في المقلاة ثم تندهشين أين "الأومليت"؟ أو أن ترتدي فردتي حذاء مختلفتين وتكتشفي ذلك بعد أن تكوني قد مشيت مسافة لا بأس بها بعيدا عن المنزل، أو أن تجهزي حقائب الحضانة فتضعين زجاجتي الماء في إحداها وعلبتي الأكل في الثانية فتكتشف ذلك الـ "ميس" وتصلح خطأك بالمقايضة مع الـ "ميس" في الفصل المجاور...
أنا على يقين بأننا جميعا كأمهات يمكننا الإضافة إلى القائمة السابقة وإغناؤها بالمزيد من الكوميديا والتراجيديا على حد سواء ولن نستغرب اندهاش الناس وعلامات التعجب على وجوههم فنحن أنفسنا لم نكن نتخيل أن الأمومة يمكنها أن تكون صعبة إلى هذه الدرجة وفي نفس الوقت رائعة بلا حدود. قد يشوبها أحيانا بعض الحروب والمعارك ما بين الأمهات في مقارنات عقيمة: إبني قال ماما مبكرا جدا، ابنتي خطت أولى خطواتها قبل أن تتم عامها الأول، لماذا تطعمين رضيعك وهو في شهره الرابع؟ لماذا تأخرتي في إطعام ابنتك إلى شهرها السادس؟ بالإضافة إلى فكرة عودة الأم إلى العمل بعد الولادة والتي تحتاج إلى صفحات بحد ذاتها ما بين مؤيد ومعارض.

بعضنا تتمتع بنعمة وجود فريق العمل السابق الذكر أو بعض من أعضائه الخمسة ولكن مع ظروف التنقل والسفر والهجرة فإن عددنا نحن الذين نكافح وحدنا قد ازداد فتنظرين من حولك ولا معين، تستغيثين وليس من يسمع، وتتمنين حتى طبخة واحدة في الشهر تأكلين فيها أكلا شهيا ليس من صنعك وليس طعاما جاهزا "أكل سوق" بل "أكل ماما" أو "أكل حماتي"، تحاولين أن تتذكري متى كانت أخر مرة قابلتي إحدى صديقاتك أو خرجتي في نزهة تسوق مثلا وعبثا تحاولين إيجاد تفسير لكونك وحيدة بلا أصدقاء بعد أن صدّقت كلام الأخرين "الأولاد سيملأون الدنيا من حولك ولن تحتاجي غيرهم"... "الأمومة ستكون أسعد خبرة تتذوقينها في حياتك" وهذا صحيح جزئيا لكن هناك أمور لم ولن يخبرك أحد عنها وها أنت تعيشينها واقعا لا مفر منه.

 لو كانت خبرتك في الأمومة مشابهة لتلك التي أعيشها أنا فثقي أن هناك أمل... ولا تسأليني أين ومتى وكيف؟ فنحن "في الهوا سوا" والمهم أن نبقى "صامدين" ولو قست عليك الظروف أكثر فواجهتِ مصاعب إضافية تتنوع مصادرها وطول مدتها، ثقي أن هناك من تشعر بألمك وتحدياتك بل وقد يكون نصيبها أصعب. لا بأس في التذمر والشكوى ولا ضرر من التنفيس والفضفضة، حتى وإن كانت تلك أيضا قد تحولت إلى رفاهيات، المهم هو أن تؤمني بنفسك وبقوتك رغم عجز أو تقصير من حولك في التعبير عن تقديرهم وامتنانهم لكل تضحياتك، فسيأتي اليوم الذي به نسترجع ذكريات تلك السنوات الأولى من الأمومة بخليط من الدموع والابتسامات.

لكن المهم في الأمر، إلى جانب قراراتنا وخياراتنا اليومية لما نراه الأفضل لنا ولأبنائنا ، هو أن نكون أكثر لطفا وتفهما لبعضنا البعض كأمهات فنحن في نهاية الأمر أكثر الناس دراية بما يجري في عالم الأمومة من خفايا قليلون هم الذين يعترفون بها ويفضفضون في التكلم عنها... فالحقيقة أنها وإن تعددت الأشكال وتنوعت الظروف... إلا أننا كلنا "أورم"!


