Showing posts with label بالشامي أحلى. Show all posts
Showing posts with label بالشامي أحلى. Show all posts

Wednesday, July 11, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: الكهف

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/الكهف/

تحية إمتنان وشكر لكل الغواصين وعُمّال الإغاثة اللي يومًا ما انتشلونا من الكهف...
كام مرة لقينا حالنا ضايعين جوا كهف... ومنسوب الدموع عم يعلى ويعلى حتى اتحبسنا وما عدنا عارفين نطالع حالنا...
هونيك... جوا... جوا... بالعتم والرطوبة والسكون المشبوه، لما أبسط صوت بيتحول لضجيج مرعب...
هونيك... جوا... جوا... فقدت الاتصال مع الناس وبعِدت لدرجة بطّل فيني أبعت حتى كلمة أو إشارة أو نداء استغاثة ...
هونيك صليت وقلت: يارب... يارب حدا يحس بغيابي ويجي ورايي يدور عليي ويلاقي حذائي ودراجتي ع باب الكهف...

أكيد في ناس كتير مرّوا من جنب باب الكهف... طب ليش ما سألوا عليي؟

يمكن لأنهم فكروني مو محتاجة مساعدة، لأني دخلت بإرادتي، بمزاجي، وكامل قوايي العقلية... والنفسية...

يمكن فكروني أنا مقررة كون لحالي، عم يحترموا خصوصيتي، والوقت الإنفرادي تبعي... وبكل حسن نية، حاشاهم يكونوا متل الكاهن أو اللاوي ولا حتى السامري الصالح، قرروا يكونوا موضوعيين وواقعيين وما بدهم يزعجوني بحشريتهم أو تدخلهم، لهيك تاركينني على رواق...

يمكن فكروا الموضوع مو مستاهل، هي مغارة صغيرة مو كهف، وأنا لسا طفلة، لسا مراهقة، لسا طالبة جامعة، لسا متخرجة جديد... لسّا ولسّا ولسّا... ما شفت شي من الدنيا حتى كون عالقة بكهف ومحتاجة مساعدة... بكّير على هيك هموم... هدول الناس أنضج مني وأكبر مني وشايفين وضعي طبيعي وبسيط، بالعكس، شايفينه ضروري مشان أتعلم دروس رح تفيدني بالمستقبل لما ساعتها بقا يجد الجد... مو هلأ... قايسين كهفي على مقاييسهم وطلع في الموازين إلى فوق... قاسيين عليي بموقفهم وبإنسحابهم ومستخفّين باللي أنا فيه...

يمكن ما فكّروا من أساسه... هني مرّوا مطاطيين راسهم وشافوا حذائي مو لأنهم عم يدوروا على شي ع الأرض، هني كتافهم محنية من كتر الهموم... مرّوا مشغولين بحياتهم ومشاكلهم ودنيتهم... مو ناقصين هَمّ زيادة...

بس في ناس وقفوا... بكل "فصل" من فصول حياتي كان في ناس بتوقف... وبتسأل: هاد حذاء مين؟ أو بتعرف ان هاد حذاء رهام، هل هي بخير يا ترى؟
في ناس خلعت حذاءها احترامًا لقدسية الأرض جوا كهفي... وفاتت ورايي تدور عليي وتنادي إسمي...
في ناس حسوا إني طوّلت بغيابي هالمرة وبعتوا ورايي حدا بيعرف المنطقة، حدا مختص، حدا متمرّن، حدا متواضح رح يوطي راسه عند باب الكهف ويدخل من الطريق الأضيَق والأكرَب...

هدول الناس... في منهم اللي كمّل بحياته وما عدنا كتير على اتصال بس لساتني حاملة البصمة اللي تركها بمرحلة كتير حساسة وحرجة من حياتي أنا، حساسية المرحلة ضاعفت من الاحتياج بهداك الوقت وبالتالي ضاعفت من المفعول الإيجابي ومن عمق بصمته وجمالها... وفي منهم اللي لسا محتاجته بهاد الـ"فصل" الحالي بحياتي، وقد ما كابَرت ورفضت وادّعيت اني مو محتاجته، باسمع صوت صدى أفكاري عم يتردد على حيطان الكهف ويطلب المعونة...

يا ترى شو كهفِك اللي انت علقانه فيه حاليًا؟ هاد هو السؤال. صارلِك كام يوم عم تتفرجي على الأطفال ومدرّبهم بتايلاند وعم تتابعي أخبارهم انت وعم تقولي لحالك: أنا كمان محتاجة حدا يساعدني، يمكن مو لدرجة انه يضحّي بحياته ويموت متل واحد من الغواصين اللي زميله سحبه غايب عن الوعي بآخر رحلة الـ 6 ساعات وهني عم يوصّلوا أوكسيجين للأطفال، وللأسف ما استعاد وعيه وما صحي... بس على الأقل أنا محتاجة غواص يحاول، محتاجه يبعتلي تطمين: أنا شايفِك، أنا مهتم لأمرِك، أنا رح حاول ساعدِك، انتِ مانِك لحالِك، انتِ مهمة وبتستاهلي وقتي واهتمامي وتواجدي معِك... يمكن تكوني محتاجة فريق ويمكن محتاجة صديق، انتِ اللي فيكي تحددي موقعك بالكهف وتستنجدي بفريق إغاثة كامل ومُجهّز أو تتصلي بصديقة تفضفضيلها وتطبطب عليكي...

يمكن يكون السؤال بالنسبة إلك مختلف شوي، ما عم تسألي حالك: "شو كهفي؟"، عم تسألي حالك: "شو دوري؟" يمكن شفتي حذاء، يمكن سمعتي نداء، يمكن إحساسِك من جوا عم يأشّرلِك على حدا معين ويقولِك: فلانة مو على بعضها، يمكن محتاجة مساعدة، يمكن محتاجتِك انتِ تحديدا. حتى لو مانِك حاسة حالِك عندِك هالشي العظيم اللي ممكن تقدميلها اياه، بس اللي أكيد عندِك هو قلب يحب وأدن تسمع وإيد تلمس، هدول كنز لو انحطوا مع بعض بيعملوا مثلث برمودا فيها رفيقتك ترمي جواته همومها فتختفي وتتلاشى... ولو لقيتي ان رفيقتك همومها أكبر من هاد المثلث اللي عندك، فانت عندك شي رابع هي محتاجته، عندك كتف قوي تقدري تحطيه جنب كتفها، ومشاكلها اللي أتقل من انها هي تشيلها لوحدها صرتوا متشاركين بشيلتها... ونياله كل مين عنده كتف جنب كتفه يشيل معه مسافة، طالت أو قصرت، على طول هالدرب...



بدون تعليق: أول مرة باكتب مقال بسلسلة "مذكرات زوجة قسيس شابة" مو بالفصحى، ما فيني قول اني اخترت العامية (السوري) بقرار واعي، الحقيقة ان هي اللي اختارتني وهيك كان المقال مكتوب براسي وهيك طلع، طبعا كان فيني "ترجمه" بس خليته متل ما هو.

وأول مرة بحط صورة مو أنا اللي مصورتها، لهيك مافي عليها توقيعي لأنها لا تصويري ولا رسمي أنا. هي فنانة (مو أكيد، يمكن تطلع صبي) رسمت عمليات الإغاثة في لوحة رائعة فيها مجموعة حيوانات كل واحد منهم رمز لشخص أو مجموعة أشخاص، والرجل الحديدي هو الملياردير إيلون مَسك.
فرق الإغاثة بحسب جنسياتهم كانوا كالآتي: الأسد فريق الإغاثة البريطاني، الكنجر هو الأسترالي، الباندا هو الصيني، النسر هو الأميركي... الخ / الضفادع رمز كل الغواصين / التنين رمز للمهندسين وعمال الحفريات ومضخات تفريغ المياه / الطيور رمز الميديا...

Sunday, January 14, 2018

مذكرات زوجة قسيس شابة: المكنسة

قُصاصات وقِصص ومجازفة وأمل. ها هي بين أيديكم أعزائي القُرّاء أشارككم بها، قصاصاتٍ من دفتر مذكراتي فيها قصصٌ من رحلة أشبه بمغامرات الخيال فقد قبلتُ المجازفة بأن تخرج تلك الكلمات لترى النور وكلي أمل بأن تتحول ما بيننا السطورُ إلى جسورٍ طمعاً بحفنة صداقات وفيض بركات والمزيد من المحبة أبداً.

مذكرات زوجة قسيس شابة
/المكنسَة/

اكتشفتُ بالصدفة البحتة أن حلول عام 2018 يعني مرور 45 سنة على رائعة فيروز "إيماني ساطع" أغنية أشبه بالترتيلة حيث تقول كلمات الأخوين الرحباني:


مهما اتأخر جايي / ما بيضيع اللي جايي / ع غفلة بيوصل من قلب الضو / من خلف الغيم / ما حدا بيعرف هاللي جايي / كيف يبقى جايي

تطالعك الأسطر الأولى من هذه الأغنية بمصاحبة لحن أشبه بتفتح وردة مع شروق الشمس، تتمطى ساقُها مُرحبة بأشعة طال انتظارُها خلال الليل وتتوالى رقصات البتلات وهي تفرد جسمها على غير استحياء مع كل نوتة موسيقية بعذوبة ندى الصباح. وفجأة...

إيماني ساطع يا بحر الليل / إيماني الشمس المدى والليل / ما بيتكسر إيماني / ولا بيتعب إيماني / إنت اللي ما بتنساني

مالذي حصل؟ مع أن نغمات البيانو لا تزال تلوّن الخلفية برِقّة إلا أن اللحن بحد ذاته قد تحول إلى مارش عسكري مبطّن، فأراني أغني كالجندية بوقفتها المنتصبة وقد ارتديت زيّا حربيّا، ينعكس بريق الشمس في لمعان قبعتي، أرفع يدي كمن يؤدي القسم الكانونيّ (نسبة للتسمية السريانية لشهر كانون الثاني – يناير) على خشبة المسرح مع بداية عام جديد أتلو فيه نوعاً من أنواع الـ  statement of faith ليس عن حفظ وتكرار فارغ بل عن اختبار مُعاش في السنين الطويلة التي مضت... والرب معتني بي، وكل يوم محمولة... ع الأذرع الأبدية.

أنا إيماني الفرح الوسيع / من خلف العواصف جايي ربيع / إزا كِبرِت أحزاني / نسيني العمر التاني / انت اللي ما بتنساني

"كزّابة" ... تصرخ إحدى الحاضرات واقفة بين صفوف المتفرجين وتتقدم بخطاها نحوي كما فعل ذلك الشاب في الدقيقة 1:08 من كانتاتا الميلاد بالكنيسة الإنجيلية الثانية بأسيوط مقاطعاً القراءة الكتابية. فأسألها مقتبسة كلمات الدكتور ماجد عزمي: "مالِك، في إيه؟"
وتجيب المشاغِبة: "مافي شي، بس عم قلِك انك انتِ واحدة كزابة! عن أي إيمان عم تحكي وتغني؟"

تداعبني فكرة الإنهاء السريع للموقف وإجهاض هذا العرض المسرحي الساخر. بإشارة مني سيتم إطفاء الأنوار وإسدال الستار لأَخرج متنكرة في زي عامل نظافة أحمل مكنستي مخاطبة القراء: "شو مستنيين؟ خلّصنا خلاص، كل واحد يشوف شغله، بدنا نشطف (عايزين نرش مية)" فأفُضّ التجمهر وأنفُضُ الإحراج... بمكنستي.

لكن الحقيقة أن أُختَنا المشاغبة تلك على حق. فكلمات الأغنية الفيروزية رغم لين موسيقاها إلا أنها تمتلك أكثر من نصل حاد يقطع الشك باليقين، يقين أن إيماني في الحقيقة متكسّر ومتعَب، لا بل متهشّم ومتهالِك. تلك هي حالة "إيماني"، الآن وهنا، ليس إيماني على امتدات السنين وإنما إيماني تحديدا في هذه الحقبة من حياتي. في حقبة من الانتظارات الجديدة كما كتبتُ عنها في مقال "الإنتظار" وكما تكلم عنها عنوان وفحوى الكانتاتا يوم الأحد الماضي.