بدون تعليق: ما بين الرسم واللعب والكتب والأيباد والتلفزيون وحرب الشوارع... ينقضي يوم في المغامرة ويبدأ يوم أخر جديد مفعم بالإحباطات والـ "نرفزة" والضحك والإثارة... الأمومة ترحب بكم... رافقتنا السلامة

Saturday, July 26, 2014

سرّ الأح أوو

منذ أكثر من عشرين عاما، من ذكريات سنوات المراهقة، انتشر ذلك النوع من النكات الطويلة التي تشعر في منتصف سردها بالملل الشديد لدرجة أنك تضطر إلى الضحك ليس لأنها مضحكة بل لأنك وصلت إلى النهاية أخيرا. كانت إحداها تسمى "سر الأح أوو" وباختصار شديد يصل الباحث عن هذا السر إلى مصدر الصوت خارجا من حمام يلعب فيه شخص ما بصنبور المياه وهو يستحم فيفتح الماء البارد تارة ويقول "أح" ثم يفتح الماء الساخن ويقول "أوو".

لم يكن يعلم من ألف تلك النكتة أنه بعد سنين طويلة سيظهر اختراع اسمه "فيسبوك" ويلعب معي نفس اللعبة كلما فتحت صفحته الرئيسية وهي صفحة  تعرض لي لائحة مختارة من أخبار الأهل والأصدقاء حول العالم الذين تربطني بهم "صداقة فيسبوكية" وينشطون في "البوستات" فيما يخص صيف 2014 في حياتهم.

منذ أيام الصيف الأولى، وفي كل مرة أفتح فيها هذه الصفحة كنت أشعر بأنني ألعب تلك اللعبة ذاتها مع اختلاف نوع الصنبور. فمن صنبور أخبار الفيسبوك تدفقت صور المصايف الفاخرة التي ارتادها أصدقائي حيث تتعدد وتتنوع ما بين مناطق رائعة داخل مصر أو في العالم العربي أو حول العالم أجمع. بعضهم كان على موعد مع أكثر من رحلة والبعض الآخر اكتفى بمقتطفات صور تلخص مجمل وقته مع العائلة بعيدا عن هموم الحياة وروتين شتاء طويل. منهم من اكتفى بصور الهواتف المحمولة ومنهم من برع في التقاط صور عالية الجودة والروعة في آن معا.

كنت أجلس خلف شاشة الكمبيوتر في قيظ الاسكندرية ورطوبتها وساعات انقطاع التيار الكهربائي وأيام وأسابيع الحبس الإجباري في المنزل أتأمل قطرات الماء البارد تنزل رشاً حيناً ودراكاً أحياناً تماماً كالمدى المجدي والمدى الأقصى الذي درسناه عن البارودة التشيكية أيام التدريب العسكري في المدرسة وحصة "الفتوة" الشهيرة في حياة كل طالب سوري من مواليد السبعينات والثمانينات وما قبلها فتلك كانت فقرة الـ"أح" من لعبتي. أنهض بعدها مبتلة، أهو عرق بارد أم ماء حقيقي؟ لا أعلم، ففكري مشغول بذاتي ومنحصر حول حسرتي على ما آل إليه حال الصيف هذا العام، صيفي أنا، بعد أن علقت عليه آمالا وأحلاما منها الوردية واللازوردية بأطيافها فتخيلت الراحة والاسترخاء ومددت يدي لأتلقف البهجة والاستمتاع وشنفت أذني لأسمع ضحكات أطفالي وجهزت أقدامي لأركض في حقول الفرح أطارد طريق النحل الذي غنت له فيروز فلا اكتفاء ولا ملل من الدوران في حلقات مفرغة طالما يلفني هواء خفيف وتغادرني سموم أعوام انصرمت راكمتُ خلالها  الكثير الكثير مما هو غير صحي لروحي وجسدي ونفسي. فقرة الـ "أح" كانت أكثر صقوعة مما تخيلت فشتان ما بين صيف أولئك الاصدقاء وصيفي أنا.

"أووو" لا بل "أوووووووووو" حار جدا جدا... من فتح صنبور الماء الساخن فجأة؟ أه انه نفسه من فتح البارد ولكن أبطال المشهد هذه المرة مختلفون فالصور التي شاركونا بها ليست لهم شخصيا ولكن لآخرين يحملون نفس الهوية، نفس الانتماء، يربطهم بهم وحدة حال، حتى وإن اختلفت الوجوه فالصنبور ذو العلامة الحمراء قد تدفق منه ماء ساخن بلون أحمر وليس من يوقف شلال الدم في سوريا وغزة والعراق ومصر حيث توالت الأخبار الرسمية منها والحياتية التي ينقلها مراسلون مثلي أنا يرصدونها من دفتر يومياتهم وصيفهم الحار جدا جدا لدرجة استخدام تلك الصفة حرفيا في الوصف الانجليزي "هوت" لا بل "فيري هوت إيشوز" ويطلقون عليها في نشراتهم الإخبارية لقب "بريكنج نيوز" وهي فعلا أخبار "كاسرة" تكسر الظهر والقلب والضمير.

تختلف مدة جلسة الـ "أوو" مع اختلاف البلد والفترة التي يستغرقها الحدث إلى حين "فتور" القضية فبعد أن تصدرت أخبار سوريا المشهد حلت محلها أخبار غزة لتستوقفها أخبار الموصل ثم عودة إلى أخبار غزة ثانية وفاصل سوري آخر وتعود الكرة إلى غزة تمررها إلى الموصل ثانية وااااااااااااا هدفففففف... هدف... فلنشاهد الإعادة معا... لا انها ليست إعادة فالفِرق الأربعة تسدد وتسجل أهدافا عدة ولا وقت للإعادة ولا حاجة للإعادة أصلا فتكرار الصورة يغني عن ذلك، وها هي الفِرق تستضيف هولندا في ملعب الدم ببعضة أهداف شرفية... إنها فرنسا تنضم إلى القائمة الآن حتى وإن كانت طائرتها سقطت إثر كارثة طبيعية وليس بفعل فاعل أو بفعل حرب إلا أنها تستحق عدد أهداف بعدد أهداف مصر ربما فتلك الأخيرة غادرت الملعب مبكرا أيضا.

وطال التأوه وامتد أنين الـ "أوو" وتحول إلى عويل فنهضت ثانية بتثاقل وغادرت شاشة الكمبيوتر مستبدلة شعور الحسرة بجراد الذنب الذي بدأ يأكل الأخضر واليابس في حياتي. "ليش مانك رضيانة؟"... "شوفي مشاكل غيرك"... "ع الأقل عندك سقف فوق راسك وولادك بخير"... "في شي مرة ولادك ناموا جوعانين؟"..."حاجة تنقي بقا"... "امبسطي"..."اشكري الله ع النعمة اللي انت فيها"... "لا تفتحي تمك ولا بحرف"

التذمر ممنوع باوامر من وزارة الداخلية (الضمير) والفرح ممنوع باوامر من وزارة الخارجية (الظروف) فلجأت إلى وزارة التضامن الرهامي (الوعي) بحثا عن مستقر... بحثا عن صيف... هربا من شفير جنون... صور الصنبور الأزرق بمياه البحار والأنهار وزرقة سماء النزهات والمصايف اختلطت بصور الصنبور الأحمر وتشابه الأخبار رغم تعدد الهويات، للدم لون واحد وطعم واحد. امتزجت صور الصنابير جميعا بصور في رأسي كانت ولا تزال تصوّر لي ما كنت أحلم أن تكون عليه حياتي وأيام أسرتي الصغيرة في صيف 2014. لو صحّت نظرية المؤامرة فلابد أن تكون تلك الظروف على اتصال لاسلكي مع بعضها أو عبر الانترنت لتتفق على توقيت موحد في الوصول إلي حتى وإن لم تنطلق سوية لكنها وصلت معا بفارق بعضة أيام أو أشهر أو بضعة سنوات حتى، إلا أن مفعولها طفى إلى السطح في نفس الوقت، بعضها جاء إلى حياتي بسرعة قذيفة الهاون والآخر دبّ ببطء الحلزون وصبره.