كيف أجرؤ إذا على ترداد هذه الترتيلة، ذاكرةً كلماتٍ كالفرح والسعة والربيع بينما يغُصّ قلبي بالدموع وتختنق كلماتي طلباً للأوكسيجين على رؤوس أصابعي المتجمدة؟

"أؤمن وأعترف"، كان هذا عنوان الصلاة التي كنا نتلوها في مدرستي "راهبات المعونة الخاصة للبنات" بدمشق قبل  التقدم لممارسة سر المناولة (فريضة العشاء الرباني) وها أنا أستخدم العنوان ذاته لكن لتلاوة صلاة هي صلاتي غير "الكاذبة" مع مطلع عام جديد، صلاة المكنسة، فمع كل إقرار إيمان هناك كَنْسةُ اعترافٍ أصرِفُ بها كلَّ ما يقف حائلاً دون تحوّلِ إقراراتي النظرية تلك إلى واقعٍ يوميٍ مُعاش.

-         أؤمن وأعترف -
أؤمن يارب بأنك الله الخالق، وأنك قد خلقتني على صورتك ومثالك..
وأعترف بأنني خلقتك على مقاسي وحشرتك داخل محدوديتي..
أؤمن بأنك صالح وأن أفكارك نحوي أفكار خير..
وأعترف بأنني لازلت أرفع قبضتي الغاضبة إلى السماء عالياً وأعترض على صلاحك لأني عاجزة عن فهمه..
أؤمن بأن مستقبلي مضمون فيك..
وأعترف بأنني غارقةٌ حتى أذنيّ ببحرٍ من الشكك والتساؤلات والتمرد والتهكمات..
أؤمن بأن أشواق قلبي مُحققة في شخصك..
وأعترف بأنني أشتهي ما هو ليس لي، وليس لخيري، وليس بحسب قصدك لحياتي..
أؤمن بأنك روح وبأنني بالروح و الحق ينبغي أن أسجدَ لك..
وأعترف بأنني أريدك جسداً كي أضع إصبعي في أثر المسامير وأسنِد رأسي على صدرك وأبتدعَ سبعَ حواسٍ جديدة كي أمتلك دزينة منها فبدل أن أتمتعَ بك، أستخدمك لإشباع رغباتي واحتياجاتي الخاصة بطريقتي أنا بعيدا عن طبيعتك وكينونتك أنت..
أؤمن بأنك مصدر كل حكمة وفهم..
وأعترف بأن خلايا دماغي التي سبكَتْها يداك قد وصل بها الجبروت لأن تدّعي تفوُقَها عليك ..
أؤمن بأنك كُليّ الوجود..
وأعترف بأنني وحيدة، وأنك قد نسيتني، فلا أشعر بقُربِك، ولا أُدرك بأنك تلفّني بحضورك حولي وفي داخلي ومن خلالي..

...تتكاثف تدريجياً غمامة الغبار الناتج عن عملية الكنس يرافقها هيستيريا من الدموع والسعال فأٌقرر التوقف عند هذا الحد. أسند ذراع مكنستي على الحائط وأجلس القرفصاء بجوارها متخذة قسطاً من الراحة... ولكن إلى حين...


بدون تعليق: ولازلت في 2018 أستمتع بالأعمال المنزلية كالكنس والطبخ والتنظيف مع كرهي الأزلي الأبدي لأمرين أمقتهما وبشدة: الأول أن هذه المهام by default مفروضة عليّ ومتوَقَعة مني لمجرّد أن الله خلقني أنثى!!! مين اللي قال؟ والثاني أنها مهام تدور في دائرة مفرغة عقيمة تستنزف لا طاقتي ووقتي فقط بل عمري كله... البيت لما بانضفه بيتوسخ، والغسيل لما باخلصه بينلبس، والأكل لما باعمله بيتاكل... طب وبعدين؟ أما من مُنقِذ؟

Saturday, February 20, 2016

الخبطة الخمسية

لست أذكر ان كانت في أواخر المرحلة الابتدائية أم في المرحلة الاعدادية، لكنها كانت موجودة. "الخطة الخمسية" مفهوم جديد بالنسبة لنا عندما كنا صغاراً يتم تدريسه في مدارسنا في سوريا لتعريفنا بما تقوم به الدولة. كل ما فهمته من هذا العنوان في ذلك الوقت هو أن مدة خمس سنوات ليست طويلة كما يظن البعض فهي بالكاد تكفي لتحقيق خطة ما في مجال ما والسير وفقا لهذه الخطة طيلة السنوات الخمس. لكنني كبرت واكتشفت أن نفس السنوات الخمس إن اقتصرت على المصائب والكوارث الكبيرة منها ذات الأمد الطويل والصغيرة التراكمية اليومية فلن تكون بالمدة القصيرة وستمر السنوات الخمس "بالعافية" أو "بالزور" مخلفة وراءها جروحاً وقروحاً يتوجب مداواتها سنوات خمس أُخَر أو أكثر.

فكرة تقسيم السنوات الطوال إلى قطع يقتصر كل منها على سنوات خمس تخلق في ذهني صورة لوح من الشوكولاته، كل مربع فيه هو خمس سنوات يلتصق به مربع ثان بطريقة أنيقة تحدد إطاراً لكل مربع لكنها تحفظ اتصال واتحاد المربعات كلها معاً. ولو أردتَ فصل الواحد عن نظائره كل ما عليك هو قلب اللوح على ظهره و توجيه بعض الضغط على أحد الخطوط الانتصافية لتقتطع منه صفاً من المربعات فيتعين عليك تكرار نفس الحركة لفصل المربع المنشود.