وهاأنذا الآن في المطبخ أتأمل آنية مرتصة على الرخامة بانتظار إشارة مني، لست ذلك "الشيف" الماهر المتحكم بمجرى الأحداث ولكنني وإن لم أملك كامل الزمام إلا أنني لازلت أتمتع ببعض "الكونترول" كي أصنع شيئا ما. سأجرب وأخلط وأزيد وأنقص من مقادير ما عندي كي أتوصل إلى وصفة مثالية، ليست مثالية بالمطلق لكنها مثالية لي أنا تحديدا في هذا الوقت من حياتي تحديدا، وصفة تسعفني لأني بحاجة إلى البقاء على قيد الحياة ووصفة تغذيني لأني أريد أن أحيا ملء الحياة. سأطرد الحسرة لأنها قد تتحول إلى غيرة أو مرارة كلما قارنت نفسي بالآخرين وسأطارد الذنب لأنه يلون كل المشاعر بلون واحد لا رائحة له ولا إسم.

في أي لحظة من حياتي أنا أغنى من الكثير من الناس وأفقر من الكثير من الناس فالقرار في يدي أن أختار أية نظارة تزين أنفي. دموعي ملكي أنا وحقي أنا وليست حكرا على منطق "اللي يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته" لكنني لن أقبع في مستنقع الألم فابتساماتي هي أيضا من حقي وليست عبدة لإعاقات مجتمعنا التي تحذرنا "الله يجيرنا من شر هالضحك".
عندما أبكي سأكفكف دموعي بكفي أنا وليس بسدادة دمع اسمها "احمدي الله غيرك متمني اللي انت فيه" وعندما أضحك سأقهقه وأققز وأرقص دون الاستعراض الذهني لصور المأساة السورية التي سمّرت قدماي بالأرض مع تحيات شركة "كيف فيكي تمبسطي وغيرك ما نشفت دموعو وبلدك ما نشفت دماتو".

أنا إنسان من إصدارات عام 1979 أخضعت نفسي لعملية تحديث "أبجريد" للتماشي مع "تكنلوجيا" عام 2014 فغدوت أمتلك خاصية الإبادة لعقدة طالما توارثناها هي عقدة الذنب. ذلك الذنب الذي دعوناه ضيفاً دائماً في أفراحنا وأتراحنا يفسد علينا لحظات السعادة مهما كانت صغيرة متناثرة، ويحرمنا من الحق في الحزن بحجّة أن هناك من هو أتعس حالا منا.
بدل أن نحارب الذنب اخترنا أن نهرب منه فاختلقنا سعادات تافهة وحصرنا أنفسنا بها متناسين من حولنا مجترّين مباهج الحياة بأنوف مترفعة عن رؤية البؤس من حولنا ومد يد العون فقبضتنا محكمة الإغلاق بأنانية حفاظاً على كل ما نملك بدلا من أن نمدها لنشارك المحتاج بكيس من السكر، بعضنا هرب إلى السعادة والبعض الأخر هرب إلى التعاسمة فاختلقنا شرانق حزن أبدي نحيكها من حولنا كي نجلس داخلها بأمان نلعق جراحنا دون أي نية للخروج ثانية والعودة إلى العالم فالحزن عذر مريح يعفينا من أي إنجاز أو مسؤولية تجاه أنفسنا والآخرين وبات ومن الخسارة تمزيق شرنقة قد استثمرنا وقتا طويلا في تلوينها وتزيينها وتعليق الصور التذكارية على جدرانها.