لوح شوكولاتة وسنوات تعدادها بالخمسات، تلك كانت حياتي ولا تزال. لكنني أعجز عن التحديد المسبق لمعالم كل مربع فأنا لا أضع خططا خمسية ولكنني بعد مضي حقبة من الزمن أنظر إليها وقد ترسبت على هيئة خمس سنوات في تاريخ لوح الشوكولاته. لقد كان مستقبلي يفتقر دائما إلى أي خطة خمسية لكنه كان دائما يتحول إلى تاريخ يتردد في أرجائه بين الحين والآخر صدى خبطة خمسية.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيتها في بيروت. انتقلت إلى العيش في العاصمة اللبنانية بهدف الدراسة الجامعية بعد أن باءت محاولاتي في دمشق بالفشل الذريع على مدى أربع سنوات لجأتُ بعدها إلى تغيير مجال اختصاصي وبلد سكناي. خمس سنوات كانت من أصعب سني عمري لكن من أروعها في نفس الوقت قضيتها في الغربة والدراسة والعمل والعيش المستقل فنلت في نهايتها ليس شهادتين جامعيتين فحسب ولكن شهادات عدة في مجالات لا تحصى في الحياة مع تراكم خبرات منها الجميل ومنها المؤلم شكلَت في شخصيتي وكان لها البصمة الأكبر في تكوين الإنسانة التي أنا هي الآن.

خمس سنوات هي مدة زمنية في تاريخ الأشخاص كما الأشياء فقد اقتصرَت ميزانية بيت الزوجية السعيد لي ولزوجي على شراء أريكة يتيمة تتسع لشخصين فقط لا غير كان عليها أن تنتظر ذكرى زواجنا الخامس كي نستبدلها بأريكة ركنية من الجلد استحالت معها غرفة الضيوف في شقتنا إلى غرفة مضيافة ستختصر في السنوات التي تلت عدد ضيوفنا الجاليسين على السجادة وكراسي مائدة الطعام فهناك متسع من المساحة على أريكتنا ومتسع من الحب في قلوبنا أيضا لأننا في عيد زواجنا الخامس كنا قد أصبحنا أسرة من أربعة أشخاص مع استمرارنا في الترحيب بضيوفنا والتقاط صورة كوميدية على "أريكة المشاهير" كما لقبناها. لم نكن عروسين بالمعنى التقليدي للكلمة، يتقدم الشاب لخطبة الفتاة وفي جيبه مفتاح شقة اشتراها بماله أو بمساعدة والديه فنحن لا زلنا لانمتلك سقفاً فوق رؤوسنا سوى سيارة مستعملة، كما لم أكن أنا عروساً يخفي خجلُها مخزون سنين حرصت أمها خلاله على تحويش أصناف وضروب  مستلزمات المنزل والمستلزمات الشخصية، فقد استبدلتُ ذلك النوع من الاستثمار في انتظار عريس السعد بنوع آخر من الاستثمار أبعد ما يكون عن الممتلكات والنواحي المادية لذا خرجت ُمن بيت أبي متأبطة ذراع صديقي ألمح في عينيه بريق الافتخار ليس فيما تملك شريكة حياته من أشياء لكن فيمن هي تلك المعينة نظيره كشخص تركز غناها في شخصيتها وتوزع في نواح عدة ليملأ سراديبها.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيناها أنا وزوجي في الاسكندرية، مدينة ساحلية لا تشبه بيروت إطلاقاً. حتى شمس الغروب وهي تغطس لتختبئ في الجيب الأزرق للبحر المتوسط تتوسطه في بيروت بينما تميل ميلاناً حاداً ناحية اليسار في الاسكندرية. خمس سنوات لم نلمس خلالها ماء البحر على عكس توقع الناس وخاصة أصدقاؤنا وأقاربنا القاطنين في قيظ وتلوث القاهرة أننا نذهب للبحر بانتظام في صورة زوجين سعيدين يحملان بيد شمسية كبيرة ملونة وباليد الأخرى قفة قش بها ما لذ وطاب، تشتبك يديهما الحرتان ببعضهما البعض قاصدَين الشاطئ. خمس سنوات كنت أرى فيها البحر من بعيد تطبيقاً لمبدأ "شم ولا تدوق" ألمحه بطرف عيني وأنا أقود السيارة على طول طريق الكورنيش وأنا حامل، ثم أقطع نفس المسافة برفقة ابني الرضيع، وبعدها يتكرر المشهد مع طفل يمشي وجنين يسبح في بحره الخاص داخل جسمي وآخرها برفقة صغيرين كل منهما يحتل كرسيه الصغير في السيارة ويملأ حيز الهواء بضجيجه الكبير وطلباته التي تُحوّل عملية القيادة البسيطة إلى تحدّ أشك أن كثيرين من الرجال (وخاصة الذين يفتخرون بمهاراتهم في قيادة السيارات) يقدرون على احتماله، لكنه كان من نصيبي لسنوات طوال إلى أن كبر الأبناء نسبياً وتحول العويل والصراخ والبكاء إلى مشادات كلامية كلما اختلفا في الرأي. لكنني خلال تلك السنوات الخمس الأولى كانت سيارتنا تحتوي حفاظات هذا وببرونة حليب تلك يتناغم فيها توقيت الوقفات والاستراحات والبحث عن أماكن للتوقف الطارئ أو التوقف الطويل ومن ثم مشقة النزول من السيارة مع شنطة على ظهري ورضيع على يدي ممسكة بطفل في اليد الأخرى، أستخدم يدا ثالثة لأقفل الباب ورابعة لوضع نظارة الشمس وخامسة لدفع مبلغ نقدي وسادسة وعاشرة لأن الله ينبت للأمهات أياد تفوق عدد أرجل الأخطبوط.
بعد انقضاء خمس سنوات ذهبنا أخيرا إلى مصيف للمرة الأولى وقضينا ليلتين مرضَت فيهما ابنتنا التي كانت قد شارفت على إتمام عامها الأول لكننا حاولنا استثمار الليلتين بأقصى طاقتنا وتم الإنجاز ولمسنا ماء البحر للمرة الأولى وقررنا أن نحاول تكرار تلك الخبرة سنويا.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي قضيناها في مسكن ضيق وظروف إقامة كانت تزداد صعوبتها كل شهر مع ازدياد عددنا وانتظارنا فرصة الانتقال إلى مكان أوسع. عندما غادرنا القاهرة وسكنا تلك الشقة الاسكندرانية كانت السكنى مؤقتة محدودة ببضعة أشهر قد تصل إلى سنة ولكنها امتدت رويداً رويداً حتى تجاوزت سنوات خمس كان أصعب تحدٍ فيها هو مطبخ خالٍ من الرخامة المعتادة كمساحة لإعداد الطعام كما خلى من أي خزائن أو "دواليب" لتخزين الأدوات أو الطعام على حد سواء. كان المطبخ يقتصر على حوض (أو مجلى) وبوتاجاز أضفنا بجواره رفين معدنيين كنت أضع عليهما ستة أطباق وبضعة أكواب مرصوصة في الهواء الطلق بلا باب يقيها من الغبار والأتربة ومن أيادي العابثين الصغار. 
كنت أعرف منذ طفولتي أنني "خلاقة" فقد كنت أقضي ساعات طوال في الرسم والكتابة والعزف والخياطة والأشغال اليدوية. وبعد زواجي اكتشفت أنني أحتاج هذه الخصلة كي تمر الشهور التسعة في حملي الأول بسلام وأنا أطبخ في هذا المطبخ بطريقة "خلاقة" ومن ثم أعقم ببرونات الرضاعة لطفلي وأعد طعامه تحت نفس الشروط والظروف لأدخل مرحلة شهور تسعة أخرى في الحمل الثاني وأطبخ لثلاثة أشخاص رابعهم غير مرئي: زوجي وزوجته الحامل وابنهما. ولدت ابنتنا في نفس المكان وشاركتنا السرير وغرفة النوم التي لم يكن هواؤها يكفي لأربعة أشخاص بينهم مخلوقان صغيران يوقظانني كل ساعة ليشتد التحدي الثاني وهو حرماني من النوم فيزيد بدوره صعوبة أكبر من صعوبة الطبخ في مطبخ "خلاق". فكان الصداع المزمن وتوتر الأعصاب المستمر وانعدام التركيز أصدقائي الجدد على مدى سنوات خمس طوال لم أذق فيها طعم النوم ليلة واحدة فكنت أحلم (أحلام يقظة!) بفرصة نادرة لنوم متواصل لثلاث ساعات لكن حتى تلك كانت ضرباً من ضروب الرفاهيات في ظروف سكنية وحمل وولادة ورعاية أطفال بمفردي مع انشغل زوجي وسفره المتكرر. أنا التي اختصت أيام الجامعة بعلم نفس الطفل وبمبادئ تربوية تفتقت عنها عبقرية أشهر اختصاصيي علم النفس والتربية وعلم الاجتماع في العالم كنت عاجزة عن تحقيق حلمي المثالي في أمومة مثالية أمنح بها أبنائي طفولة مثالية . "بس ربنا ستر" وانقضت السنوات الخمس بأقل نسبة من الخسائر على صعيد تربيتي لأطفالي حتى وإن تركَت نُدباً عصية على الشفاء لدى أمّهما.

خمس سنوات هي المدة الزمنية التي مرت (ولايزال العداد يركض) لم أر فيها بيتي، بيت أهلي، بيت الجد والجدة لأطفالي... هو بيت واحد لكنه بيوت كثيرة داخل بعضها البعض كالدمية الروسية. خمس سنوات لم أذق فيها طعم أن أمسك بابني في يد وابنتي في اليد الأخرى وأصطحبهما لزيارة "تيتا وجدو". اشتقت لرائحة ذلك البيت، اشتقت لصوت المفتاح وهو يقرقع في قفل الباب مرتين ثم ينفتح الباب ورقبتي مائلة باتجاه اليمين أتجنب الجدار الذي يقابلني وأدير بوجهي ناحية الصالة. اشتقت إلى المطبخ الواسع المنير والمجهز بكل ما كانت تحتاجه أمي لطهي أشهى المأكولات والحلويات لأسرة من ستة أشخاص بعد يومها الشاق في العمل كمدرسة لمادة الرياضيات. اشتقت لشرفة المطبخ كما اشتقت لطاولة صغيرة في مطبخنا هناك كنا نتناول عليها طعام الإفطار ونلتف حولها مساء لعشاء سريع نتبادل أثناءه الحديث بينما يجلس أحدنا ويفتح الآخر الثلاجة ويقف ثالث عند حوض الجلي. اشتقت إلى كل غرفة في منزل يتسرب الدفء من جدرانه يلف عظام جسمك بطبقة حماية تقيك من كسور الحياة. أتراني الآن مهشمة لطول بعدي عن تلك الشرنقة؟ هو البيت والملاذ والشاهد لمراحل طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا نحن الأربعة حيث كبرنا أنا وإخوتي ورضعنا مفاهيم ومبادئ خلا منها المجتمع والشارع آنذاك لكنها كانت الغذاء الأمثل لأرواحنا وشخصياتنا. اشتقت إلى علبة مراسلاتي التي كنت أحتفظ بها تحت سريري في الغرفة التي تشاركناها أنا وأختي، فيها رسائل كتبتها لأشخاص مختلفين على اختلاف أهميتهم ودورهم في حياتي مع اختلاف المراحل العمرية ومحطات الحياة. اشتقت إلى ألعابي التي احتفظت بها كي أورثها إلى أولادي إذا تزوجت يوما ما أو رزقت بأطفال. اشتقت إلى صوت حسيس النار في المدفأة أيام الشتاء وإلى الشرفة الواسة التي تطل عليها غرفة الجلوس، شرفة بها ممر خارجي خاص يصلها بغرفة نوم أهلي وبابها السري الذي لا يعلم به إلا أصدقاؤنا المقربون.