وتستمر حملة اقتلاع الذنب من جذوره واكتشاف وصفة حياة بمقادير واقعية، أما أسرار صنابير الـ"أح أوو" فهي تعمل بكفاءة حتى وإن كانت " المي مقطوعة... يا أفندي "


بدون تعليق: اخترت هذه المرة صورة من غرفة غير تقليدية في منازلنا قلما نشارك صورا منها... الحمام... وعلى المرآة علقت أربع قطع تجلب لي ابتسامة عذبة كلما لاحظتها وتأملتها فهي تعكس الكثير بغض النظر عن خناقات الليل "مين لسا ما فرشا سنانو؟"

Friday, July 4, 2014

our rope

our 8th wedding anniversary is not until the end of next month, but a facebook post by a friend this morning got me thinking about marriage and choosing a life partner, here are parts of what he wrote:

"... a good wife is from the Lord" I always thought that this meant that God's role in my finding my better half was to make her out of the rib He took away from me, the fact that he would cause our paths to cross. And may be prepare her for me...but I always thought this is not enough I have a role in this too, my role is to woo this woman's heart, to try and make her safe in me as I in Him. Now after so many attempts I give up. ... It simply just doesn't work a woman's heart is far more complex to be just wooed. I have to rely on Him to do the wooing for me...

Now I always thought that my life resembled the Song of Solomon till chapter 5 ...I am sad to inform you that the greatest love song ever written doesn't end in they lived happily ever after.... It ends in a brokenhearted lover gone AWOL and a naked beaten and lost lover aimlessly wandering.

Marriage is a miracle ( this is why what God joins together no man can separate) unfortunately not all people have this miracle ( even the married ones).
So if you have this miracle be thankful and enjoy it. If you don't I have a saying to you from "Shawshank Redemption" : Get busy living.... Or get busy dying !

being on the "other side" of this continuum i disagree with a lot of what he said... marriage is a miracle only in fairy tales where it's said that you find THE ONE and you live HAPPILY ever after just because you got married out of love, actually FALLING in love

in real life, and to be more specific in the lives of Christians who are active in ministry and have a leadership role, marriage is no miracle and there's no happily ever after simply because you don't start by falling in love, a free fall, it's more of an active act of love, i'm not denying or minimizing God's role here, but the human role is gigantic, it starts not by finding the right person, but by being a person who's a right match for SEVERAL people
you might meet them all (which makes it even harder and more complicated) you might meet one or two but the timing is wrong, you might meet them and a spark appears, chemistry, admiration, crush...
this is God's work but it started way back in creation not tailored to your specific situation, men and women get attracted to one another all the time... but what you do with it is your own decision and HARD WORK... get used to hard work because you'll need it a LOT, during courtship but most importantly during the HARD journey of marriage itself... still, God's role is major and prayer is more needed now than ever, and this doesn't take place INSTEAD of hard work, but ALONG WITH hard work

so if marriage is so hard and needs THAT much work, why get married in the first place? just because God DEMANDED it? because you're incomplete till you find THE one? because married people never feel lonely?

no, i personally spent years living abroad by myself, my days were full, i compartmentalized my life into categories: college, work, church, ministry, friends, fun, recreation... i had never felt so full and complete in my life like i did back then, but at the same time i was utterly lonely, all my friends had graduated long before i even moved outside my country, some got married and had children already, i've seen some marriages fall apart and i made up my mind: "either a successful marriage or a lifetime of singleness, i can't afford a failed marriage" even though deep inside i had a longing for a partner but this longing was subject to my thoughts and i kept it under control because i knew that once my emotions get involved i'll lose control and i will no longer be able to think logically about marriage, there was a big chance i'd jump into a relationship just to fill a gap or meet a need or simply feel desperate and go with the flow.