أحكي لإبني عن المرة التي اصطحبته فيها لقضاء أسبوعي العيد هناك مع ختام عام 2010. كان قد أكمل ستة أشهر بعد عامه الأول وكنت أنا حاملأ في شهري الأول فينقطع سيل الذاكرة وسلاسة الحديث بسبب مشاجرة مع أخته التي تبلغ من العمر أربع سنوات ونصف وتبدأ هي المشاجرة قائلة: "اشمعنى؟" فهي لم يتزين جواز سفرها بختم مطار دمشق، بعد. خمس سنوات تحولت خلالها معرفتي العقلية والتفاعل النظري مع أصدقائي الفلسطينيين والعراقيين إلى "خبز وملح" تذوقتهما بنفسي وعرفت مرارة الحرمان من الوطن ... ولوعة الغربة القسرية... وجمر الشوق الذي يستحيل جمرأ أبديا، لا هو نار يدفعك لهيبها إلى إخمادها ولا هو رماد يمكنك كنسه أو حتى تجميله بالرسم عليه بإصبعك. يبقى جمراً يكويك بصمت، يحرق لسانك كيلا تجيب بإجابة خارجة عن إطار الكياسة عندما تسمع أحدهم يقول لك: "يا بختِك أهلك معاكي هنا". أأحكي لهم عن شهور الذل والعذاب أم عن طعم الفقدان؟ لكنك لا تملك سوى أن تومئ بتهذيب وتتمتم في نفسك: "لقد كنتُ أنا نفسي يوماً ساذجة مثلهم تماماً... ومن يدري، فقد أكون تفهوهت بمثل تلك العبارات البلهاء لصديقة فلسطينية أو أخرى عراقية!". وألتزم الصمت، فهو أبلغ تعبير وأوقع تعليق يمكن أن يرافق صوراً وأخباراً تصلنا من سوريا لترتفع معها الصلوات والتضرعات الخرساء طلباً لسلامة خالتي وولديها، خالي وأسرته، عمي وأسرته، عمتي وعمتي وأبناء أعمامي و و و ... وتسرح الذاكرة في بحر من الوجوه والأسماء لأصدقاء وأفرادٍ من أسرتي لا زالوا يعيشون جهنم الحرب بتذاكر من الدرجة الأولى، لا تقتصر حياتهم على مقاعد المشاهدة ولكنهم في قلب مسرح الأحداث في مدن كدمشق وحمص وحلب... في قرى كقرية أجدادي... في شوارع وأزقة عاشرتُها كما يترافق صديقان... ولا زال العداد يركض...

خمس سنوات مضاعفة، أي سنوات عشر انقضت منذ زواجنا حين قررنا في صيف عام 2006 أن نؤجل شهر العسل فلا نسافر إلى تركيا أو قبرص أو شرم الشيخ أو تايلاند، فتلك كانت بلدان "آخر موضة" في شهر العسل. قمنا بتأجيل شهر العسل ليس فقط لأننا لانملك النقود الكافية لمشروع كهذا أياً كانت وجهتنا ولكن لأننا قررنا أن نسافر بعد انقضاء سنة على زواجنا نكون خلالها قد تعارفنا وتآلفنا وتصادقنا فنستمتع بهذه الرحلة أكثر من عريسين مرهقين منهكين مادياً ونفسياً ومعنوياً وعلى كل الأصعدة. لم نحظ حتى بحفلة ما بعد العرس فقد اقتصر فرحنا على الخدمة الكنيسة وتلقي التهاني في حديقة الكنيسة الإنجيلية بدمشق غادر بعدها الحضور كل إلى منزله. لقد كانت خطة تأجيل شهر العسل مقصودة لسنة واحدة قفط أو اثنتين على الأكثر سنستقر بعدها في مشروع الإنجاب لكن الإنجاب تأجل سنوات ثلاث وشهر العسل تأجل سبع سنوات بعدها وانتهى بنا المطاف أننا أكملنا خمستين فأبدأ أنا جدياً في التخطيط لإحياء ذكرى زواجنا العاشر في رحلة ما إلى بلد ما. أخطط لسفر أشبه بالسراب قد لا يتحقق لكنه على الأقل سيشغل ذلك الحيز الصغير في رف أحلامي كنت قد خصصته لحلم بعنوان: "سفرية شهر العسل" لكنه ملف كتب عليه الآن بخطٍ مختلف عبارة إضافية "بعد التعديل" لأننا لن نكون عريسين ولا زوجين تقطر الرومانيسية من جوازات سفرهما وتذاكر الطائرة متعددة الوقفات وحساباتهما البنكية الدسمة، فسنكون برفقة صبي في السابعة وأخته التي ستكمل الخامسة وأستبدل صورة شهر العسل بصورة عائلة سعيدة معها الخبز الكفاف، صورة تضيؤها إشراقة ابتسامة طفلين يتطاير الحماس من عيونهما. وسأستبدل اللون الأبيض لفستان العروس بخطوط بيضاء علت شعرها وتعذر إخفاؤها كالسابق. كل خصلة بيضاء منها، سواء اقتصرت على بضعة شعرات أو جمعت فريقا كاملا منها، هي ضربة ريشة لفنان. تشهد كل ضربة منها عن ألم صغير وآخر كبير، بعضها تمكنت من تجاوزه وبعضها الآخر ترك آثارا لم تقتصر على الشيب، لكن في كلتا الحالتين لا متسع هنا لفرد قوائم تؤرخ وتفصّل وتشرح باقتضاب أو باستفاضة عن تلك التجارب المؤلمة فالمؤامرة الآن ليست لفضح المستور وتعداد الدموع المختبئة وراء الابتسامات وليست للعق الجراح واجترار آلام الماضي ولكنها مؤامرة للتحايل على الزمن وخداع الواقع وللمناورة يميناً وشمالا لإيصال الكرة إلى الهدف، عائلتي إلى السفر. العروس التي كنتُها قبل عشر سنوات مضت، إيصالها إلى شهر العسل. أطفالي الذين لا يكفون عن السؤال عن هذا وذاك إلى مكان لن يسألونني فيه ولو لبضعة أيام عن بقعة الصرف الصحي التي يفيض بها شارع منزلنا وعن معنى السباب القذر الذي خصني به سائق التكسي وأنا أوصلهما بسيارتنا إلى مدرستيهما وعن سبب إصراري على ارتدائهما ثيابا صيفية خفيفة وسراويل قصيرة لأن حرارة الجو قاتلة بينما أختنق أنا متخفية داخل ملابس طويلة الأكمام والذيول. ربما، وأقول ربما لو سافرنا فسأسمع أسئلة من نوع مختلف عن رائدة فضاء أو عالم ذرّة فأغذي نهمَهُما للمعرفة بأن أشير بإصبعي إلى تماثيل لأناس عظماء غيروا وجه التاريخ ولازالت صورهم وإنجازاتهم تزين شوارع مدينة أجنبية نظيفة، فأولادي في النهاية قد ختموا ما يمكن تعلمه في شوارعنا وقد حفظوا كل أنواع السيارات المتاحة في الاسكندرية عن ظهر قلب ومراحل نمو القمر في سمائها واختلاف درجات الأزرق في بحرها.

ماذا عن Plan B؟ تحسبا لأية إحباطات متوقعة، أو عواقب حتمية فسأضع خطة بديلة، ستكون تماماً كجوائز الترضية في المسابقات الكبرى، لأنني وإن كنت أميل بطبيعتي إلى تبني عناد الأطفال وضرب الأرض بالأقدام "بدي سافر بدي سافر" فإنني سأحَكِم عقلي البالغ من العمر أكثر من ستة وثلاثين عاماً وسأسترجع أحلاماً صغيرة وكبيرة رأيتها تقتل أمام عيني وأتحلى بنظرة واقعية أو حتى ساخرة: "لأنو مين يعني محتاج شي إسمو بريك؟ وشو يعني لو كنت مرهقة فوق العقل والتصور؟ سنة اتنين عشرة ولا مليون ... شو يعني إزا قعدت 6 سنين ونص مو نايمة ليلة لحالي بعيد عن الأولاد؟ وشو يعني إزا عندي تعب نفسي وجسدي مزمن وشوية عقد وتعقيدات عم تتراكم سنة ورا سنة؟ هو ضروري الواحد يعني يبعد شوي مشان يرجع فريش؟ ما هي أساساً الأجازة رفاهية سواء أسبوعية أو شهرية أو سنوية وأنا مو طايلة ولا واحدة منها ويمكن حتى ما كون أساساً باستاهلها بعد كل هالشقى والتعب اللي ما يعلم بيه إلا ربنا؟ وعيب عليكي أساساً يا بنت في ناس مو ملاقية أكل وانت قاعدة عم تتوحمي صارلك مليون سنة على أجازة شخصية لحالك حتى لو ليلة يتيمة أومشتهية عطلة عائلية طويلة بمكان بعيد أو سفر وهروب وراحة وحكي فاضي... يعني بكلمة واحدة "اخرسي" بس بطريقة مهذبة طبعا أنا ما كتبت هالكلمة، هو اللي عم يقرأ تخيلها مكتوبة، لأنو الناس المتحضرين ما بيصير يحكوا هيك... ولما كنت أسمع واحدة عم تشكيلي وأنا باعرف ان حياتها مافيها ولا 5% من المرار اليومي تبعي كنت أخرس قبل ما قولها: لك تعي جربي 24 ساعة بدالي كنتي انتحرتي... فكيف لو جربتي أسبوع ولا شهر ولا سنة؟ هي بالنهاية كلها رص حروف وكلمات عادية ما حدا رح يفهم منها شي ولا رح يحس معي شعراية واحدة لأن شكل حياتي من برا قمة في الروعة بينما الدقائق والثواني في خبرة الأمومة كانت عم تخبي آلف آه و آه... طالعة من قلب نهشته الوحدة ... وبطل يشتهي مساعدة... ولا يشتهي كتف رفيقة أشكيلها وتفهمني... لك بطل حتى بدو يشتكي... قاعد يلف ويدور حوالين الموضوع لأنه عيب نحكي وعيب نشرح وعيب نقول لازم دايما نحافظ على الصورة المثالية من برا... صرت بس مشتهية فنجان قهوة ودردشة مع شي حدا... حتى هاد كتير... طب فنجان قهوة مع كتاب....طب شو رأيك تخرسي؟"
 لكنني لا زلت واقفة ولازلت أتقن تمثيلية الحياة بمهارة الزوجة والأم المثالية لذا سأتوقف عن الكلام خشية الانزلاق إلى التفاصيل وسأعود إلى صياغة خطة بديلة للمشروع العملاق أنه في حال فشله فسنذهب إلى المنتزه (حدائق قصر الملك فاروق في الاسكندرية) حيث سأطلق العنان لأشجاني وسأطلق أبنائي يطاردون كل هدهد تلمحه عيونهما الصغيرة، لأن عيونهما الرقيقة تلك ربما تكون في نهاية الأمر قادرة على الرؤية بشكل أوضح وأعمق من العمى الذي حل بي فاستبدلت تعداد بركاتي بدمدمة وتذمر يقودني إليهما جشعي وطمعي في السفر هذا الصيف، صيف 2016 بينما كل ما يطمح إليه هذان الصغيران هو "مشوار ع المنتزه بالأجازة نشوف الهدهد ونركض ونلعب ونعمل picnic ع السجادة بعدين نتغدى بالمطعم".