it was during that time i met this guy when i came to Egypt for a short conference, i almost cancelled my trip and later i learned that he too wasn't planning to attend either. We stayed in touch for two years as our relationship gradually moved from one level to another but it all fell apart at some point in the middle. Why did it continue after that? Why did we get married eventually? Was it because marriage seemed the next right thing to do? the timing seemed so wrong because each one of us had specific plans for the near future, we each felt so independent and complete WITHOUT each other... so how did everything change?

the leader who recommended my name for that conference is the same person who said a quote i'll never forget: "Marriage happens between two independent people who become interdependent, a marriage between two dependent people is doomed" and that answered two major questions i had regarding marriage: Why get married? When should it happen if ever?

when a person is dependent (s/he depends on his/her parents or siblings or anyone else), and then this person gets married, s/he has false expectations about this union and each one person of the new couple expects the partner to fulfill the need for dependency hens the marriage stumbles.

but when two independent people who seem so far away from the NEED and URGE to get married, do get married, then that's a formula for success. i personally use the example of two great companies, each is successful and flourishing on its own, decide to merge. i'm no expert in economics but i KNOW that this is a GOOD thing, the future of these companies becomes very promising. each could've continued on its own so perfectly well, yet they CHOSE to merge with all the risk and work there is in this merge, yet all the potential and future too

why get married? because "A cord of three strands is not quickly broken" Ecclesiastes 4:12b. (read also verse 11 and the first part of verse 12). i like to understand this verse through a "traditional" lens and see God, my husband, and myself as the three strands of this cord called marriage. why now? (i mean then) it's because only then we were both independent enough to move to the interdependence or codependency state of marriage... still, all WHY questions can't be answered so easily and briefly, i've spent the past 8 years figuring out answers for these two questions and a whole lot of other questions, but this was the starting point for me.

now what happens after marriage, is not a Happily Ever After but actually a Hard Work Ever After, you start by making that decision of spending the rest of your life with this person then you spend every single day (sometimes hour) making equally difficult decisions for the sake of this cord, for the well being of this cord, because this cord is the family's safety net once the kids arrive, because this cord is a life rope for others you minister to (and that's why i mentioned ministry early on) because this cord is an example MANY people look up to and learn from (specially if you're a pastor's family) because you can do so many fun things with this cord and enjoy life to the maximum, because this cord will help you learn, grow, mature and become your "bestest" self "everest", because without this cord you would've been fine and complete too yet you chose THIS CORD to become YOUR LIFE from now on and there's no turning back. i'm not talking about divorce here, "turning back" starts way before divorce and there are numerous families who still live together long after they've already turned back, they turned their back on themselves, on each other, on their kids, on that cord.

i can write page after page, eight years worth of pages about marriage, but at this point in my journey, our journey, all i can say is that marriage is not a happy ending for a fairy tale, it's no solution to loneliness (this might shock some , motherhood either is no solution to loneliness) the two companies base their merge on giving and investing first before they expect any profit.

so, in your marriage,  if things are pleasant, enjoy it, if things are tough then hang on to that rope, tie a knot to help you stay there till you gather your energy to work even harder and see your marriage through this rough patch, once it's over you'll realize that it's worth it, it's worth every drop of sweat and tears and none of it goes wasted. stay true to yourself and your rope, be real, don't fake success because it makes others feel like big fat failures, we all go through struggles and when our marriage suffers, it might be for internal reasons or because of outside forces that left its impact on your relationship.

i've seen it happen a lot (the struggle part) but only a few commit to getting through it, make up your mind to commit till the end and once you pull yourself together you'll find out that you've helped many others do the same and that you've been such a blessing for them more than you imagine, more than what could've been had you pretended that all is well all the time... this is what love does, specially when it's true, mature, and strong love... when it's simply LOVE

photo cutline: found this photo online and added the verse in Arabic, then tried to find a recent photo of my husband and me... went back album after album till January 2014 and all photos included the kids!!! this fact needs a separate post in itself...