Saturday, September 27, 2014

مستنيين هدية العيد

طول عمري بحب الهدايا بكافة أشكالها وألوانها، بحب أستلم هدايا وبحب أهدي هدايا،شعور انتظار الهدية بيشبه شعور اللي مستنية أختها بالمطار، وشعور انتظار ردة فعل حدا على هديتك بيشبه شعور كسر البطيخة
ليلة عيد الميلاد كانت مميزة كتير ببيت أهلي لأنهم كانوا يحطولنا هدايانا تحت الشجرة ونفتحون تاني يوم الصبح قبل ما نروح ع الكنيسة، حتى لما صرنا أنا واخواتي قد الشناتير (مو مسبة، وصف "ظريف" للعمالقة) وصرنا نحنا نجيب هدايا لبعض وهدايا لأهلي، ضلوا أهلي يجيبولنا هدايا
حتى لو كانت اسوارة كهرمان مخبيها بابا من أيام رجعته من روسيا سنة ألف وتسعمية وخشبة بس لساتا جديدة بورقتها وعلبتها اللي صار لونها كاحت، حلوة الهدية
حتى لو كانت كراكيش تبادل غلاظة جايبينها لبعض أنا واخواتي، حلوة الهدية
حتى لو كانت مبينة شو هي من قبل ما حدا يفتحها لأنو أخي نسي يشتري ورق لف هدايا وقرر يشحد مني بس أنا ما ضل عندي فحط الهدية بكيس السوق من الشام!! حلوة الهدية

لما كبرت صرت أصرف كمية وقت واهتمام ومصاري مشان أهدي أصحابي هدايا في من وراها معاني كتير لصداقتنا ولشخصية المتلقي لأنها أشياء بيحبوها أو ذكروها قدامي يوما ما وأنا لقطت المعلومة أو عرفت من مصادر موثوقة مقربة من الضحية انها كانت رح تشتريها

بحب الهدايا العملية وتحديدا المناشف والجرابات والكتب ولما أحتار في اختيار كتاب بشوف لو فيني أهدي قسيمة شراء من مكتبة حتى الشخص هو يختار الكتاب اللي بيشبهه أو حابب يقراه ولساتني باتشوق أهدي مناشف وجرابات مع ان الكل بيفهمها غلط كأني عم قول للواحد "انت معفن" بتضل برأيي هدية حلوة حتى لو بطلت جيبها من زمان

في مرحلة ما من تاريخ الهدايا القديم والمعاصر ظهرت ظاهرة "الأميركاني" اننا كشلّة أصحاب بدل ما كل واحد يجيب هدية عجيبة منجمع مبلغ وفيه صاحب المناسبة بيشتري هدية حرزانة، حتى وقتها ضليتني بحب الهدايا وصرت أتحجج اني أنا اللي جيب الكرت الجماعي أو أعمله مشان نوقع أسامينا عليه

هدية ورا هدية ومناسبة ورا مناسبة 
هدية بمناسبة
وهدية بلا مناسبة
مرت السنين ومريت أنا بكتير أحداث بحياتي غيرتني وآخرها الحرب.
الحرب قدرت بدون أدنى مجهود انها تغير فيني حب الهدايا، سلبت مني شغفي للهدايا حتى لو كانت هدية عم أشتريها مو لحدا غير إلي
بطلت حب اشتري هدايا حتى لحالي

هدايا الحرب بقا كلنا منعرفها، في مننا دفع حياته لما استلمها ومننا بس بيمر على الفيترينة (شاشة تلفزيون أو كمبيوتر) وبيتفرج وبيهز راسه ولا يخرج قبل أن يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، رحمتك يارب 
غزة وصلتها هدايا "لتشيفة" برمضان وعيد الفطر، وسوريا حاليا مستنية هدايا "لتشيفة" بمناسبة مضاعفة وهي بداية المدارس وعيد الأضحى، متل الشامبو 2 بـ 1

وبعكس المنطق ان الهدية ما بتنهدا، أو متل ما كنا نقول أنا ورفقاتي من زمان: الكادو ما بتنكدا، هاد النوع من الهدايا بينهدا، بينرد متل ما هو مع اختلاف ان الرد على هيك نوع من الهدايا إله إسم : "الانتقام" 
مدري مين رقم 1 بيقصف مدري مين رقم 2 بيقوم الأخير بيروح ع بلد الأولاني وبيفجر حالو بحزام ناسف
تخنتا مو؟ إرهابي مالنا علاقة فيه
طيب لو غيرنا السيناريو
مدري مين رقم 3 بيستعمل السلاح الكيماوي ضد مدري مين رقم 4 بيروح الأخير بيرد الهدية بس مع الأسف لأنه بعيد (وهو أنا) بيردها على نظام pay it forward ما بيوجه انتقامه للمجرم بعيد المنال، بس بيراكم كمية عنف ومرارة وحقد ما إلهم أي متنفس أو منفذ غير الذات والأطفال، هدول الـ3 مخلوقات هني ضحايا "انتقامي" اللي بفرّغ فيهم شحنة الغضب اللي عم تغلي جواتي وهني بكل بساطة ما إلهم ذنب لكن على قولة المثل احشر القط بالزاوية بيخرمشك، كلنا محصورين بزوايا مع ان الغريب كيف لقينا زوايا ونحنا عايشين في دائرة!! دائرة مفرغة من البشاعة والذبح حرفيا و مجازيا. دائرة البيضة مين باضها والجاجة مين جابها والعين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم. الشكل الذي عجز أمامه علماء الهندسة الفراغية : دائرة الدم المتعددة الزوايا... وبس الحرب فلحت انها ترسم هالدائرة ولفـّي يا بشرية...

هو صعب يكون عند البني آدم رد فعل طبيعي لأخبار مو طبيعية وحياة مو طبيعية وأحلام معاقة ومشوهة بريحة البارود والكيماوي اللي شربه تراب كياننا وانزرعت بذوره بأيامنا، وشهر بعد شهر صار معشش فينا وعم يفرّخ ويفقس "يختشي كميلة" ويبرعم ويمد إيده على كل تفصيلة بحياتنا، يا زلمة صار لازمنا جلسات detox مؤبد.

بناء على ما سبق: سواء هدية فردية أو هدية "أميركاني" جماعية وحرزانة...
أتابع أو لا أتابع الأخبار؟ هذا هو السؤال
عن الضربة العسكرية على سوريا أتحدث


بدون تعليق: ليلة عيد ليلة عيد، بس أي عيد؟ ومين اللي هاد رح يكون آخر عيد بيوعاله بالدنيا؟ حزينة الناس صوت تفجيرات عم بتدب قريب وبعيد